شهدت إيطاليا خلال العقد الأخير تحولا بشأن قضية الهجرة من سياسات تركز على الإنقاذ والاستقبال إلى مقاربة أكثر تشددا، وتشير تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن هذه التحولات تعكس تغيرا في أولويات السياسات العامة نتيجة الضغوط السياسية والاقتصادية.
وقد أقرّ البرلمان في إيطاليا مرسوما أمنيا جديدا يعيد تشكيل سياسة الهجرة، في خطوة أثارت جدلا واسعا داخل البلاد وخارجها، خاصة مع ارتباطها بالسياسات الأوروبية الأوسع، وجاء القرار وسط تصاعد الضغوط الناتجة عن تدفقات الهجرة عبر البحر المتوسط، حيث دافعت حكومة جورجيا ميلوني عن المرسوم باعتباره ضرورة لضبط الحدود وتعزيز الأمن.
لم يمر المرسوم دون جدل قانوني، إذ أبدى الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا ملاحظات دستورية دفعت الحكومة إلى إصدار تعديل تصحيحي يوسع نطاق الحوافز المتعلقة بالعودة الطوعية، وتشير بيانات مجلس الوزراء الإيطالي إلى أن التعديلات جاءت لضمان التوافق مع الدستور دون المساس بجوهر الإجراءات، وفي المقابل، شهد البرلمان احتجاجات من المعارضة التي اعتبرت أن المرسوم يمس الحقوق الأساسية ويعيد توجيه السياسة نحو المقاربة الأمنية.
يأتي هذا التشديد في لحظة حساسة، حيث تشير بيانات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن أكثر من 150 ألف مهاجر وصلوا إلى السواحل الإيطالية خلال عام 2025، مع استمرار تدفقات الهجرة عبر وسط البحر المتوسط، كما توضح وكالة الحدود الأوروبية أن هذا المسار يعد من أكثر طرق الهجرة نشاطا، ما يضع إيطاليا في خط المواجهة الأول داخل الاتحاد الأوروبي.
تفاصيل المرسوم أدوات قانونية وأمنية
يتضمن المرسوم حزمة من الإجراءات، أبرزها تقديم حوافز للمحامين والوسطاء لتشجيع المهاجرين على العودة الطوعية، إلى جانب إجراءات أمنية تشمل توسيع صلاحيات الاحتجاز الوقائي وتشديد العقوبات المرتبطة ببعض الجرائم، وتؤكد الحكومة الإيطالية أن هذه التدابير تهدف إلى الحد من الهجرة غير النظامية وتعزيز الاستقرار الداخلي، وفقا لبيانات رسمية صادرة عن وزارة الداخلية الإيطالية.
ويثير مفهوم العودة الطوعية جدلا واسعا، حيث تشير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن هذه الآلية يجب أن تكون قائمة على قرار حر ومستنير من المهاجر، دون أي شكل من أشكال الإكراه، في المقابل، تحذر منظمة العفو الدولية من أن تقديم حوافز مالية أو قانونية قد يتحول إلى ضغط غير مباشر، خاصة في ظل ظروف الاحتجاز أو محدودية الخيارات أمام طالبي اللجوء.
أرقام الهجرة تعكس تعقيد المشهد
تظهر البيانات الحديثة أن إيطاليا لا تزال إحدى أبرز بوابات الهجرة إلى أوروبا، حيث سجلت نحو 158 ألف طلب لجوء خلال عام 2024، ما يجعلها ثالث أكبر دولة استقبال داخل الاتحاد الأوروبي بعد ألمانيا وإسبانيا، بحسب بيانات المفوضية الأوروبية ومراكز أبحاث الهجرة، ويعكس هذا الرقم تصاعدا مستمرا منذ عام 2021، حيث بلغت الطلبات أعلى مستوياتها خلال عقد كامل، في مؤشر على استمرار الضغط على نظام اللجوء الإيطالي.
وعلى المستوى الشهري، توضح بيانات يوروستات أن عدد طلبات اللجوء في إيطاليا تجاوز 10 آلاف طلب شهريا خلال نهاية عام 2025، مع تسجيل 10,490 طلبا في ديسمبر و10,660 في يناير 2026، ما يعكس استمرارية التدفقات رغم الإجراءات المشددة، كما تشير الإحصاءات إلى أن إيطاليا تستقبل ما يقارب 20 طلب لجوء لكل 100 ألف نسمة، وهو من أعلى المعدلات في الاتحاد الأوروبي.
وفي السياق ذاته، تؤكد المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن أكثر من 312 ألف لاجئ مسجلين داخل إيطاليا حتى نهاية 2024، إضافة إلى أكثر من 180 ألف طالب لجوء، ما يعكس ضغطا مستمرا على البنية المؤسسية والخدمات وتوضح المفوضية أن غالبية الوافدين ينحدرون من دول تعاني من نزاعات مسلحة أو أزمات اقتصادية حادة مثل أفغانستان ونيجيريا ودول القرن الإفريقي، وهو ما يعكس استمرار العوامل الدافعة للهجرة، وليس فقط العوامل المرتبطة بسياسات الاستقبال.
كما تكشف البيانات الأوروبية أن نحو مليون طلب لجوء تم تسجيلها على مستوى الاتحاد الأوروبي في 2024، استحوذت إيطاليا وحدها على نحو 16 في المئة منها، ما يعزز موقعها كبوابة رئيسية للهجرة إلى القارة وتشير هذه المؤشرات إلى أن الهجرة لم تعد ظاهرة ظرفية، بل أصبحت جزءا من تحولات هيكلية مرتبطة بالصراعات الدولية وعدم الاستقرار الاقتصادي والتغير المناخي.
تشير بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى تسجيل نحو 154,500 وصول عبر طرق الهجرة إلى أوروبا خلال عام 2025، تشمل إيطاليا كإحدى أبرز نقاط الدخول الرئيسية في البحر المتوسط.
كما توضح تقارير متابعة المسار المركزي للبحر المتوسط أن إيطاليا استقبلت نحو 36,406 مهاجرين عبر البحر خلال الأشهر السبعة الأولى من 2025 فقط، بزيادة تقارب 9% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024.
وتشير تقديرات أخرى إلى أن إجمالي الوافدين عبر البحر إلى إيطاليا خلال عام 2025 قد يدور حول 66 ألف شخص، وهو رقم قريب من مستويات 2024 التي بلغت نحو 66,600 وصول.
البحر المتوسط أخطر طرق العبور
تؤكد المنظمة الدولية للهجرة أن البحر المتوسط لا يزال أحد أخطر طرق الهجرة في العالم، حيث لقي آلاف المهاجرين مصرعهم خلال السنوات الأخيرة أثناء محاولتهم الوصول إلى أوروبا، في ظل اعتماد متزايد على قوارب غير آمنة وشبكات تهريب منظمة، وتشير تقديرات المنظمة إلى أن هذا المسار، خاصة طريق وسط المتوسط المؤدي إلى إيطاليا، يسجل أعلى معدلات الوفيات مقارنة ببقية طرق الهجرة العالمية.
وفق بيانات المنظمة الدولية للهجرة، فقد سجل عام 2025 ما يقارب 8,000 حالة وفاة أو فقدان على طرق الهجرة حول العالم، في واحدة من أعلى الحصائل المسجلة خلال السنوات الأخيرة.
وفي ما يتعلق بالبحر المتوسط تحديداً، تشير تقارير المنظمة إلى تسجيل أكثر من 2,100 وفاة أو فقدان خلال 2025 حتى نهاية العام، ما يجعل هذا المسار الأكثر خطورة عالمياً ضمن طرق الهجرة غير النظامية.
كما تؤكد بيانات مشروع المهاجرين المفقودين التابع للمنظمة الدولية للهجرة أن معدل الوفيات في المسار الأوسط نحو إيطاليا يصل إلى عدة وفيات يومياً، مع استمرار حوادث الغرق بسبب ضعف وسائل النقل وغياب الإنقاذ الكافي.
وتشير بيانات يوروستات إلى أن دول الاتحاد الأوروبي أعادت في الربع الأخير من عام 2025 نحو 33,860 شخصاً إلى دول ثالثة ضمن عمليات الإعادة الرسمية.
وتوضح البيانات نفسها أن إجمالي عمليات الإعادة والمرحلين من الاتحاد الأوروبي خلال عام 2025 بلغ نحو 132,660 شخصاً، وهو ما يعكس توسع سياسات الترحيل مقارنة بالسنوات السابقة.
كما تشير التقارير إلى أن إيطاليا تعتمد بشكل كبير على عمليات العودة الطوعية أو القسرية ضمن هذه الأرقام، مع تسجيلها أحد أعلى معدلات التنفيذ مقارنة ببعض دول الاتحاد الأوروبي الأخرى.
يرتبط القرار الإيطالي بسياق أوروبي أوسع، حيث تعمل المفوضية الأوروبية على تطوير نظام موحد لإدارة الهجرة واللجوء، إلا أن الخلافات بين الدول الأعضاء لا تزال قائمة، إذ تدعو بعض الدول إلى تشديد الرقابة، بينما تؤكد أخرى ضرورة احترام المعايير الحقوقية.
أبعاد اقتصادية ومخاوف حقوقية
تلعب الهجرة دورا معقدا في الاقتصاد الإيطالي، حيث تشير تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن العمالة المهاجرة تسهم في سد فجوات في سوق العمل، خاصة في قطاعات الزراعة والخدمات، في المقابل، يثير ارتفاع أعداد المهاجرين مخاوف تتعلق بالبطالة والخدمات العامة، ما يغذي الجدل السياسي الداخلي.
وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش مخاوف من أن تؤدي الإجراءات الجديدة إلى تقويض حقوق طالبي اللجوء، خاصة إذا لم تُطبق مع ضمانات كافية، كما حذرت مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة من أن السياسات الأمنية يجب ألا تتعارض مع الالتزامات الدولية، بما في ذلك مبدأ عدم الإعادة القسرية.
القانون الدولي بين النص والتطبيق
ينص القانون الدولي، بما في ذلك اتفاقية اللاجئين لعام 1951، على حماية الأفراد من الإعادة إلى بلدان قد يتعرضون فيها للخطر. وتشير تقارير أممية إلى أن التحدي يكمن في تحقيق التوازن بين حماية الحدود واحترام هذه الالتزامات، خاصة في ظل الضغوط السياسية المتزايدة.
يمكن أن تخضع بعض بنود المرسوم للطعن أمام المحاكم الوطنية أو الأوروبية، حيث تلعب المؤسسات القضائية دورا في ضمان توافق التشريعات مع حقوق الإنسان.
وتشير تحليلات قانونية أوروبية إلى أن هذا المسار قد يحدد مستقبل تطبيق هذه السياسات.
تمتد آثار السياسة الإيطالية إلى دول المنشأ والعبور، حيث تشير تقارير البنك الدولي إلى أن تشديد القيود قد يؤثر على أنماط الهجرة ويعيد توجيه المسارات نحو مناطق أخرى، ما يخلق تحديات جديدة لدول الجوار.
وتشير تحليلات مجموعة الأزمات الدولية إلى أن مستقبل هذه السياسات يعتمد على قدرتها على تحقيق توازن بين الأمن والالتزامات الإنسانية، وقد تؤدي الإجراءات المشددة إلى تقليص بعض التدفقات، لكنها قد تدفع أيضا إلى زيادة الهجرة غير النظامية عبر طرق أكثر خطورة.
تعكس الخطوة الإيطالية اختبارا حقيقيا لقدرة أوروبا على إدارة ملف الهجرة في ظل تزايد التحديات، وتشير تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان إلى أن الحلول المستدامة تتطلب مقاربة شاملة تتجاوز الإجراءات الأمنية، لتشمل معالجة جذور الهجرة وضمان حماية حقوق الإنسان، في قضية تبقى من أكثر القضايا تعقيدا وتأثيرا على مستقبل القارة الأوروبية.

