لا يمكن التعامل مع الحالة الإريترية باعتبارها مجرد ملف انتهاكات حقوقية عادية أو تجاوزات أمنية متفرقة، بل باعتبارها نموذجاً مكثفاً لدولة أُعيد تشكيل علاقتها بالمجتمع عبر الخوف، والتجنيد القسري، والاعتقال التعسفي، وإغلاق المجال العام، ومصادرة الحق في التنظيم والتعبير والتنقل.
منذ استقلال إريتريا عام 1993، لم تشهد البلاد انتخابات وطنية حرة، ولم تتطور فيها مؤسسات رقابية مستقلة، وبقي حزب الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة الحزب السياسي الوحيد عملياً، بينما أُغلقت الصحافة المستقلة منذ عام 2001، وقد صنّفت Freedom House إريتريا في تقرير 2025 كدولة “غير حرة” بدرجة 3 من 100 فقط، منها 1 من 40 في الحقوق السياسية و2 من 60 في الحريات المدنية.
خطورة الحالة الإريترية لا تكمن فقط في حجم الانتهاكات، بل في طبيعتها المنظمة والممتدة زمنياً، ففي عام 2016، أعلنت لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة أن جرائم ضد الإنسانية ارتُكبت في إريتريا على نحو واسع ومنهجي في مراكز الاحتجاز، ومعسكرات التدريب العسكري، ومواقع أخرى داخل البلاد، على مدى أكثر من 25 عاماً.
وذكرت اللجنة أن الجرائم شملت الاستعباد، والسجن، والإخفاء القسري، والتعذيب، والاضطهاد، والاغتصاب، والقتل، وأفعالاً لا إنسانية أخرى، ضمن حملة تهدف إلى بث الخوف ومنع المعارضة والسيطرة على السكان المدنيين.
لماذا نتحدث عن “جرائم ضد الإنسانية”؟
الجرائم ضد الإنسانية لا تعني فقط وقوع انتهاكات جسيمة، بل تعني أن هذه الانتهاكات ارتُكبت ضمن هجوم واسع النطاق أو منهجي ضد السكان المدنيين، بهذا المعنى، تصبح المشكلة ليست في سلوك فردي من ضابط أو مسؤول، بل في نمط حكم وإدارة وسيطرة، وهذا ما يجعل الحالة الإريترية خطيرة حقوقياً؛ لأن الانتهاكات الموثقة لا تظهر كأحداث معزولة، بل كسياسات متكررة تمس حرية المواطن وحياته ومستقبله وحقه في البقاء داخل بلده دون خوف.
وقد أشارت لجنة التحقيق الأممية إلى غياب القضاء المستقل، وغياب الجمعية الوطنية الفاعلة، وانعدام المؤسسات الديمقراطية، معتبرة أن هذا الفراغ في الحكم وسيادة القانون خلق مناخاً للإفلات من العقاب، وبحسب اللجنة، لا توجد فرصة حقيقية داخل النظام القضائي الإريتري لمحاسبة المسؤولين بصورة عادلة وشفافة، ما يجعل المساءلة الدولية ضرورة لا خياراً سياسياً.
الخدمة الوطنية المفتوحة
تُعد الخدمة الوطنية غير محددة المدة جوهر الأزمة الحقوقية في إريتريا، ففي العديد من الدول، قد تكون الخدمة العسكرية محددة زمنياً ومنظمة بقانون واضح، لكن في الحالة الإريترية تحولت إلى نظام مفتوح قد يستمر لسنوات طويلة، ويشمل العمل العسكري والمدني، ويؤثر على التعليم، والعمل، والزواج، والتنقل، والحياة الأسرية، هذا النظام هو أحد الأسباب الرئيسية التي تدفع آلاف الإريتريين إلى مغادرة البلاد.
