وصل أكثر من 1500 عائلة من مهجري مدينة عفرين السورية إلى مناطقهم الأصلية، في خطوة انتظرها السكان لسنوات طويلة على أمل إنهاء معاناة التهجير القسري واستعادة حياتهم الطبيعية التي فقدوها منذ عام 2018، غير أن مشهد العودة الذي كان من المفترض أن يحمل مؤشرات الاستقرار والأمان ترافق مع إجراءات أمنية مشددة أثارت حالة واسعة من القلق والتوتر بين الأهالي العائدين.
وذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان، في تقرير استند إلى إفادات عدد من العائدين، أن الحافلات التي أقلّت الأسر العائدة تعرضت لتوقفات متكررة عند نقاط العبور، حيث جرى التدقيق في الهويات الشخصية وتصوير الوثائق الرسمية وجمع أرقام الهواتف الخاصة بالعائدين، وسط غياب توضيحات رسمية واضحة بشأن طبيعة هذه الإجراءات والجهات التي ستحتفظ بالبيانات أو تستخدمها لاحقاً.
إجراءات تثير المخاوف
وبحسب شهادات نقلها المرصد، فإن عناصر تابعة للقوى الأمنية المرتبطة بالحكومة الانتقالية في سوريا دخلوا إلى الحافلات بشكل منفصل، وتم التعامل مع كل حافلة على حدة، حيث جرى تسجيل بيانات الركاب بصورة فردية، وأعرب عدد من العائدين عن خشيتهم من غياب الضمانات المتعلقة بحماية خصوصيتهم وعدم استخدام المعلومات التي جُمعت لأغراض أمنية في المستقبل، خاصة في ظل التجارب القاسية التي عاشوها خلال سنوات النزوح والتنقل القسري.
تضارب التبريرات الرسمية
وأشار العائدون إلى أن التفسيرات التي قدمها العناصر الأمنيون بشأن جمع البيانات جاءت متضاربة وغير موحدة، ما عمّق حالة الشك والقلق لدى الأهالي، وقالت إحدى السيدات العائدات، وفق إفادتها للمرصد السوري، إنها سألت أحد العناصر عن سبب تصوير بياناتها الشخصية، فأبلغها بأن الأمر يتعلق بإجراءات أمنية ومراجعة جهات مختصة، في حين أوضح عنصر آخر أن الهدف من جمع المعلومات يقتصر على تنظيم المساعدات الإنسانية للسكان العائدين.
توتر عند نقاط الوصول
وفي حادثة أخرى أثارت استياء الأهالي، تحدث أحد العائدين عن توتر وقع عند الجسر الثالث الذي أُنشئ عقب دخول القوات التركية إلى مدينة عفرين، حيث طُلب من الركاب النزول من الحافلات عند نقطة الوصول، قبل أن يتطور الموقف إثر قيام أحد العناصر الأمنية بالصراخ على عدد من الأهالي وتوجيه عبارات مهينة لهم، ما دفعهم إلى العودة مجدداً إلى الحافلات وسط حالة من الارتباك والخوف.
وأثارت تلك الممارسات حالة من الإحباط لدى كثير من العائدين الذين كانوا يأملون أن تمثل العودة بداية جديدة نحو الاستقرار واستعادة الحياة الطبيعية بعد سنوات طويلة من النزوح، كما طرحت الإجراءات الأمنية المتبعة تساؤلات متزايدة حول طبيعة التعامل مع السكان العائدين خلال المرحلة المقبلة، ومدى توفر بيئة آمنة تضمن حقوقهم وتحفظ كرامتهم.
مطالبات حقوقية
وفي ضوء هذه التطورات تصاعدت دعوات حقوقية تطالب بضرورة احترام خصوصية العائدين وعدم إخضاعهم لإجراءات تعسفية أو غير مبررة، إلى جانب توفير ضمانات واضحة تكفل عودة طوعية وآمنة تحفظ الحقوق الأساسية للسكان، وتعزز الثقة بين الأهالي والجهات المسيطرة على المنطقة.
تعد مدينة عفرين الواقعة شمال غربي سوريا من أبرز المناطق التي شهدت موجات نزوح واسعة منذ العملية العسكرية التي أطلقتها القوات التركية والفصائل السورية الموالية لها مطلع عام 2018 تحت اسم “غصن الزيتون” وأسفرت العملية عن سيطرة تلك القوات على المدينة وخروج أعداد كبيرة من سكانها، معظمهم من الأكراد، نحو مناطق النزوح في ريف حلب الشمالي ومناطق أخرى داخل سوريا، ومنذ ذلك الحين، تتكرر المطالبات المحلية والدولية بتهيئة ظروف آمنة لعودة السكان الأصليين إلى مناطقهم، في ظل تقارير حقوقية تتحدث عن انتهاكات وممارسات أمنية أثارت مخاوف مستمرة لدى الأهالي الراغبين بالعودة.
