تثير أرقام الجريمة في ألمانيا كثيراً من الجدل حول الهجرة، وغالباً ما تُطرح بصورة مباشرة، إذا كان الأجانب يمثلون نحو 15% من السكان لكن نسبتهم في سجلات الاشتباه الجنائي أعلى بكثير، فهل يعني ذلك أنهم أكثر ميلاً إلى ارتكاب الجرائم؟
الأرقام الشرطية توحي بذلك للوهلة الأولى، لكن خبراء الجريمة والإحصاء يحذرون من أن هذه القراءة السريعة قد تكون مضللة إذا جرى تجاهل الفروق الديموغرافية والاجتماعية، وطبيعة البيانات نفسها، وآليات التبليغ والضبط الشرطي.
بحسب إحصاءات الجريمة الشرطية لعام 2025 التي أوردتها وزارة الداخلية الألمانية، سجلت السلطات 2,054,855 مشتبهاً به في المجمل، وبينهم كان 823,609 من غير الحاملين للجنسية الألمانية، أي نحو 40%.
لكن عند استبعاد المخالفات المرتبطة بقانون الأجانب والإقامة، وهي أفعال يكاد لا يرتكبها إلا غير الألمان أصلاً، ينخفض العدد إلى 1,908,383 مشتبهاً به، بينهم 677,951 غير ألماني، أي 35.5%، وهذا التفصيل أساسي؛ لأنه يوضح أن الرقم الخام الأكبر لا يصلح وحده للمقارنة المباشرة مع السكان المقيمين.
مجرمون من الخارج
المشكلة الأولى في المقارنة أن فئة “غير الألمان” في إحصاءات الشرطة لا تعني فقط المقيمين الأجانب داخل ألمانيا، حيث تشمل الإحصاءات أيضاً أجانب لا يقيمون أصلاً في ألمانيا، مثل السياح، أو من يدخلون البلاد لفترة قصيرة، أو حتى من يعبرون الحدود لارتكاب جريمة.
هؤلاء يُحتسبون داخل سجل المشتبه بهم، لكنهم غير موجودين في قاعدة “السكان الأجانب المقيمين” التي تُقارن بها نسبتهم، ولهذا السبب تقول المنصة إن وضع نسبة المشتبه بهم الأجانب مقابل نسبة الأجانب من السكان يشبه مقارنة مجموعتين مختلفتين جزئياً.
بل إن بيانات 2023 أظهرت أن 19.5% من غير الألمان المسجلين مشتبهاً بهم كانوا يقيمون خارج ألمانيا، وأن 7.5% أخرى كان محل إقامة أصحابها مجهولاً.
ولهذا السبب تحديداً باتت السلطات والباحثون يعتمدون أكثر على ما يسمى “معدل العبء الاشتباهي”، وهو مؤشر يحسب عدد المشتبه بهم لكل 100 ألف من السكان المقيمين في كل فئة، بعد استبعاد مخالفات قانون الأجانب.
وفق هذا المؤشر، بلغت القيمة في 2025 نحو 1,813 بين الألمان و4,788 بين الأجانب، أي إن المعدل لدى الأجانب كان أعلى بنحو 2.6 مرة، هذه النتيجة لا تلغي مشكلة المقارنة الخام، لكنها تقول في الوقت نفسه إن الفجوة لا تختفي بالكامل بمجرد تصحيح العيب المنهجي الأول.
فارق السن بين السكان
هنا تدخل العوامل الديموغرافية في صلب التفسير، فالأجانب في ألمانيا أصغر سناً من السكان الألمان في المتوسط، كما أن نسبتهم أعلى بكثير في الفئات العمرية التي ترتبط تاريخياً بإحصاءات الجريمة، ولا سيما الذكور الشباب.
وتوضح بيانات المكتب الإحصائي الاتحادي الألماني Destatis أن عدد الأجانب في ألمانيا بلغ 14,070,225 حتى نهاية 2025، وأن التركيبة العمرية تختلف بوضوح، فالأجانب يشكلون 19.7% من السكان في الفئة العمرية 20 إلى 59 عاماً، لكنهم لا يمثلون سوى 6.3% ممن هم فوق 60 عاماً.
وهذه نقطة مركزية؛ لأن الذكور في مراحل الانتقال من المراهقة إلى الشباب المبكر هم الفئة الأعلى ظهوراً في إحصاءات الجريمة في ألمانيا وفي بلدان كثيرة عموماً، بغض النظر عن الأصل القومي أو الإثني.
هذا ما يجعل المقارنة بين مجموعتين تختلفان أصلاً في العمر والنوع الاجتماعي مقارنة ناقصة، فالمادة التي أرسلتها تنقل عن الباحثة سوزان براتور أن “غير الألمان أصغر سناً في المتوسط بشكل واضح من الألمان”، وأن “الذكور الشباب فئة سكانية تبرز كثيراً بسبب تورطها في النشاط الإجرامي، ليس في ألمانيا فقط بل في العالم كله”.
وهذا الرأي لا يأتي من فراغ، بل يتفق مع ما تلخصه شبكة “مهاجر نيوز” من دراسات علم الجريمة، جزء معتبر من التمثيل المرتفع لغير الألمان في الإحصاءات يعود إلى أن هذه الفئة تضم نسبة كبرى من الذكور الشباب مقارنة بالسكان الألمان.
الإبلاغ عن الأجانب
العامل الثاني هو الرقابة والتبليغ، فليس كل ما يظهر في إحصاءات الشرطة يعكس فقط “ما ارتُكب”، بل أيضاً ما تم الإبلاغ عنه وما تم اكتشافه ومن تم توقيفه أو الاشتباه فيه.
وتقول دراسة لمعهد علم الجريمة في ساكسونيا السفلى، إن الأشخاص الذين يُنظر إليهم على أنهم أجانب يُبلَّغ عنهم بمعدل أعلى من الألمان، بحوالي ثلاثة أضعاف.
وعندما يكون الجاني والضحية ألمانيين، تُبلغ الشرطة في 7.9% من الحالات؛ أما إذا كان الضحية ألمانياً والجاني غير ألماني، فتصل نسبة التبليغ إلى 22.4%.
ولأن نحو 90% من الجرائم التي تدخل الإحصاءات الشرطية تصل إليها عبر البلاغات، فإن هذا الفارق في الاستعداد للتبليغ يمكن أن يرفع ظهور غير الألمان في الأرقام حتى من دون أن يعني ذلك بالضرورة ارتفاعاً مماثلاً في السلوك الفعلي نفسه.
وإلى جانب التبليغ، هناك مسألة كثافة التفتيش والمراقبة، فالأقليات والأشخاص الذين يُنظر إليهم على أنهم “أجانب” قد يتعرضون لرقابة شرطية عليا، وهو ما يزيد احتمال اكتشاف بعض الأفعال أو حتى توسيع الاشتباه فيهم.
وتظهر الدراسات والاستطلاعات أن المنتمين إلى الأقليات يتعرضون لتفتيش ومراقبة أكثر من غيرهم، ما قد يجعلهم يدخلون الإحصاءات بمعدل أعلى، وهذا يعني أن الإحصاءات الشرطية ليست مرآة شفافة تماماً للواقع، بل تتأثر أيضاً بكيفية عمل مؤسسات الضبط، ومن يُراقَب أكثر، ومن يُنظر إليه بوصفه “مشتبهاً به محتملاً”.
تفسير ثقافي أو عنصري
العامل الثالث هو الظروف الاجتماعية والاقتصادية، هنا تبتعد القضية أكثر عن أي تفسير ثقافي مبسط أو عنصري، وتقترب من التفسير الذي يربط الجريمة بعوامل مثل الفقر، والتهميش، والانقطاع التعليمي، والعنف الأسري، والعيش في أحياء هشة، والتعرض للعنف في بلد الأصل أو أثناء رحلة اللجوء، والاندماج في دوائر أقران منحرفة.
الدراسات الألمانية، ومنها أبحاث Christian Walburg ومعهد علم الجريمة في ساكسونيا السفلى، تُظهر أن ما يرفع مخاطر الانخراط في العنف أو الجنوح ليس “الأصل” في ذاته، بل هذه العوامل الاجتماعية المتشابكة، إضافة إلى أنماط رجولة تمجد العنف ورفاق السوء والتجارب العنيفة السابقة.
وهنا يصبح النظر إلى الجنسيات المختلفة أكثر تعقيداً، فاللاجئون الأوكرانيون يمثلون 35.7% من اللاجئين في ألمانيا، لكن نسبتهم بين المشتبه بهم في 2024 كانت أقل من ذلك بكثير، عند أو أقل قليلاً من 13%.
وفي المقابل، يشكل القادمون من الجزائر والمغرب وتونس وجورجيا أقل من 1% من اللاجئين المسجلين، لكن نسبتهم بين المشتبه بهم بلغت نحو 3%. أما السوريون، فيمثلون نحو خُمس اللاجئين في ألمانيا، وكان هناك نحو 900 ألف سوري في البلاد، في حين أحصت الشرطة حوالي 115 ألف سوري ضمن المشتبه بهم في 2024.
لكن تفسير هذه الأرقام يتطلب الانتباه إلى التركيبة الديموغرافية: فـ63% من البالغين الأوكرانيين اللاجئين في ألمانيا نساء، في حين تتراوح نسبة الرجال بين طالبي اللجوء من شمال إفريقيا بين 74% و82%. أي إن جزءاً مهماً من التفاوت هنا يعود إلى من الذي وصل أصلاً: هل هم نساء وأطفال، أم في الغالب رجال شباب؟
الاشتباه في غير الألمان
هذا لا يعني أن كل شيء يمكن شرحه بالديموغرافيا وحدها، فحتى بعد استبعاد مخالفات الإقامة والنظر فقط إلى المقيمين، تبقى نسبة الاشتباه أعلى بين غير الألمان، لكن الخبراء يحذرون من تحويل هذا المعطى إلى حكم جوهري على “المهاجرين” بوصفهم مجموعة موحدة.
ففئة “غير الألمان” تضم لاجئين، وطلاباً، وعمالاً، وسياحاً، ومقيمين قدامى، وأشخاصاً من عشرات البلدان ومن أوضاع اجتماعية شديدة الاختلاف، كما أن كثيراً من غير الألمان هم أيضاً ضحايا للجريمة، خصوصاً في جرائم العنف.
وهناك نقطة أخرى شديدة الأهمية، فإحصاءات الشرطة ليست إحصاءات للإدانة، فهي تتعلق بالمشتبه بهم، لا بالمحكوم عليهم نهائياً، وهذا فارق جوهري في أي قراءة قانونية أو حقوقية، فبعض القضايا يُغلق بلا إدانة، وبعض الاشتباهات تكون نتيجة بلاغات لا تثبت لاحقاً، وبعض الفئات قد تُدرج في الإحصاءات بسرعة أكبر من غيرها.
لذلك، حتى حين نستخدم أرقام الاشتباه بوصفها مؤشراً مهماً، يجب ألا تتحول إلى أحكام قطعية على فئة سكانية بأكملها.

