دعت 30 منظمة حقوقية، من بينها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إلى تمديد ولاية المقرر الخاص المعني بحالة حقوق الإنسان في إريتريا، وتبني قرار قوي لا يكتفي بمواصلة الرصد والتوثيق، بل يدفع أيضًا باتجاه وضع خيارات واضحة لمساءلة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة التي تقول المنظمات إنها مستمرة منذ سنوات وسط إفلات واسع من العقاب.
وجاءت الدعوة في رسالة مشتركة وُجهت إلى الدول الأعضاء قبيل انعقاد الدورة الـ62 لمجلس حقوق الإنسان، المقرر عقدها بين 15 يونيو و10 يوليو 2026.
وطالبت المنظمات المجلس بتمديد ولاية المقرر الخاص، وتكليفه بتعزيز توثيق الانتهاكات، وتقييم تطور حالة حقوق الإنسان في إريتريا بعد مرور عشر سنوات على تقرير لجنة التحقيق الأممية، وتحديد الآليات الدولية الممكنة لتحقيق المساءلة والعدالة للضحايا.
دعوة إلى قرار أقوى
قالت المنظمات الموقِّعة إن استمرار ولاية المقرر الخاص لا يزال ضروريًا في ظل غياب أي تحسن جوهري في أوضاع حقوق الإنسان داخل إريتريا، ورفض الحكومة التعاون بشكل فعّال مع آليات الأمم المتحدة.
وشددت الرسالة على أن مجلس حقوق الإنسان مطالب بتجاوز تجديد الولاية بصورة روتينية، عبر تكليف المقرر الخاص بمهمة أوضح في ما يتعلق بتجميع الأدلة، وتوثيق الأنماط المستمرة من الانتهاكات، وطرح خيارات عملية للمساءلة، استنادًا إلى ما سبق أن خلصت إليه لجنة التحقيق الأممية بشأن إريتريا عام 2016.
وتتولى ولاية المقرر الخاص حاليًا متابعة حالة حقوق الإنسان في البلاد وتقديم تقارير دورية إلى مجلس حقوق الإنسان والجمعية العامة. وتشير صفحة مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إلى أن الخبير السوداني محمد عبد السلام بابكر عُين مقررًا خاصًا معنيًا بإريتريا في سبتمبر 2020.
جرائم محتملة ضد الإنسانية
ذكّرت الرسالة بأن لجنة التحقيق الأممية بشأن إريتريا خلصت في عام 2016 إلى أن السلطات الإريترية ارتكبت أفعالًا قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية، شملت الاستعباد، والاحتجاز، والاختفاء القسري، والتعذيب، والاضطهاد، والاغتصاب، والقتل.
وقالت المنظمات إن هذه الانتهاكات لم تُعالج حتى الآن، بل ما تزال مستمرة في بيئة تفتقر إلى المساءلة والشفافية وسبل الانتصاف للضحايا، وكانت لجنة التحقيق الأممية قد أكدت عام 2016 وجود انتهاكات واسعة ومنهجية في إريتريا، ودعت إلى مساءلة المسؤولين عنها.
وتقدّر المنظمات أن أكثر من 10 آلاف شخص محتجزون تعسفًا في إريتريا، بينهم سياسيون وصحفيون ورجال دين وطلاب، وتلفت الرسالة إلى أن مجموعة من 11 مسؤولًا حكوميًا، المعروفة باسم G11، لا تزال رهن الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي منذ سبتمبر 2001، من دون محاكمة أو إعلان رسمي عن مصير أفرادها.
وتعتبر المنظمات أن استمرار احتجاز هؤلاء منذ أكثر من عقدين يعكس طبيعة الأزمة الحقوقية في البلاد، حيث يغيب القضاء المستقل، وتُستخدم الاعتقالات السرية والمطولة لإسكات المعارضين ومنع أي مساحة للتنظيم السياسي أو التعبير المستقل.
الخدمة الوطنية الإلزامية
تطرقت الرسالة أيضًا إلى نظام الخدمة الوطنية الإلزامية في إريتريا، الذي سبق أن وثقته لجنة التحقيق وآليات أممية أخرى باعتباره أحد أبرز مصادر الانتهاكات، وتقول منظمات حقوقية إن هذا النظام يرتبط بعمل قسري، وتجند طويل أو غير محدد المدة، وقيود شديدة على حرية الحركة والعمل والحياة الأسرية.
وكان المقرر الخاص المعني بإريتريا قد واصل في تقاريره السابقة تسليط الضوء على قضايا الاعتقال التعسفي، والاختفاء القسري، والخدمة الوطنية والعسكرية المطولة، باعتبارها من أكثر أنماط الانتهاكات رسوخًا داخل البلاد.
وقد ذكرت رويترز في 2025 أن إريتريا سعت إلى إنهاء ولاية المقرر الخاص، في خطوة أثارت مخاوف من تقويض آلية دولية أساسية للمراقبة والمساءلة.
وحذرت المنظمات مما وصفته بـ“القمع العابر للحدود”، قائلة إن السلطات الإريترية تستهدف أفرادًا من الشتات خارج البلاد بهدف السيطرة عليهم وإسكات المعارضة السلمية. وربطت الرسالة هذا النمط بتقييد أوسع لحرية التعبير والتنظيم للإريتريين داخل البلاد وخارجها.
وترى المنظمات أن خوف أفراد الشتات من الانتقام أو التضييق على عائلاتهم داخل إريتريا يحد من قدرتهم على التعبير أو التنظيم أو المشاركة في جهود المساءلة، ما يجعل القمع لا يتوقف عند حدود الدولة.
اتهامات في تيغراي
تطرقت الرسالة إلى الاتهامات الموجهة إلى القوات الإريترية خلال النزاع في إقليم تيغراي الإثيوبي، حيث تتهم تقارير حقوقية وأممية هذه القوات بارتكاب فظائع قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وأشارت الرسالة إلى أن رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد أقر بوقوع انتهاكات ارتكبتها القوات الإريترية في مدينة أكسوم وأجزاء أخرى من تيغراي، داعية إلى ضمان عدم إفلات المسؤولين عن هذه الجرائم من المحاسبة.
وانتقدت المنظمات ما وصفته بعدم تعاون الحكومة الإريترية مع آليات حقوق الإنسان الدولية، ورفضها تنفيذ قرارات صادرة عن اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب.
وقالت إن توفير المساعدة التقنية أو بناء القدرات وحده لا يكفي في الحالة الإريترية، لأن الأزمة، بحسب الرسالة، ذات طبيعة سياسية ومنهجية وليست مجرد نقص في الموارد أو القدرات.
ونقل بيان منظمة Christian Solidarity Worldwide عن الرسالة أن عدم إحراز تقدم يعود إلى السياسات الحكومية لا إلى عجز فني، وأن الاكتفاء بالمساعدة التقنية لن يكون كافيًا لمعالجة الانتهاكات المستمرة.
مطالب محددة
طالبت المنظمات بأن يتضمن القرار المرتقب لمجلس حقوق الإنسان عدة عناصر رئيسية، أبرزها تمديد ولاية المقرر الخاص، وحث الحكومة الإريترية على التعاون معه والسماح له بدخول البلاد، وتكليفه بتقييم تطور الوضع الحقوقي بعد عشر سنوات على تقرير لجنة التحقيق.
كما دعت إلى أن يقدم المقرر الخاص خيارات واضحة بشأن آليات المساءلة الممكنة، بما في ذلك سبل دعم الضحايا، وحفظ الأدلة، وتعزيز التعاون مع الآليات الدولية والإقليمية، وعدم السماح بطي ملف الجرائم السابقة أو التعامل معها باعتبارها شأنًا تاريخيًا منتهيًا.
ومن بين المنظمات الموقعة على الرسالة العفو الدولية، وهيومن رايتس ووتش، ومراسلون بلا حدود، والفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان، إلى جانب عدد من المنظمات الإريترية في المنفى.
وترى هذه المنظمات أن بقاء ولاية المقرر الخاص يشكل الحد الأدنى الضروري للحفاظ على الرقابة الدولية على بلد مغلق أمام المراقبين المستقلين، ولا يسمح بعملٍ حرٍ للإعلام أو المجتمع المدني أو المعارضة السياسية.
