منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

من نورمبرغ إلى لاهاي.. كيف تحوّلت محاكمات الرؤساء إلى اختبار قاسٍ للعدالة؟

18 مايو 2026
محاكمات الرؤساء والعدالة الدولية
محاكمات الرؤساء والعدالة الدولية

في اللحظة التي يُقاد فيها رئيس دولة سابق إلى قفص الاتهام، لا يبدو المشهد إجراءً قضائيًا عاديًا، بل يتحول إلى لحظة رمزية كثيفة، كأن التاريخ نفسه يُستدعى إلى منصة المحاكمة، فمنذ محاكمات نورمبرغ عقب الحرب العالمية الثانية، ترسخت في الوعي القانوني الدولي فكرة جوهرية مفادها أن السلطة لا تمنح حصانة دائمة، وأن الجرائم الجسيمة لا تسقط بانهيار النظام أو خروج الحاكم من منصبه.

غير أن هذه الفكرة، رغم رسوخها في النصوص والمواثيق الدولية، ظلت في التطبيق تصطدم بحدود السياسة وموازين القوى.. فالعدالة الانتقالية، التي نشأت بوصفها جسرًا بين زمن الحرب وزمن السلم، لم تبقَ مجرد إطار أخلاقي لمحاسبة الماضي، بل تحولت إلى ساحة جدل معقدة حول سؤالين أساسيين: هل نجح العالم فعلًا في تكريس مبدأ عدم الإفلات من العقاب؟ أم أن العدالة الدولية لا تتحرك غالبًا إلا عندما يسقط الحاكم سياسيًا أو يُهزم عسكريًا؟

وفي الأدبيات الحقوقية، تُقدَّم محاكمات الرؤساء السابقين بوصفها إحدى أهم محطات تطور العدالة الدولية الحديثة، إذ لم يعد المنصب السياسي أو السيادة الوطنية حاجزًا مطلقًا أمام المساءلة.. لكن التجربة العملية تكشف أن القانون الدولي، مهما بدا صارمًا في نصوصه، لا يعمل في فراغ، بل داخل فضاء سياسي شديد التأثير.

شكّلت محاكمة الرئيس الصربي السابق سلوبودان ميلوشيفيتش أمام المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة لحظة فارقة في تاريخ القضاء الدولي، باعتبارها أول سابقة يُحاكم فيها رئيس دولة سابق بتهم تشمل الإبادة الجماعية وجرائم الحرب.

غير أن هذه اللحظة، التي قُرئت بوصفها انتصارًا للعدالة، انتهت بصورة غير مكتملة بعد وفاة ميلوشيفيتش داخل محبسه عام 2006 قبل صدور حكم نهائي، ما أبقى القضية مفتوحة على أسئلة قانونية وأخلاقية عميقة.

محاكمة الرئيس الليبيري السابق

وفي السياق نفسه، جاءت محاكمة الرئيس الليبيري السابق تشارلز تايلور أمام المحكمة الخاصة بسيراليون، والتي انتهت عام 2012 بإدانته بالسجن خمسين عامًا، لتعيد طرح النقاش حول قدرة العدالة الدولية على محاسبة القادة السياسيين.

وبينما اعتبرتها منظمات حقوقية خطوة مهمة في مواجهة الإفلات من العقاب، رأى منتقدون أنها كشفت أيضًا اختلالًا في انتقاء القضايا، حيث تتقدم بعض الملفات إلى المحاكمة بينما تبقى أخرى معلقة بفعل توازنات سياسية غير معلنة.

وتُظهر تجربة المحكمة الجنائية الدولية أن جزءًا كبيرًا من ملفاتها تركز في القارة الإفريقية، الأمر الذي فتح الباب أمام اتهامات بـ“الانتقائية الجغرافية”.

وفي المقابل، ظلت ملفات أخرى في مناطق مختلفة من العالم عالقة داخل تعقيدات سياسية وقانونية تجعل العدالة بطيئة أو شبه متوقفة، كما أن غياب عدد من القوى الكبرى عن منظومة المحكمة يضعف طابعها الإلزامي، ويجعلها أقرب إلى آلية جزئية للمساءلة لا إلى نظام عالمي شامل للعدالة الجنائية.

المعضلة السورية.. توثيق بلا مخالب

في الحالة السورية، تتكثف إشكاليات العدالة الدولية بصورة أكثر تعقيدًا؛ فمنذ اندلاع النزاع عام 2011، وثقت الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية انتهاكات واسعة النطاق، شملت التعذيب، والاعتقال التعسفي، والاختفاء القسري، واستهداف المدنيين، وتدمير البنية المدنية.

ورغم إنشاء الآلية الدولية المحايدة والمستقلة التابعة للأمم المتحدة عام 2016، والمختصة بجمع الأدلة وحفظها وتحليلها، فإن طبيعتها كجهة تحقيق لا كهيئة قضائية يجعلها عاجزة عن تحويل التوثيق إلى محاكمات مباشرة، وهكذا تتراكم الملفات والأدلة، من دون أن تجد طريقها إلى محكمة دولية مختصة قادرة على إصدار الأحكام.

وتبقى محاكمات الولاية القضائية العالمية في عدد من الدول الأوروبية، مثل ألمانيا وفرنسا والسويد، أبرز المسارات القضائية المتاحة حتى الآن، وقد أفضت بعض هذه القضايا إلى إدانات لمسؤولين سابقين أو أفراد متورطين في انتهاكات جسيمة، غير أن هذه المحاكمات، رغم أهميتها الرمزية والقانونية، تظل محدودة النطاق، لأنها غالبًا ما تستهدف أفرادًا بعينهم، ولا تطال البنية الأوسع للنظام أو الجماعات أو الشبكات التي أنتجت الانتهاكات.

ويكشف ذلك خللًا جوهريًا في بنية العدالة الدولية: القدرة على التوثيق باتت أكبر بكثير من القدرة على التنفيذ، فالقانون الدولي أصبح قادرًا على بناء أرشيف دقيق للانتهاكات، لكنه لا يمتلك دائمًا الأدوات اللازمة لتحويل هذا الأرشيف إلى محاسبة شاملة وفعالة.

كما أن تعطيل مسارات الإحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية عبر آليات سياسية داخل مجلس الأمن يعمّق حالة الجمود، ويجعل العدالة رهينة توازنات القوى الكبرى لا مقتضيات القانون الدولي وحده.

 

عدالة فوق أنقاض حرب

في السياق السوري، لا يمكن فصل تعقيدات العدالة عن طبيعة الحرب نفسها. فالنزاع الممتد منذ عام 2011 لأكثر من أربعة عشر عامًا لم يكن صراعًا ثنائيًا واضحًا بين طرفين، بل شبكة مركبة من الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين.

هذا التشابك، الذي وثّقته تقارير الأمم المتحدة ولجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا، أنتج طبقات متداخلة من الانتهاكات الواسعة، شملت القتل خارج نطاق القانون، والاعتقال التعسفي، والتعذيب، وتدمير البنية المدنية. وبذلك يصبح تفكيك المسؤولية القانونية بصورة خطية أمرًا شديد التعقيد.

وتشير تقديرات حقوقية وأممية متقاطعة إلى حجم الكارثة البشرية؛ فقد تجاوز عدد القتلى منذ بدء النزاع 500 ألف شخص وفق تقديرات متداولة لدى المرصد السوري لحقوق الإنسان خلال السنوات الأخيرة، فيما وثقت الأمم المتحدة ومفوضية اللاجئين واحدة من أكبر أزمات النزوح في العصر الحديث، مع أكثر من 6.8 مليون لاجئ سوري خارج البلاد، وأكثر من 6.9 مليون نازح داخليًا حتى عامي 2024 و2025، وتعكس هذه الأرقام عمق التمزق الاجتماعي والجغرافي الذي يثقل أي مسار للعدالة الانتقالية.

عدالة بلا أنياب كافية

رغم اللغة المعيارية العالية التي تعتمدها الأمم المتحدة في توصيف العدالة الانتقالية، من قبيل الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار، يكشف الواقع عن فجوة عميقة بين الطموح القانوني والقدرة التنفيذية.

فوفقًا لمنظومة المحكمة الجنائية الدولية، يظل اختصاص المحكمة مقيدًا بقبول الدولة المعنية أو بإحالة من مجلس الأمن، وهو ما يجعل الملاحقة في الحالة السورية محدودة بفعل التعقيدات السياسية داخل المجلس، وقد استُخدم حق النقض “الفيتو” أكثر من عشر مرات في ملفات مرتبطة بسوريا منذ عام 2011، بحسب سجلات الأمم المتحدة، ما جعل مسارات العدالة الدولية محكومة بحسابات سياسية لا قانونية فقط.

وتمتلك المنظومة الدولية أدوات قوية للتوثيق، مثل الآلية الدولية المحايدة والمستقلة بشأن سوريا، لكنها لا تمتلك سلطة تنفيذ مباشرة، وتبقى المحكمة الجنائية الدولية، رغم رمزيتها، مقيدة بتعاون الدول، بينما يظل مجلس الأمن ساحة للتجاذبات، الأمر الذي يجعل المسار القضائي الدولي مشروطًا أكثر منه إلزاميًا.

هذا الوضع ينتج نموذجًا يمكن وصفه بـ“العدالة الممكنة” لا “العدالة الكاملة”؛ فهي عدالة تتحرك حين تسمح السياسة الدولية، وتتوقف حين تصطدم بموازين القوة. وفي المحصلة، يبدو النظام القضائي الدولي قادرًا على جمع الأدلة وتوثيق آلاف الوقائع، لكنه يسمح في الوقت ذاته بمرور كثير من الفاعلين من دون مساءلة فورية، لا بسبب ضعف النصوص القانونية، بل بسبب تداخل القانون بالسياسة في بنية النظام الدولي نفسه.

حين تُحاكم السلطة

قالت الدكتورة دانييلا القرعان، الباحثة في الشؤون السياسية وعضو اتحاد الكتّاب والصحفيين العرب في أوروبا، إن محاكمات الرؤساء والزعماء السابقين يمكن النظر إليها بوصفها أحد أبرز تجليات ترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب، مؤكدة أن هذه المحاكمات تكتسب مشروعيتها الحقيقية عندما تُجرى ضمن أطر قانونية مستقلة وشفافة تضمن حقوق الضحايا والمتهمين على حد سواء.

وأشارت د. القرعان، في تصريحات خاصة لـ”صفر”، إلى أن هذه المحاكمات تحمل رسالة رمزية وقانونية مفادها أن السلطة السياسية، مهما بلغت قوتها، لا تمنح حصانة مطلقة ضد المساءلة، وهو ما يعزز فكرة سيادة القانون على حساب منطق القوة.

ونبّهت في الوقت ذاته إلى أن هذه الصورة ليست مكتملة دائماً، موضحة أن بعض المحاكمات جرت في سياقات سياسية “انتصارية”، حيث تتحول العدالة إلى أداة لإعادة ترتيب موازين القوى أو لتصفية حسابات ما بعد النزاع، مؤكدة أن شرعية هذه المحاكمات تبقى رهينة بمدى استقلال القضاء وشمولية المحاسبة، بحيث لا تقتصر على طرف دون آخر، لأن الانتقائية في تطبيق العدالة تقوض الثقة بها وتحولها من أداة إنصاف إلى وسيلة للصراع السياسي.

وشددت على أن غياب التوازن في تطبيق العدالة الدولية يهدد بتحويلها إلى أداة انتقائية، الأمر الذي يؤدي إلى فقدان الضحايا ثقتهم بالمؤسسات الدولية، ويضعف من قدرتها على أداء دورها في تحقيق الإنصاف، موضحة أن العدالة، لكي تكون فعالة، يجب أن تُرى على أنها عادلة من قبل جميع الأطراف، لا أن تُفرض كإجراء قانوني شكلي يخضع لحسابات السياسة.

وفي ما يتعلق بتأثير محاكمات القادة السياسيين على المجتمعات الخارجة من النزاعات، أشارت القرعان إلى أن لهذه المحاكمات دوراً مزدوجاً.. فمن جهة، أكدت أنها تسهم في منح الضحايا شعوراً بالاعتراف بمعاناتهم، وتساعد في كشف الحقيقة وتوثيق الانتهاكات، وهو ما يشكل خطوة ضرورية نحو استعادة الثقة بالمؤسسات العامة وتحقيق قدر من الإنصاف المعنوي والقانوني، كما نبّهت إلى أن المحاسبة يمكن أن تسهم في منع تكرار الانتهاكات مستقبلاً، عبر ترسيخ ثقافة المساءلة وتعزيز الردع القانوني.

لكنها في المقابل حذّرت من أن هذه المحاكمات قد تتحول إلى عامل انقسام داخل المجتمع، إذا شعر جزء منه بأنها تستهدف فئة سياسية أو طائفية بعينها، أو إذا جرت في إطار انتقامي لا يوازن بين العدالة والمصالحة. وأكدت أن نجاح العدالة الانتقالية لا يعتمد على المحاكمات وحدها، بل يتطلب مسارات موازية تشمل الحوار المجتمعي، وجبر الضرر، وكشف الحقيقة بصورة شاملة، بما يضمن إعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع.

