منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

مكافأة للعودة الطوعية.. قانون أمني جديد في إيطاليا يثير اعتراضات حقوقية

30 أبريل 2026
أقرت إيطاليا مرسومًا أمنيًا لدعم من يساعد اللاجئين على العودة الطوعية
أقرت إيطاليا مرسومًا أمنيًا لدعم من يساعد اللاجئين على العودة الطوعية

أقرت إيطاليا مرسوماً أمنياً بعد تصويت مجلس النواب، ثم موافقة مجلس الوزراء على مرسوم منفصل لتعديل واحدة من أكثر مواده إثارة للجدل؛ المادة الخاصة بمنح مقابل مالي لمن يساعد المهاجرين على الانضمام إلى برامج “العودة الطوعية المساعدة”.

ووفق وكالة رويترز، كان النص الأصلي يمنح الحافز للمحامين فقط، لكن الحكومة عدّلته سريعاً بعد اعتراضات سياسية ودستورية، ليشمل أيضاً مهنيين آخرين يساعدون في هذا المسار، مع الإبقاء على جوهر السياسة نفسها.

المرسوم الأصلي هو المرسوم بقانون رقم 23 الصادر في 24 فبراير 2026، وعنوانه الرسمي يتعلق بالأمن العام وعمل الشرطة والهجرة والحماية الدولية.

وتُظهر الوثائق البرلمانية أن النص شمل مواد تتعلق بالهجرة والطرد والاحتجاز الإداري، وأُقر قبل انتهاء المهلة الدستورية الخاصة بتحويل مراسيم الطوارئ إلى قانون.

برامج العودة الطوعية

في قلب الجدل تقع المادة 30-bis، ووفق المذكرة التشريعية لمجلس الشيوخ، فإنها تعدل المادة 14-ter من قانون الهجرة الإيطالي بحيث تُدخل المجلس الوطني للمحامين ضمن الجهات المتعاونة مع وزارة الداخلية في تنفيذ برامج “العودة الطوعية المساعدة”، وتسمح بصرف تعويض لمن يمثّل المهاجر قانونياً إذا ساعده في تقديم طلب الانضمام إلى البرنامج.

وأوضح النص البرلماني أن هذا التعويض كان في صيغته الأصلية مشروطاً بمغادرة الشخص فعلياً، وأن قيمته تعادل الإسهامات المالية المخصصة “للاحتياجات الأولى” عند الوصول إلى بلد المقصد، كما حدّد المشرّع كلفة هذا الإجراء بـ 246 ألف يورو في 2026 و492 ألف يورو في 2027 و492 ألف يورو في 2028.

لكن الحكومة عادت في 24 أبريل 2026 وعدّلت هذا الجانب بعد موجة اعتراضات، وبحسب رويترز، لم تعد الأهلية محصورة بالمحامين، كما لم يعد الدفع مشروطاً بإتمام العودة نفسها، بل صار مرتبطاً بالمساعدة المقدمة في المسار، ويبدو أن هذا التعديل جاء لتفادي مأزق دستوري وسياسي بعد تحفظات من الرئيس سيرجيو ماتاريلا وانتقادات من المعارضة والهيئات القانونية.

منطق الحافز المالي

الاعتراض الأكبر كان أن الدولة تُدخل منطق الحافز المالي إلى صميم العلاقة بين المحامي وموكله في ملف يمس الحرية والإقامة والطرد.

الجمعية الوطنية للقضاة قالت صراحة في بيانها في 18 أبريل 2026 إن ربط الحافز بنتيجة تتعلق بالعودة الطوعية، مع تقييد الوصول إلى المساعدة القضائية المجانية في طعون الترحيل “يطرح مسائل تهدد فعالية الحماية القضائية”، وإنه “يتعارض مع فكرة الدفاع ذاتها” لأنه يربط المكافأة بما وصفته بـ“إخفاق الاستراتيجية الدفاعية”.

وشددت الجمعية على أن حق الدفاع يجب أن يبقى “كاملاً، حراً، ومتاحاً بصورة ملموسة”.

ولم يقف الجدل عند الحوافز المالية، فالمادة 29 من الحزمة نفسها تُضعف مسار المساعدة القانونية المجانية في قضايا الطرد، وتوضح الوثائق البرلمانية الإيطالية أن القانون ألغى الاستثناء القائم سابقاً الذي كان يمنح الأجانب من خارج الاتحاد الأوروبي الاستفادة من المساعدة القانونية على نفقة الدولة في الطعون ضد قرارات الإبعاد، بغض النظر عن حدود الدخل.

وبموجب التعديل الجديد، سيخضع المهاجرون للقواعد العامة للمساعدة القضائية التي تتطلب عملياً إثبات دخل منخفض ضمن إجراءات بيروقراطية معقدة قد تكون شبه مستحيلة على شخص محتجز أو عابر أو بلا ملف ضريبي مستقر في إيطاليا.

تمثيل قانوني على نفقة الدولة

هذا التغيير الحقوقي جوهري؛ لأن الوصول إلى العدالة في قضايا الطرد ليس تفصيلاً إجرائياً، فالمادة 47 من ميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي، كما تذكّر الوثيقة البرلمانية نفسها، تنص على أن من لا يملك وسائل كافية يجب أن يُمنح التمثيل القانوني على نفقة الدولة كلما كان ذلك ضرورياً لضمان وصول فعلي إلى العدالة.

