منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

العنف الرقمي يطارد المغربيات.. محكمة نسائية رمزية في مراكش تطالب بحماية قانونية

16 مايو 2026
جانب من المحكمة النسائية الرمزية في مراكش
جانب من المحكمة النسائية الرمزية في مراكش

تحولت مدينة مراكش المغربية إلى منصة مفتوحة للنقاش حول أخطر التحديات التي تواجه النساء في العصر الرقمي، بعدما سلطت الدورة الثالثة والعشرون لمحكمة النساء الرمزية الضوء على تصاعد جرائم العنف الإلكتروني ضد النساء والفتيات، وسط تحذيرات متزايدة من غياب حماية قانونية فعالة تواكب التحولات التكنولوجية المتسارعة.

وشهدت الفعالية، التي نظمها اتحاد العمل النسائي تحت شعار “جميعاً من أجل فضاء رقمي آمن يضمن الحماية والكرامة للنساء”، مشاركة محاميات وناشطات حقوقيات وخبيرات في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، حيث ناقشن واقع الانتهاكات الرقمية التي تستهدف النساء في المغرب، وفق ما أوردته تقارير وشهادات عرضت خلال المحكمة الرمزية بمدينة مراكش.

فضاء لكسر الصمت

وأكدت المشاركات أن المحكمة الرمزية أصبحت واحدة من أبرز الآليات النضالية التي تعتمدها الحركة النسائية المغربية من أجل فضح أشكال العنف والتمييز ضد النساء، وإتاحة المجال أمام الضحايا للتعبير عن معاناتهن أمام الرأي العام والمؤسسات الحقوقية.

واعتبرت المتدخلات أن هذه المبادرة لا تقتصر على البعد الرمزي فقط، بل تمثل مساحة للتحسيس والتعبئة المجتمعية، إلى جانب تقديم مقترحات عملية وتشريعية من خلال التوصيات والأحكام الرمزية التي تصدر عنها، بمشاركة نخبة من الفاعلات الحقوقيات والخبراء المتخصصين في قضايا النوع الاجتماعي والجرائم الرقمية.

شهادات مؤلمة

وخلال جلسات المحكمة، قدمت نساء تعرضن للعنف الرقمي شهادات مباشرة، بعضها حضورياً وأخرى عبر الاتصال عن بعد، كشفت حجم الانتهاكات النفسية والاجتماعية التي يواجهنها نتيجة الاستغلال الإلكتروني والتشهير والابتزاز الجنسي عبر الإنترنت.

وروت إحدى الضحايا كيف تحولت الثقة في شخص مقرب إلى تجربة قاسية من الابتزاز بعد نشر صور ومقاطع خاصة دون موافقتها، ما تسبب لها في أضرار نفسية واجتماعية خطرة، كما استعرضت حالة امرأة وجدت نفسها ملاحقة قانونياً بعد تداول فيديوهات خاصة بها على نطاق واسع عبر المنصات الرقمية، بينما تمكن الشخص المتورط في نشرها من مغادرة البلاد والإفلات من العقاب.

ورأت المشاركات أن مثل هذه الوقائع تكشف هشاشة الحماية القانونية الحالية، خاصة مع تنامي استخدام الوسائط الرقمية والذكاء الاصطناعي في إنتاج محتويات مزيفة أو التلاعب بالصور والمقاطع الشخصية بهدف التشهير والإساءة.

انتقادات للقوانين الحالية

وانتقدت المشاركات القانون المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، معتبرات أنه لم يمنح العنف الرقمي المساحة الكافية رغم اتساع حجم هذه الظاهرة وتأثيراتها الخطرة على النساء وأسرهن.

وأكدت المتدخلات أن المنظومة القانونية الحالية لا تزال عاجزة عن مواكبة الجرائم الإلكترونية الحديثة، خصوصاً تلك المرتبطة بالابتزاز الجنسي والتشهير الرقمي وسرقة المعطيات الشخصية، في ظل بطء الإجراءات القانونية وصعوبة ملاحقة المتورطين في الجرائم العابرة للحدود.

وأوضحن أن عدداً كبيراً من الشكاوى التي تقدمت بها ضحايا العنف الرقمي لم تصل إلى نتائج منصفة، ما يسهم في شعور النساء بفقدان الثقة في إمكانية الحصول على العدالة والحماية.

تداعيات نفسية واجتماعية

وسلطت الجلسات الضوء على التداعيات النفسية الخطيرة للعنف الرقمي، والتي تتراوح بين القلق والاكتئاب وفقدان الإحساس بالأمان، إضافة إلى العزلة الاجتماعية والخوف المستمر من التشهير أو التعرض للمراقبة الإلكترونية.

وأكدت المشاركات أن النساء أصبحن يشعرن بانعدام الأمن حتى داخل فضاءاتهن الخاصة وحساباتهن الشخصية، مع تزايد حالات القرصنة وسرقة الصور والفيديوهات الخاصة واستخدامها في حملات تشهير أو ابتزاز إلكتروني.

كما حذرت الخبيرات من توسع استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في إنتاج محتويات مزيفة تستهدف النساء، وهو ما يزيد من تعقيد آليات الإثبات القانونية ويضاعف المخاطر المرتبطة بانتهاك الخصوصية.

دعوات إلى تشريعات أكثر صرامة

وطالبت المشاركات بوضع قوانين أكثر صرامة ووضوحاً لحماية النساء والفتيات من مختلف أشكال العنف الرقمي، مع توفير آليات فعالة للتبليغ والدعم النفسي والقانوني وإعادة إدماج الضحايا.

كما شددن على ضرورة تطوير سياسات عمومية تضمن فضاء رقمياً آمناً، إلى جانب إطلاق حملات توعية واسعة حول مخاطر الجرائم الإلكترونية وطرق الحماية والتبليغ.

وأكدت المحامية والناشطة الحقوقية عائشة الحيان أن مناهضة العنف القائم على النوع تعد مدخلاً أساسياً لبناء مجتمع يقوم على المساواة واحترام الحقوق الإنسانية للنساء، معتبرة أن العنف الرقمي أصبح امتداداً لمنظومة التمييز والعنف التقليدي ضد المرأة.

وأوضحت أن الثورة الرقمية، رغم ما وفرته من فرص للتواصل والتمكين الاقتصادي والاجتماعي، أفرزت في المقابل أنماطاً جديدة من الانتهاكات التي تمارس عبر الوسائط الرقمية، من بينها التحرش الإلكتروني والابتزاز الجنسي واختراق الحسابات وانتحال الهوية ونشر خطاب الكراهية.

أرقام مقلقة

وأشارت الحيان إلى أن المعطيات الرسمية في المغرب تكشف تعرض 13.8 بالمئة من النساء بين 15 و74 عاماً للعنف الإلكتروني، فيما ترتفع النسبة إلى 24.4 بالمئة لدى الشابات بين 15 و24 عاماً.

كما أوضحت أن الفتيات العازبات يتعرضن لهذا النوع من العنف بنسبة تصل إلى 30.1 بالمئة، في حين تبلغ النسبة لدى التلميذات والطالبات 35.7 بالمئة، وهو ما يعكس اتساع الظاهرة في الأوساط الشابة.

وأضافت أن نسب التبليغ عن هذه الجرائم لا تزال ضعيفة، إذ لا تتجاوز 10 بالمئة من مجموع الحالات، بسبب الخوف من الوصم الاجتماعي أو الانتقام، إضافة إلى ضعف المعرفة القانونية بآليات التبليغ والحماية.

واختتمت الحيان مداخلتها بالتساؤل حول قدرة القوانين الحالية على توفير حماية فعلية للنساء في الفضاء الرقمي، خاصة في ظل الطبيعة العابرة للحدود للجرائم الإلكترونية، وما تطرحه من تعقيدات قانونية مرتبطة بالاختصاص القضائي وآليات الإثبات والتعاون الدولي.

تشهد جرائم العنف الرقمي ضد النساء تصاعداً ملحوظاً على المستوى العالمي، بالتزامن مع الانتشار الواسع لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات التواصل الفوري، وتشمل هذه الجرائم أشكالاً متعددة، أبرزها الابتزاز الجنسي الإلكتروني، والتشهير، واختراق الحسابات، ونشر الصور الخاصة دون إذن، والمراقبة الرقمية، إضافة إلى استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لإنتاج صور ومقاطع مزيفة بهدف الإساءة أو التشهير، وتعتبر المنظمات الحقوقية الدولية أن العنف الرقمي امتداد مباشر للعنف القائم على النوع الاجتماعي، لما يسببه من أضرار نفسية واجتماعية ومهنية قد تدفع بعض الضحايا إلى العزلة أو الانسحاب من الحياة العامة، كما تواجه الدول تحديات متزايدة في تطوير تشريعات قادرة على مواكبة التطور التقني المتسارع وضمان حماية فعالة للضحايا ومحاسبة المتورطين في الجرائم الإلكترونية العابرة للحدود.