وفي ما يخص دور الأمم المتحدة والمحاكم الدولية، أكدت القرعان أنها تلعب دوراً محورياً في ملاحقة الجرائم الكبرى، لكنها نبهت إلى أن قدرتها تبقى محدودة أمام تعقيدات النظام الدولي وتوازنات القوى السياسية.

وأشارت إلى أن العدالة الدولية لا تعمل في فراغ قانوني، بل تتأثر بمواقف الدول الكبرى، خاصة في ظل استخدام حق النقض داخل مجلس الأمن، وهو ما قد يعرقل إحالة بعض الملفات إلى القضاء الدولي.

وفي ما يتعلق بالحالة السورية، أشارت القرعان إلى أن الوصول إلى عدالة انتقالية شاملة يواجه تعقيدات استثنائية، نظراً لتداخل الأطراف المحلية والإقليمية والدولية في النزاع، وتنوع الانتهاكات التي شملت جرائم حرب واعتقالات وتعذيب وتهجير واستهدافاً للمدنيين.

وأكدت أن هناك صعوبات كبيرة تتعلق بجمع الأدلة، وحماية الشهود، وتحديد المسؤوليات الفردية ضمن شبكة معقدة من الفاعلين، فضلاً عن التخوف من تحول العدالة إلى مسار انتقائي يستهدف طرفاً بعينه. وختمت بالتأكيد على أن أي مسار جاد للعدالة الانتقالية في سوريا يتطلب مقاربة شاملة تقوم على كشف الحقيقة، وضمان حقوق الضحايا، ومحاسبة جميع المتورطين وفق معايير قانونية موحدة، بعيداً عن الانتقائية السياسية.

ميزان القانون وظلال السياسة

من جانبها، قالت الحقوقية والإعلامية السورية إنصاف سليطين، إن محاكمات الرؤساء والزعماء السابقين لا يمكن اعتبارها تلقائياً خطوة حقيقية نحو تحقيق العدالة الانتقالية، مؤكدة أن تقييمها يرتبط أولاً بطبيعة الدولة التي تجري فيها هذه المحاكمات، وبموازين القوى المؤثرة فيها، سواء كانت قوى داخلية أو خارجية أو مزيجاً معقداً بين الاثنين.

وأشارت إلى أن التجارب الدولية خلال العقود الأخيرة أظهرت أن هذه المحاكمات قد تتحول في كثير من الأحيان إلى أدوات لإعادة تشكيل السلطة أو تصفية الخصوم السياسيين تحت غطاء قانوني، بدلاً من أن تكون مساراً حقيقياً لتحقيق العدالة وإنصاف الضحايا.

ونبهت سليطين، في تصريحات خاصة لـ”صفر”، إلى أن القرن الحادي والعشرين قدم نماذج متعددة تعكس هذا التداخل بين القانون والسياسة، موضحة أن محاكمة الرئيس السوداني السابق عمر البشير تمثل نموذجاً إشكالياً في هذا السياق، حيث ربط كثير من الباحثين والسياسيين بين الضغوط الدولية التي تعرض لها السودان وبين ترتيبات انفصال جنوب السودان، معتبرين أن المحكمة الجنائية الدولية تعاملت بانتقائية مع الملف السوداني مقارنة بحالات أخرى شهدت انتهاكات جسيمة دون أن تواجه ملاحقات مماثلة. وأكدت أن هذا النوع من الانتقائية يضعف ثقة الشعوب بالعدالة الدولية ويعزز الانطباع بأنها خاضعة لموازين القوى الدولية.

وأشارت إلى أن تجربة محاكمة الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك تقدم نموذجاً مختلفاً نسبياً، حيث جرت المحاكمة داخل إطار دولة حافظت على مؤسساتها الأساسية، بما في ذلك القضاء والجهاز الإداري، رغم التغيير السياسي.

وأوضحت أن استمرار مؤسسات الدولة في مصر منح العملية طابعاً قانونياً ومؤسساتياً أكثر وضوحاً، رغم الجدل الواسع الذي أثير حولها، مؤكدة أن قوة الدولة واستمرارية مؤسساتها تعد عاملاً حاسماً في ضمان مسار عدالة أكثر توازناً، مقارنة بالحالات التي تشهد انهياراً كاملاً لمؤسسات الدولة.

وشددت سليطين على أنه في حالات تفكك الدولة أو انهيارها، تتحول المحاكمات غالباً إلى ما وصفته بـ”عدالة المنتصر”، حيث تُستخدم كأداة لإضفاء الشرعية على السلطة الجديدة، بدلاً من أن تكون وسيلة لتحقيق مصالحة وطنية شاملة. وأكدت أن تحقيق عدالة انتقالية حقيقية يتطلب معايير واضحة تضمن شمولية المحاسبة وعدم اقتصارها على طرف دون آخر، مشيرة إلى أن العدالة الدولية تفقد مشروعيتها عندما تبدو انتقائية أو خاضعة لحسابات سياسية.

وأضافت أن من أبرز المعايير التي تضمن عدالة حقيقية توحيد المعايير القانونية على جميع الدول والأطراف، وعدم ربط المحاسبة بالموقع الجيوسياسي أو التحالفات الدولية، إلى جانب ضمان استقلال القضاء وعدم استخدام المحاكم كأدوات ضغط سياسي. ونبهت إلى أن ضمان حق جميع الضحايا في الإنصاف، بغض النظر عن هوية الجاني أو موقعه، يشكل حجر الأساس لأي عملية عدالة ذات مصداقية.

وفي هذا السياق، أشارت سليطين إلى الجدل الدائر حول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، معتبرة أن الضغوط السياسية التي أحاطت حتى بمحاكمته الداخلية تعكس بوضوح مدى تداخل القضاء مع النفوذ السياسي، حتى داخل الأنظمة التي ترفع شعارات الديمقراطية، لافتة إلى أن تدخلات دولية، من بينها مواقف للرئيس الأميركي دونالد ترامب الداعية إلى وقف محاكمته أو منحه عفواً، تؤكد أن القضايا القضائية الكبرى لا تنفصل عن التوازنات السياسية.

وأكدت أن هذه الإشكاليات تنسحب أيضاً على المحكمة الجنائية الدولية، التي تواجه تحديات حقيقية في تطبيق معايير موحدة على جميع الأطراف، في ظل تعثر بعض الملفات وتقدم أخرى وفق اعتبارات سياسية ودبلوماسية معقدة، ما يطرح تساؤلات جدية حول قدرتها على تحقيق عدالة شاملة.

وفي ما يتعلق بتأثير محاكمات القادة على المجتمعات الخارجة من النزاعات، أوضحت سليطين أن هذه المحاكمات يمكن أن تسهم في كشف الحقيقة وإنصاف الضحايا إذا جاءت ضمن إطار متكامل للعدالة الانتقالية، لكنها قد تؤدي في المقابل إلى تعميق الانقسامات إذا اتخذت طابعاً انتقامياً أو انتقائياً، وأكدت أن إسقاط الأنظمة أو محاكمة بعض الشخصيات لا يكفي لتحقيق مصالحة وطنية حقيقية، بل يجب أن يشعر المجتمع بأن العدالة تشمل الجميع دون استثناء.

وفي حديثها عن الحالة السورية، نبهت إلى أن البلاد لا تمتلك حتى الآن مساراً متكاملاً للعدالة الانتقالية بالمعنى القانوني والمؤسساتي، مشيرة إلى أن انتقال السلطة جرى في سياق تفاهمات دولية فرضت سردية سياسية واحدة، ما ساهم في تكريس ممارسات انتقائية ذات طابع ثأري.

وأوضحت أن الملاحقات القائمة تركز بشكل أساسي على شخصيات مرتبطة بالنظام السابق، بينما يتم تجاهل انتهاكات ارتكبتها أطراف أخرى خلال سنوات النزاع أو حتى بعد التغيير السياسي.

وأكدت سليطين أن غياب مؤسسة قضائية وطنية جامعة، واستمرار نفوذ الفصائل المسلحة، والانقسام المجتمعي العميق، كلها عوامل تجعل كثيراً من هذه المحاكمات تبدو أقرب إلى إجراءات شكلية أو “مسرحيات سياسية” تهدف إلى تثبيت ميزان القوى الجديد أكثر من تحقيق عدالة حقيقية.

وختمت بالتأكيد على أن أي مسار جاد للعدالة في سوريا يجب أن يقوم على محاسبة شاملة لجميع الانتهاكات دون استثناء، وكشف الحقيقة بصورة متوازنة، وضمان حقوق جميع الضحايا، بعيداً عن منطق الانتقام أو العدالة الانتقائية.