في تقرير المقرر الخاص للأمم المتحدة لعام 2025، وُضعت الخدمة الوطنية غير المحددة في قلب الأزمة، إلى جانب الاعتقال التعسفي، والإخفاء القسري، وغياب المساءلة وسيادة القانون، وانتهاكات حرية الدين أو المعتقد، والقمع العابر للحدود، كما أشارت لجنة التحقيق عام 2016 إلى أن مدة الخدمة العسكرية والوطنية المفتوحة تُذكر باستمرار من قبل الإريتريين كسبب رئيسي للفرار، وأن 47,025 إريترياً تقدموا بطلبات لجوء في أوروبا عام 2015 وحده.
واحدة من أكثر الأرقام دلالة في الحالة الإريترية هي تقدير مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان بأن هناك أكثر من 10,000 شخص محتجزين تعسفياً في إريتريا، بينهم سياسيون وصحفيون ورجال دين وطلاب، هذا الرقم لا يعكس فقط حجم القمع، بل يكشف عن نمط واسع من استخدام السجن كأداة لإدارة المجتمع، لا كإجراء قضائي استثنائي.
والاعتقال التعسفي في إريتريا غالباً لا يرتبط بمحاكمة عادلة أو تهمة واضحة أو حق في الدفاع أو معرفة مكان الاحتجاز، كثيرون يُحتجزون بمعزل عن العالم الخارجي، وتبقى عائلاتهم لسنوات لا تعرف مكانهم أو مصيرهم، ومن زاوية حقوقية، هذا يعني أن الدولة لا تنتهك حق الفرد في الحرية فقط، بل تنتهك حق الأسرة في المعرفة، وحق المجتمع في الحقيقة، وحق الضحايا في الانتصاف.
الإخفاء القسري وقمع الصحافة
الإخفاء القسري من أخطر الانتهاكات لأنه يجمع بين الاعتقال والإنكار والصمت، فعندما يُعتقل شخص دون إعلان مكانه أو الاعتراف بوضعه القانوني، يصبح خارج حماية القانون، وتصبح عائلته عالقة بين الأمل والخوف، في الحالة الإريترية، لم تعد هذه الممارسة استثناءً، بل جزءاً من صورة أوسع تتعلق بإخفاء المعارضين والصحفيين والمسؤولين السابقين ورجال الدين.
وتكمن خطورة الإخفاء القسري في أنه لا ينتهي لحظة الاعتقال، بل يستمر طالما بقي مصير الشخص مجهولاً، لذلك، فإن أي مساءلة حقوقية جدية يجب أن تبدأ بالكشف عن أماكن المحتجزين، ونشر قوائم رسمية بأسمائهم، والسماح لأسرهم ومحاميهم بزيارتهم، وإخضاع أماكن الاحتجاز للرقابة المستقلة.
ومنذ عام 2001، أُغلقت الصحافة المستقلة في إريتريا، وبقي الصحفيون المستقلون عرضة للاعتقال والملاحقة والإخفاء، وهذا ليس تفصيلاً إعلامياً فقط، بل مؤشر أساسي على طبيعة النظام السياسي، فعندما تُغلق الصحافة، لا يفقد الصحفيون وحدهم حقهم في التعبير، بل يفقد المجتمع كله حقه في المعرفة، ويفقد الضحايا واحدة من أهم أدوات كشف الانتهاكات.
وتشير Freedom House إلى أن الحكومة أغلقت جميع وسائل الإعلام المستقلة عام 2001، وأن الاعتقال التعسفي شائع، وأن المواطنين ملزمون بأداء الخدمة الوطنية التي قد تمتد طوال الحياة العملية، ولهذا يصبح قمع الإعلام جزءاً من بنية الجريمة، لأن الصمت المفروض يسمح باستمرار الاعتقال والتجنيد القسري والإخفاء دون رقابة أو مساءلة.
حرية الدين والمعتقد
لا تقتصر الأزمة الإريترية على السياسة والصحافة، بل تمتد أيضاً إلى حرية الدين والمعتقد، فوفق لجنة الولايات المتحدة للحرية الدينية الدولية، لا تعترف الحكومة الإريترية رسمياً إلا بأربع جماعات دينية: الإسلام السني، وكنيسة التوحيد الأرثوذكسية الإريترية، والكنيسة الكاثوليكية الرومانية، والكنائس اللوثرية الإنجيلية، أما الجماعات غير المسجلة فتواجه قيوداً شديدة على التجمع والعبادة وبناء دور العبادة أو امتلاكها.
وفي تقريرها لعام 2026، ذكرت اللجنة أن الحكومة تحتجز نحو 10,000 من سجناء الرأي والمحتجزين بمختلف فئاتهم في أكثر من 300 منشأة احتجاز في البلاد، كما أشارت إلى أنه في عام 2025 بقي 64 من شهود يهوه رهن الاحتجاز، وأن السلطات احتجزت 44 مسيحياً في يناير، بينهم 27 مراهقاً، خلال خدمة دينية خاصة في منزل بالعاصمة أسمرة.
الأرقام المتعلقة باللجوء تكشف عمق الأزمة، فبحسب مذكرة معلومات قطرية بريطانية لعام 2025، استناداً إلى بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بلغ عدد الإريتريين خارج البلاد كلاجئين وطالبي لجوء 679,346 شخصاً عام 2025، منهم 560,146 لاجئاً و119,200 طالب لجوء، وذكرت المذكرة أن العدد ارتفع بنسبة 2.5% عن عام 2024، حين كان 663,078.
هذه الأرقام ضخمة إذا قورنت بحجم السكان، فصندوق الأمم المتحدة للسكان يقدّر عدد سكان إريتريا عام 2025 بنحو 3.6 مليون نسمة، حتى مع اختلاف التقديرات السكانية بين المصادر، فإن وجود مئات الآلاف من الإريتريين في الخارج كلاجئين وطالبي لجوء يوضح أن الأزمة ليست اقتصادية فقط، بل أزمة حماية وحرية وأمان شخصي، الناس لا يفرون فقط بحثاً عن فرصة عمل، بل هرباً من التجنيد المفتوح والاعتقال والخوف وانعدام الأفق السياسي.
العقاب الجماعي وملاحقة الفارين
من أخطر ملامح الحالة الإريترية أن الهروب من الخدمة أو مغادرة البلاد بصورة غير نظامية لا يُنظر إليه دائماً كتصرف فردي، بل قد يعرّض الشخص وعائلته للملاحقة أو العقاب أو سوء المعاملة، وتشير المذكرة البريطانية لعام 2025 إلى أن كثيراً من الإريتريين يحاولون تجنب أو الهروب من الخدمة الوطنية، أحياناً عبر مغادرة البلاد بصورة غير قانونية، وأن عقوبات التهرب أو الفرار أو رفض أداء الخدمة لأسباب ضميرية قد تشمل السجن والاحتجاز وأشكالاً أخرى من سوء المعاملة.
وهنا تتحول الدولة من سلطة تنظيمية إلى سلطة عقابية ممتدة؛ فهي لا تكتفي بملاحقة الشخص، بل تخلق بيئة خوف حول العائلة والمجتمع المحلي، وهذا النوع من السيطرة يقتل المجال المدني قبل أن يتشكل، لأن المواطن يدرك أن الاعتراض أو الفرار أو الصمت نفسه قد تكون له كلفة.
لا يمكن فهم الجرائم ضد الإنسانية في إريتريا دون النظر إلى غياب سيادة القانون، عندما لا يوجد قضاء مستقل، ولا برلمان فاعل، ولا إعلام حر، ولا أحزاب سياسية، ولا منظمات مجتمع مدني قادرة على العمل، تصبح الحقوق بلا حماية داخلية، في هذه الحالة، لا يكون الضحية أمام مؤسسة يمكن أن يلجأ إليها، بل أمام بنية مغلقة من السلطة والأمن والصمت.
وقد وصفت لجنة التحقيق الأممية إريتريا بأنها دولة سلطوية لا يوجد فيها قضاء مستقل ولا جمعية وطنية ولا مؤسسات ديمقراطية أخرى، معتبرة أن ذلك خلق فراغاً في الحكم وسيادة القانون وسمح باستمرار الإفلات من العقاب لجرائم ضد الإنسانية على مدى ربع قرن.
مجتمع محاصر بين الخدمة واللجوء
تترك هذه الانتهاكات أثراً عميقاً على المجتمع الإريتري، فالشباب يعيشون تحت تهديد الخدمة المفتوحة، والعائلات تعيش تحت خوف فقدان أبنائها، والطلاب قد يجدون أنفسهم أمام مسار إجباري لا يملكون التحكم فيه، والصحفيون والنشطاء ورجال الدين والمعارضون يواجهون خطر الاعتقال، ومع غياب الإعلام المستقل، يصعب على المجتمع أن يناقش أزماته علناً أو يطالب بإصلاحات تدريجية.
كما أن النزيف البشري عبر اللجوء يضعف المجتمع داخلياً، عندما يغادر مئات الآلاف من المواطنين بلدهم، لا تخسر الدولة أفراداً فقط، بل تخسر طاقات إنتاجية وتعليمية ومهنية، وتتفكك عائلات، ويتحول اللجوء من قرار فردي إلى ظاهرة بنيوية تعكس فشل الدولة في حماية مواطنيها.
لماذا لا تكفي الإدانة؟
رغم أن الأمم المتحدة وثّقت منذ سنوات وجود أسس معقولة للاعتقاد بوقوع جرائم ضد الإنسانية، فإن المساءلة ما زالت محدودة، وهذا يطرح سؤالاً أخلاقياً وقانونياً: ما قيمة التوثيق إذا لم يتحول إلى مسار إنصاف؟ الإدانة وحدها لا توقف الاعتقال، ولا تكشف مصير المختفين، ولا تنهي الخدمة الوطنية المفتوحة، ولا تعيد الصحافة المستقلة.
لذلك، تحتاج الحالة الإريترية إلى مسار دولي أكثر جدية، يشمل دعم آليات التحقيق، وتفعيل الولاية القضائية العالمية في الدول التي تسمح قوانينها بذلك، وحماية اللاجئين الإريتريين من الإعادة القسرية، وربط أي انفتاح دولي على الحكومة الإريترية بتحسينات ملموسة في حقوق الإنسان، لا بوعود عامة.
جريمة مستمرة
الأرقام في إريتريا لا تقرأ كإحصاءات جامدة، بل كدليل على أزمة إنسانية وسياسية عميقة: أكثر من 10,000 محتجز تعسفياً، مئات مرافق الاحتجاز، 679,346 لاجئاً وطالب لجوء خارج البلاد وفق تقديرات 2025، درجة حرية لا تتجاوز 3 من 100، وخدمة وطنية مفتوحة تدفع الشباب إلى الهروب من وطنهم، هذه الأرقام تكشف أن المشكلة ليست في واقعة واحدة، بل في منظومة كاملة تستخدم الخوف كأداة حكم.
ومن منظور حقوقي، فإن المدخل الحقيقي لمعالجة الحالة الإريترية يبدأ من خمسة مطالب واضحة: إنهاء الخدمة الوطنية غير محددة المدة، والإفراج عن المحتجزين تعسفياً أو تقديمهم لمحاكمات عادلة، والكشف عن مصير المختفين قسرياً، وفتح المجال العام أمام الإعلام والمجتمع المدني، وضمان مساءلة المسؤولين عن الجرائم ضد الإنسانية، فالشعوب لا تطلب المستحيل حين تطالب بالحرية، بل تطلب الحد الأدنى من معنى الدولة: أن تكون سلطة لحماية الإنسان، لا جهازاً دائماً لإخضاعه.

