حذر تقرير صادر عن مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، ضمن الوثائق الرسمية والتحضيرات المرتبطة بالدورة الثانية والستين للمجلس المنعقدة في جنيف خلال الفترة من 15 يونيو إلى 10 يوليو 2026، من أن التحديات البيئية الهيكلية وفجوات التنمية الرقمية والاجتماعية في الدول الجزرية الصغيرة، قد تقوض المكتسبات التشريعية لحقوق الإنسان إذا لم تقترن بدعم دولي ملموس والتزام صارم بالمواثيق الأممية.
واستعرض التقرير المعتمد على مخرجات الدورة الحادية والخمسين للفريق العامل المعني بالاستعراض الدوري الشامل، الأوضاع الحقوقية والبيئية لولاية “ميكرونيزيا الموحدة”، مسلطاً الضوء على التناقض الحاد بين الطموح التشريعي للدولة والتهديدات الوجودية التي تواجه مجتمعاتها المحلية جراء التغير المناخي ومحدودية الموارد.
أكد المشاركون في جلسات الاستعراض أن العدالة المناخية وحماية البيئة لا يمكن فصلهما عن كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية، ونبهوا إلى أن جزر المحيط الهادئ باتت تواجه خطراً مزدوجاً؛ يتمثل الأول في التغيرات المناخية المتسارعة، والثاني في إرث التلوث التاريخي الذي يهدد النظم البيئية التقليدية التي تعتمد عليها المجتمعات المحلية في قوتها اليومي واستقرارها الاجتماعي.
افتتحت المداولات الرسمية للفريق العامل برئاسة وفد ميكرونيزيا الموحدة الذي قادته مساعدة المدعي العام بوزارة العدل، جوزفين جوزيف سيلم، والتي استعرضت الخطوات التشريعية التي اتخذتها بلادها لتعزيز كرامة الإنسان وكفالة الانتصاف القانوني بموجب المادة الرابعة من الدستور الوطني.
ملف تمكين المرأة
سجل التقرير إنجازاً سياسياً غير مسبوق في ملف تمكين المرأة، إذ يشهد الكونغرس الميكرونيزي حالياً أكبر تمثيل نسائي في تاريخه منذ الاستقلال، بواقع ثلاث نساء من أصل 14 عضواً (ما يعادل 21% من المقاعد).
وجرى تسليط الضوء على السياسة الوطنية للقضاء على العنف ضد النساء والفتيات (2021-2025)، وتوقيع خطة التنفيذ القطرية المشتركة مع الأمم المتحدة للفترة (2025-2027) لبناء المؤسسات الديمقراطية.
وعلى مستوى الحقوق الاجتماعية وحماية الأمومة، أبرز التقرير تبني الولايات لسياسات عمالية متقدمة؛ حيث سنت ولاية “كوسراي” القانون رقم 12-28 لمنح إجازة أمومة مدتها 90 يوماً، في حين أقرت ولاية “بوهنباي” القانون رقم 22-5-10 الذي يمنح الموظفين إجازة أمومة لثلاثة أشهر وإجازة أبوة لأسبوعين، بالتوازي مع إصدار القانون العام رقم 21-237 لزيادة رواتب موظفي الخدمة المدنية.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية وتصديق المؤتمر الدستوري الرابع عام 2023 على تعديلات جوهرية تشمل “الحق البيئي”، كشف التقرير الأممي تحديات ميدانية جسيمة تفرضها الجغرافيا والتوترات البيئية، حيث تسبب تآكل حطام السفينة التاريخية “ريو دي جانيرو مارو” -الغارقة منذ الحرب العالمية الثانية في ولاية تشوك- في وقوع تسرب نفطي كبير هدد التنوع البيولوجي والسواحل، ما اضطر الحكومة لإعلان حالة الطوارئ.
وأظهرت الوثائق الرسمية أن ميكرونيزيا حاولت قيادة قاطرة الالتزام البيئي عبر إطلاق جيلها الثالث من الإسهامات المحددة وطنياً خلال مؤتمر الأطراف “كوب 30” في البرازيل عام 2025، ملتزمة بصافي انبعاثات صفري بحلول عام 2050، فضلاً عن وضع أكثر من 30% من نظمها البيئية البحرية و20% من مناطقها البرية تحت الحماية الرسمية، وتأسيس وحدة مخصصة للمياه بوزارة الموارد والتنمية إثر إطلاق السياسة المائية الوطنية في أكتوبر 2025.
وفي مقابل هذا الحراك الحكومي، شهدت جلسة الحوار التفاعلي مداولات ساخنة بمشاركة 57 وفداً دولياً، ركزت في مجملها على ضرورة انتقال ميكرونيزيا من مرحلة التشريعات المحلية إلى مأسسة الحقوق دولياً.
وطالبت كتل دولية واسعة (ضمت سلوفينيا، وألمانيا، وإيطاليا، واليابان، وأوكرانيا، وغيرها) بالتعجيل في التصديق على العهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية، والاقتصادية والاجتماعية، والاتفاقية الدولية للقضاء على التمييز العنصري. وحثت وفود أخرى (بينها المملكة المتحدة، وأستراليا، وسويسرا، والمغرب) على سرعة إتمام الانضمام لاتفاقية مناهضة التعذيب، رغم تقديم الكونغرس الميكرونيزي للقرار رقم 24-39 في أغسطس 2025 لتهيئة التصديق عليها.
ضرورة إجراء إصلاحات شاملة
ودقت وفود (آيسلندا، وإسبانيا، وفرنسا، والمكسيك) ناقوس الخطر بشأن ضرورة إجراء إصلاحات جنائية شاملة تشمل إلغاء عقوبة الإعدام نهائياً وتجريم الاغتصاب الزوجي وسن قوانين صارمة لمكافحة التمييز.
وفي ذات السياق، نادت وفود دولية (كالدنمارك، ونيوزيلندا، والعراق، وشيلي) بإنشاء مؤسسة وطنية مستقلة لحقوق الإنسان تتوافق تماماً مع “مبادئ باريس” لضمان الرقابة والشفافية.
ولم تغفل المناقشات التحاورية الأبعاد الهيكلية للعدالة الاجتماعية، إذ طالبت وفود (كندا، والصين، والاتحاد الروسي، والبرازيل) بتبني سياسات ملزمة لسد الفجوة الرقمية التي تعزل سكان الجزر النائية، ومكافحة عمالة الأطفال والاتجار بالبشر، وضمان وصول خدمات التعليم والرعاية الصحية الأساسية للمجتمعات الأكثر هشاشة وعزلة.
واختتم التقرير بتأكيد أن تجربة ولايات ميكرونيزيا الموحدة تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، إذ إن حماية حقوق الإنسان وصون الكرامة المتأصلة في الدول الجزرية ليست خياراً سياسياً، بل التزام قانوني دولي يتطلب موازنة حقيقية بين مكافحة الأزمات البيئية وتوفير شبكات أمان اجتماعي واقتصادي تحمي الإنسان أولاً.