كما يؤكد مجلس أوروبا أن الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان تحمي الجميع داخل الولاية القضائية للدول، ومنهم المهاجرون، وأن قضايا الإبعاد والاحتجاز والهجرة ترتبط مباشرة بحقوق أساسية مثل الحرية، والمحاكمة العادلة، والحماية من المعاملة اللاإنسانية، والحياة الأسرية.

وإلى جانب ذلك، وسّع القانون سلطة الحكومة في البنية التحتية للاحتجاز والترحيل. فـ المادة 30 تسمح لوزارة الداخلية، حتى 31 ديسمبر 2028، بالاستمرار في استخدام استثناءات واسعة من القواعد العادية لتشييد أو استكمال أو تهيئة أو ترميم المراكز المخصصة “للمساعدة والاستقبال واحتجاز المواطنين الأجانب”.

كما مددت حتى 31 ديسمبر 2028 الاستثناءات الخاصة بإنشاء وتوسيع مراكز الترحيل الإداري (CPR)، وهي المراكز التي يُحتجز فيها الأشخاص انتظاراً لتنفيذ أوامر الإبعاد.

العودة وإعادة القبول

هذه المقاربة تأتي في سياق إيطالي وأوروبي يتجه أصلاً نحو الاحتجاز والإرجاع بوصفهما أداة مركزية في إدارة الهجرة، فالمفوضية الأوروبية نفسها تقول إن “العودة وإعادة القبول” عنصران أساسيان فيما تسميه سياسة هجرة “ذات مصداقية”، مع تطوير هياكل للإرشاد حول العودة وإعادة الإدماج.

لكن هذا المنظور الإداري يصطدم، من وجهة نظر حقوقية، بأن التوسع في الاحتجاز والردع غالباً ما يسبق توسيع الضمانات القانونية والوصول الفعلي إلى المحامي والطعن القضائي.

وتحذر آليات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان من أن العودة القسرية، أو حتى “الطوعية” في سياقات انعدام البدائل والاحتجاز والضغط القانوني، قد تتحول إلى منطقة انتهاكات.

وشدد المقرر الخاص المعني بحقوق الإنسان للمهاجرين في تقارير أممية مرجعية على أن جهود الدول لإرجاع المهاجرين كثيراً ما تكون “إشكالية في تنفيذها بما يتوافق مع القانون الدولي لحقوق الإنسان”، خصوصاً عندما تقترن بالاحتجاز ونقص المسارات النظامية وضغط الأجهزة الأمنية.

كما توضح مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن المهاجرين كثيراً ما يتعرضون في بلدان المقصد لضعف الوصول إلى المعلومات والخدمات والحماية القانونية، وهو ما يجعل أي تقييد إضافي للمساعدة القانونية خطراً مضاعفاً.

مسار محدود الحجم

من الزاوية العملية، تكشف الأرقام الواردة في الوثائق الرسمية أن برامج العودة الطوعية المساعدة في إيطاليا لم تكن واسعة أصلاً: إذ إن تقرير وزارة الداخلية الإيطالية عن نظام الاستقبال، كما أورده الملف البرلماني، سجّل 3,334 شخصاً فقط انضموا إلى هذه البرامج بين 2016 و2022.

وهذا يعني أن الحكومة لا تطلق آلية واسعة قائمة بالفعل، بل تبني حافزاً جديداً فوق مسار محدود الحجم تاريخياً، في الوقت نفسه، أظهرت بيانات UNHCR أن الوافدين بحراً إلى إيطاليا في أول شهرين من 2026 بلغوا 3,967 شخصاً مقارنة بـ 6,808 في الفترة نفسها من العام السابق، أي بانخفاض 42%، ما يثير أسئلة حول ما إذا كان التشدد التشريعي يعكس وضعاً طارئاً فعلياً أم استخداماً سياسياً متكرراً لأداة “الطوارئ”.

أما في الخلفية الأوروبية الأوسع، فتظهر إيطاليا بوصفها جزءاً من اتجاه أشمل نحو التشدد في الإرجاع. ففي الربع الرابع من 2025 أعادت دول الاتحاد الأوروبي 33,860 شخصاً إلى دول ثالثة، بزيادة 13% عن الفترة نفسها من 2024، بحسب يوروستات.

ورغم أن إيطاليا ليست في مقدمة الدول الأوروبية من حيث التنفيذ الفعلي للعودة مقارنة بدول مثل ألمانيا وفرنسا، فإنها تدفع بقوة باتجاه جعل الترحيل والاحتجاز والردع ركائز قانونية داخلية أكثر صلابة.

خطورة القانون الجديد

حقوقياً وإنسانياً، تكمن خطورة القانون الجديد في أنه لا يكتفي بتشديد أدوات الدولة في الاحتجاز والطرد، بل يعيد تشكيل موازين القوة داخل الإجراء نفسه، فالدولة توسع سلطتها، والمهاجر يخسر استثناءً مهماً في الوصول إلى المساعدة القانونية، والمحامي أو الجهة الوسيطة تُعرض عليها مكافأة مرتبطة بمسار الخروج لا بمسار الطعن أو الحماية.

ولهذا اعتبرت الهيئات القضائية والقانونية الإيطالية أن الأمر لا يتعلق بمادة تقنية، بل بمساس مباشر بفكرة استقلال الدفاع وفعالية الإنصاف القضائي.

Picture of عبدالرحيم الليثي
عبدالرحيم الليثي
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية