منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

قاصرون بلا حماية.. مراكز إيطالية لاستقبال المهاجرين تثير مخاوف حقوقية

08 مايو 2026
وصول مهاجرين إلى إيطاليا
وصول مهاجرين إلى إيطاليا

في مراكز استقبال مكتظة في شمال ووسط إيطاليا، يقضي مئات الأطفال المهاجرين غير المصحوبين بذويهم فترات طويلة داخل منشآت مخصصة للبالغين، في ظروف تثير قلقاً متزايداً لدى منظمات حقوقية أوروبية ودولية، وبين نصوص قانونية تنص على الحماية الخاصة للطفل، وواقع عملي يشير إلى الاحتجاز في بيئات غير ملائمة، تتكشف أزمة إنسانية متصاعدة تعكس تحديات أوسع في نظام اللجوء الأوروبي.

إطار الأزمة وأرقام أولية

تشير بيانات منظمة أكشن إيد الدولية إلى أن ما لا يقل عن 823 قاصراً غير مصحوب تم إيداعهم في مراكز مخصصة للبالغين في إيطاليا خلال الفترة الممتدة من نهاية عام 2023 حتى عام 2025، وتؤكد المنظمة أن هذه الممارسة لم تعد استثنائية كما تصفها السلطات، بل أصبحت متكررة في عدد من المحافظات، في ظل تطبيق مرسوم كوترو الصادر عام 2023، والذي سمح بشكل مؤقت بإيواء القاصرين فوق سن 16 عاماً في مراكز البالغين عند غياب البدائل.

وبحسب ما ذكرته وكالة الأنباء الإيطالية “أنسا” جاء هذا الإجراء جاء استجابة لضغط تدفقات الهجرة عبر البحر المتوسط، إلا أن تقارير حقوقية تعتبر أن التحول من الاستثناء إلى القاعدة يعكس خللاً في منظومة الاستقبال وليس مجرد أزمة قدرة استيعابية.

مرسوم كوترو بين النص والتطبيق

ينص مرسوم كوترو على أن إيداع القاصر غير المصحوب في مراكز البالغين يجب أن يكون مؤقتاً، ولمدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر قابلة للتمديد لفترة محدودة إضافية، غير أن تقرير منظمة أكشن إيد يكشف أن الواقع الميداني يختلف بشكل كبير، حيث تم تسجيل فترات احتجاز تجاوزت خمسة أشهر في 13 محافظة، في حين سجلت 16 محافظة أخرى تجاوزاً للحدود الزمنية القانونية.

وتشير البيانات إلى أن بعض الحالات بلغت أرقاماً غير مسبوقة، منها 1413 يوماً في تورينو، و927 يوماً في بريشيا، و883 يوماً في إمبيريا، ما يطرح تساؤلات حول فعالية الرقابة الإدارية على تطبيق القانون.

انتهاك شرط غياب الأماكن المخصصة

وفق القانون الإيطالي، لا يجوز إيداع القاصرين في مراكز احتجاز المهاجرين البالغين إلا في حال عدم توفر أماكن في مراكز الإيواء المخصصة لهم، إلا أن منظمة أكشن إيد تؤكد في تقريرها أن عمليات الإيواء تمت في عدد كبير من الحالات رغم توفر أماكن شاغرة في مراكز القاصرين على المستوى المحلي والإقليمي.

وتشير المنظمة إلى أن هذه الممارسات تعكس فجوة في التنسيق بين السلطات المحلية والإقليمية، وتؤدي إلى وضع الأطفال في بيئات لا تراعي احتياجاتهم النفسية والتعليمية والاجتماعية.

ظروف احتجاز تثير القلق

في قضايا موثقة أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، تبين أن بعض مراكز الاستقبال في إيطاليا، مثل مركز سانت آنّا في كروتوني، كانت تعمل فوق طاقتها الاستيعابية، حيث استقبلت أعداداً تتجاوز 800 شخص في حين أن طاقتها الرسمية أقل من ذلك بكثير.

وتوضح المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن القاصرين في هذا المركز تعرضوا للاكتظاظ وغياب الفصل عن البالغين، إضافة إلى نقص الخدمات الصحية والنفسية والتعليمية، ما اعتبرته المحكمة انتهاكاً للمادة الثالثة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان المتعلقة بحظر المعاملة غير الإنسانية أو المهينة.

إدانة قضائية لإيطاليا

في حكم آخر، ألزمت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان إيطاليا بدفع تعويض قدره 10 آلاف يورو لشاب من بوركينا فاسو احتُجز في مركز للبالغين لمدة خمسة أشهر في ظروف وصفت بأنها غير مناسبة للقاصرين، وأكد الحكم أن غياب الرعاية المناسبة والفصل بين الفئات العمرية يشكل انتهاكاً واضحاً للمعايير الأوروبية لحقوق الإنسان.

هذه الأحكام تعكس نمطاً متكرراً من القضايا التي تواجه فيها إيطاليا انتقادات قضائية على مستوى القارة الأوروبية بسبب إدارة ملف القاصرين غير المصحوبين.

أرقام الهجرة في السياق الأوروبي

تشير بيانات “يوروستات” إلى أن الاتحاد الأوروبي سجل نحو 158400 طلب لجوء من قاصرين في عام 2025، ما يمثل نحو ربع إجمالي طلبات اللجوء، كما تم تسجيل نحو 21000 طلب من قاصرين غير مصحوبين بذويهم خلال العام نفسه، بعد أن كانت الأعداد قد بلغت نحو 40000 في عام 2022.

وتوضح البيانات أن الفئات الأكثر ضعفاً في هذا السياق تشمل القاصرين من جنسيات أفغانية وسورية وإريترية، حيث تشكل هذه الجنسيات النسبة الكبرى من طلبات الحماية الدولية.

تفاوت أوروبي في استقبال القاصرين

تشير بيانات يوروستات أيضاً إلى أن بعض الدول الأوروبية تستقبل نسباً مرتفعة من القاصرين مقارنة بإجمالي طلبات اللجوء، حيث تصل النسبة في النمسا إلى 57.3 في المئة، في حين تبلغ نحو 45 في المئة في ألمانيا، ونحو 30 في المئة في فنلندا.

هذا التفاوت يعكس اختلافاً في السياسات الوطنية داخل الاتحاد الأوروبي، ويضع ضغطاً أكبر على دول الجنوب مثل إيطاليا التي تشكل نقطة دخول رئيسية عبر البحر المتوسط.

ردود فعل المنظمات الحقوقية

انتقدت منظمة العفو الدولية ومنظمة إنقاذ الطفولة استمرار احتجاز الأطفال في مراكز غير مخصصة لهم، معتبرة أن ذلك يتعارض مع اتفاقية حقوق الطفل التي تنص على ضرورة مراعاة المصلحة الفضلى للطفل في جميع الإجراءات المتعلقة به.

كما دعت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى تعزيز قدرات الاستقبال المخصصة للقاصرين، وضمان عدم احتجازهم في بيئات البالغين تحت أي ظرف غير استثنائي.

البعد القانوني للأزمة

تنص اتفاقية حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة على ضرورة توفير حماية خاصة للأطفال اللاجئين والمهاجرين، منها السكن المناسب والتعليم والرعاية الصحية والدعم النفسي، كما تفرض التشريعات الأوروبية التزاماً واضحاً على الدول الأعضاء بفصل القاصرين عن البالغين في مراكز الاستقبال.

غير أن تقارير منظمة “أكشن إيد” تشير إلى وجود فجوة واضحة بين الالتزامات القانونية والتطبيق الفعلي، ما يخلق حالة من عدم الاتساق في السياسات العامة المتعلقة بالهجرة.

تكشف المعطيات المتراكمة أن أزمة القاصرين غير المصحوبين في إيطاليا لا ترتبط فقط بضغط الهجرة، بل تعكس أيضاً إشكالية هيكلية في نظام الاستقبال الأوروبي، فبينما تؤكد النصوص القانونية ضرورة حماية الطفل، تشير الوقائع الميدانية إلى استمرار ممارسات تضع القاصرين في بيئات غير مناسبة، ما يثير تساؤلات حول فعالية الرقابة الأوروبية وقدرة الدول الأعضاء على تطبيق معايير حقوق الإنسان بشكل متسق.

يمثل القاصرون غير المصحوبين فئة شديدة الهشاشة ضمن تدفقات الهجرة إلى أوروبا، إذ يفقد هؤلاء الأطفال الرعاية الأسرية أثناء رحلات الهجرة غالباً عبر البحر المتوسط أو الحدود البرية، وتتعامل دول جنوب أوروبا، وعلى رأسها إيطاليا، مع هذه الفئة ضمن نظام استقبال خاص يفترض أن يضمن الحماية الكاملة لهم، إلا أن الضغوط المتزايدة على أنظمة اللجوء منذ عام 2015 أدت إلى توسع الاعتماد على مراكز الطوارئ، ما خلق تحديات مستمرة في توفير بيئة مناسبة للأطفال، وتشير تقارير أوروبية ودولية إلى أن معالجة هذه الأزمة تتطلب تنسيقاً أوسع داخل الاتحاد الأوروبي، إلى جانب تعزيز الاستثمار في مراكز الإيواء المتخصصة للقاصرين وضمان آليات رقابة أكثر فاعلية.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية