منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

سجن “نقرة السلمان” في العراق.. ذاكرة العزل والقمع في عمق الصحراء

11 مايو 2026
سجن نقرة السلمان في صحراء العراق
سجن نقرة السلمان في صحراء العراق

في أقصى جنوب العراق، حيث تمتد الصحراء بلا ملامح واضحة وتشتد الحرارة إلى مستويات قاسية، يقف سجن نقرة السلمان شاهداً على واحدة من أكثر الصفحات قتامة في تاريخ الاحتجاز السياسي في البلاد، لا يتعلق الأمر بمبنى معزول في منطقة نائية فحسب، بل بمكان ارتبط في الذاكرة العراقية بسرديات طويلة عن الاعتقال التعسفي والتعذيب والنفي الداخلي وغياب العدالة.

 عبر عقود ممتدة، تحول هذا السجن إلى رمز لمعاناة آلاف السجناء الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة نظام احتجاز قاسٍ، غالباً بعيد عن الرقابة القانونية والحقوقية.

يعد سجن نقرة السلمان أحد أبرز مراكز الاحتجاز في العراق خلال القرن العشرين، وقد ارتبط اسمه بمراحل سياسية مختلفة شملت فترات الحكم الملكي والجمهوري وحملة الأنفال في الثمانينيات، وتشير تقارير حقوقية عراقية ودولية إلى أن آلاف الأشخاص مروا عبره في ظروف احتجاز قاسية، بينما لا يزال ملفه مفتوحاً ضمن مسارات العدالة الانتقالية في العراق حتى عام 2025، في ظل استمرار الجهود لتوثيق الانتهاكات وضمان حقوق الضحايا.

وتشير تقارير المركز العراقي لحقوق الإنسان إلى أن دراسة ملف نقرة السلمان لا يمكن فصله عن تطور بنية الدولة العراقية الحديثة، حيث ارتبط السجن بمراحل سياسية متعددة شهدت تغيرات حادة في أنماط الحكم والأمن الداخلي، ما جعله جزءاً من منظومة أوسع لإدارة المعارضة السياسية.

النشأة التاريخية للسجن

وفق مركز دراسات العراق الحديث، تأسس سجن نقرة السلمان عام 1930 خلال فترة الانتداب البريطاني، وكان في بدايته موقعاً أمنياً لإدارة مناطق البادية الجنوبية، إلا أن وظيفته تغيرت تدريجياً ليصبح أحد أبرز مواقع الاحتجاز السياسي في العراق خلال العقود اللاحقة.

اختيار الموقع لم يكن عشوائياً، بل جاء لعزله الجغرافي الشديد، إذ يبعد مئات الكيلومترات عن المدن الكبرى، ويقع في بيئة صحراوية قاسية تتجاوز فيها درجات الحرارة 50 درجة مئوية في الصيف، مع محدودية الوصول إلى الخدمات الطبية والإنسانية.

نقرة السلمان كأداة احتجاز سياسي

خلال خمسينيات وسبعينيات القرن العشرين، تحول السجن إلى مركز رئيسي لاحتجاز المعارضين السياسيين من مختلف التيارات، بما في ذلك الشيوعيين والقوميين ونشطاء الأقليات، وتشير دراسات أكاديمية منشورة في جامعة بغداد إلى أن أعداد المعتقلين في بعض الفترات كانت تتراوح بين 3000 و5000 سجين، يتم نقلهم في ظروف قاسية وبعيدة عن أي رقابة قضائية فعالة.

وبحسب تقارير منظمة العفو الدولية، فإن نمط الاحتجاز في تلك المرحلة كان يتسم بغياب الضمانات القانونية، حيث كان الاعتقال يتم غالباً بقرارات أمنية مباشرة دون محاكمات عادلة، وهو ما يندرج ضمن مفهوم الاحتجاز التعسفي وفق القانون الدولي.

سجن نقرة السلمان

مرحلة الثمانينيات وحملة الأنفال

تشكل فترة أواخر الثمانينيات، وخاصة خلال حملة الأنفال بين عامي 1986 و1989، أكثر المراحل قسوة في تاريخ سجن نقرة السلمان، وفق تقارير هيومن رايتس ووتش، تم استخدام السجن كمركز احتجاز جماعي لآلاف المدنيين الأكراد الذين جرى اعتقالهم خلال العمليات العسكرية في شمال العراق.

وتشير تقديرات حقوقية إلى أن عدد المحتجزين في هذه المرحلة تراوح بين 6000 و8000 شخص، بينهم نساء وأطفال وكبار سن، تم نقلهم من مناطقهم إلى السجن في ظروف غير إنسانية، وتوثق شهادات ناجين حالات وفاة نتيجة الجوع والعطش والمرض داخل أماكن الاحتجاز، إضافة إلى عمليات نقل قسري عبر الصحراء.

كما تشير تقارير لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إلى أن نمط الانتهاكات خلال هذه الفترة يرقى إلى جرائم ضد الإنسانية وفق معايير القانون الدولي، نظراً لطابعه الواسع والمنهجي.

أنماط الانتهاكات داخل السجن

تشير تقارير المركز العراقي للتوثيق الحقوقي إلى أن الانتهاكات داخل سجن نقرة السلمان شملت عدة أنماط رئيسية، أبرزها التعذيب الجسدي، والحرمان من الغذاء الكافي، وغياب الرعاية الطبية، والعزل الانفرادي لفترات طويلة.

وتوضح شهادات موثقة في تقارير حقوقية أن بعض السجناء تعرضوا لضرب مبرح وإهانات متكررة، بينما عانى آخرون من أمراض مزمنة دون علاج مناسب.. كما تم تسجيل حالات وفاة داخل السجن بسبب الإهمال الطبي، خاصة بين كبار السن والمرضى.

الإطار القانوني الدولي للانتهاكات

وفق مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، فإن التعذيب والمعاملة القاسية داخل أماكن الاحتجاز محظور بشكل مطلق بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب لعام 1984، والتي تلزم الدول بمنع أي شكل من أشكال الإساءة داخل السجون.

كما ينص نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية على أن الاحتجاز التعسفي والتعذيب المنهجي يمكن أن يرقى إلى جرائم ضد الإنسانية إذا كان جزءاً من سياسة دولة أو منظمة.

وبحسب خبراء قانونيين، فإن العديد من الانتهاكات المنسوبة إلى فترات معينة في سجن نقرة السلمان تقع ضمن هذا الإطار القانوني.

التحولات بعد 2003 والعدالة الانتقالية

بعد عام 2003، ومع سقوط النظام السابق في العراق، أعيد فتح ملفات السجون، بما في ذلك نقرة السلمان، ضمن جهود العدالة الانتقالية، وتشير تقارير وزارة حقوق الإنسان العراقية السابقة إلى فتح مئات الملفات المتعلقة بانتهاكات سابقة، وتقديم عدد من المسؤولين السابقين إلى المحاكم.

وفق بيانات صادرة عام 2025 عن منظمات حقوقية عراقية، تم تسجيل أكثر من 200 شكوى مرتبطة بسجن نقرة السلمان، تتعلق بانتهاكات وقعت خلال فترات مختلفة. إلا أن هذه الجهود ما تزال تواجه تحديات كبيرة، أبرزها ضعف الأرشفة وضياع الوثائق وصعوبة تحديد المسؤوليات الفردية.

تشير تقارير منظمة العفو الدولية إلى أن شهادات الناجين من نقرة السلمان تمثل مصدراً أساسياً لفهم طبيعة الانتهاكات، حيث يصف العديد منهم تجربة الاحتجاز بأنها امتداد للعزلة القسرية والمعاناة النفسية والجسدية الطويلة.

وتؤكد دراسات اجتماعية عراقية أن السجن أصبح جزءاً من الذاكرة الجمعية في مناطق واسعة من العراق، خصوصاً بين عائلات الضحايا الذين لا يزالون يبحثون عن معلومات حول مصير أقاربهم.

البعد السياسي للسجن

يرى باحثون في العلوم السياسية أن سجن نقرة السلمان لم يكن مجرد منشأة احتجاز، بل كان جزءاً من منظومة أمنية استخدمت لإدارة الصراع السياسي الداخلي عبر العزل والنفي والاحتجاز طويل الأمد،ويشير تحليل صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية العراقي إلى أن استخدام السجن في فترات مختلفة يعكس طبيعة العلاقة بين الدولة والمعارضة في العراق خلال القرن العشرين.

مطالب حقوقية

وفق تقارير الأمم المتحدة لعام 2025، فإن ملف السجون العراقية التاريخية، بما في ذلك نقرة السلمان، ما يزال جزءاً من نقاش أوسع حول العدالة الانتقالية في العراق، ودعت منظمة العفو الدولية إلى تعزيز جهود التوثيق وضمان عدم تكرار الانتهاكات، إضافة إلى دعم برامج جبر الضرر للضحايا.

كما تؤكد منظمة هيومن رايتس ووتش أن غياب التوثيق الكامل للانتهاكات السابقة يعوق مسار العدالة، ويجعل من الصعب تحقيق محاسبة شاملة.

يمثل سجن نقرة السلمان نموذجاً معقداً لتداخل السياسة والأمن والحقوق في تاريخ العراق الحديث، وبينما تتواصل الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين، يبقى الملف مفتوحاً على أسئلة العدالة والذاكرة والمساءلة، فالسجن لا يعكس فقط تاريخاً من الاحتجاز القاسي، بل يكشف أيضاً عن تحديات أعمق تتعلق ببناء دولة القانون وضمان عدم تكرار الانتهاكات.

إن التعامل مع إرث نقرة السلمان لا يقتصر على البعد القضائي، بل يمتد إلى إعادة بناء الذاكرة الوطنية على أسس الاعتراف والإنصاف، بما يضمن تحويل الألم التاريخي إلى درس مستقبلي في احترام حقوق الإنسان.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية