منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

أزمة السكن والغذاء.. حرب الشرق الأوسط تضغط على معيشة اللاجئين في أستراليا

06 مايو 2026
احتجاجات تطالب بالعدالة مع اللاجئين
احتجاجات تطالب بالعدالة مع اللاجئين

لم تعد تداعيات الحرب المتواصلة في الشرق الأوسط بعيدة عن الحياة اليومية في أستراليا، خصوصًا داخل مجتمعات المهاجرين واللاجئين التي ترتبط بالصراع عائليًا ونفسيًا وماليًا في آن واحد، فبينما تواجه البلاد أصلًا ضغوطًا معيشية واسعة، تقول مؤسسات إعلامية ومجتمعية إن استمرار الحرب فاقم الأعباء على أسر كثيرة باتت تحاول التوفيق بين تكاليف الحياة في أستراليا، ومساعدة أقارب في مناطق نزاع، والتعامل مع قلق نفسي متزايد ينعكس على الاستقرار اليومي.

وفي تقرير حديث، قالت SBS إن ممثلين عن مجتمعات المهاجرين واللاجئين يرون أن الدعم المقدم لهذه الفئات لا يزال أقل من المطلوب، في وقت تتشابك فيه الضغوط الاقتصادية مع آثار نفسية عميقة مرتبطة بالحرب.

وتأتي هذه المخاوف في سياق اقتصادي ضاغط على عموم السكان في أستراليا، فبحسب مكتب الإحصاء الأسترالي ABS، بلغ التضخم السنوي 3.7% في فبراير 2026، وكان السكن أكبر مساهم في الزيادة السنوية بنسبة 7.2%، تلاه الغذاء والمشروبات غير الكحولية بنسبة 3.1%.

كما أظهرت مؤشرات كلفة المعيشة للأسر في ربع ديسمبر 2025 أن تكاليف المعيشة ارتفعت بين 2.3% و4.2% بحسب نوع الأسرة، وكانت تكاليف السكن والغذاء من أبرز العوامل الضاغطة.

وهذا يعني أن أي أسرة ذات دخل منخفض أو هشّ، بما فيها أسر لاجئة أو مهاجرة حديثة الاستقرار، تدخل أصلًا إلى عام 2026 وهي تحت ضغط مرتفع في الإيجار والفواتير والمشتريات الأساسية.

مجتمع متعدد الأصول

من الناحية الديموغرافية، يعيش في أستراليا مجتمع متنوع ومتعدد الأصول على نحو يجعل أصداء الصراعات الخارجية محسوسة داخليًا، فبيانات ABS تشير إلى أن عدد السكان في أستراليا بلغ 27.7 مليون نسمة في سبتمبر 2025، وأن 31.5% من السكان كانوا مولودين خارج البلاد بحلول يونيو 2024، أي ما يعادل 8.6 مليون شخص.

كما ارتفع عدد السكان المولودين في الخارج بمقدار 396 ألف شخص خلال عام واحد فقط.

في هذا السياق، لا تبدو الحرب في الشرق الأوسط حدثًا خارجيًا بالنسبة إلى قطاعات واسعة من السكان، بل أزمة تمس أقاربهم وشبكاتهم الاجتماعية وهوياتهم ومصادر قلقهم اليومي، وهو ما يفسر لماذا تتحدث منظمات مجتمعية عن أثر مزدوج: اقتصادي ومعنوي في الوقت نفسه.

العبء هنا لا يتعلق بالمشاعر فقط، بل بترجمة هذه الصلات إلى التزامات يومية. فالأسر التي تتابع أخبار الحرب لحظة بلحظة تضطر أحيانًا إلى إرسال تحويلات، أو تغطية علاج وأدوية لأقارب، أو المساعدة في ترتيبات خروج أو انتقال، وكل ذلك بينما تواجه هي نفسها أزمة سكن وكلفة طاقة وغذاء داخل أستراليا.

ولهذا، فإن الحديث عن أثر الحرب على المعيشة لا يعني بالضرورة أن أسعار السلع في أستراليا ترتفع بسبب الشرق الأوسط وحده، بل يعني أن الأثر الفعلي على هذه المجتمعات يتفاقم لأن الحرب تُضاف إلى ضغوط اقتصادية موجودة أصلًا، فتجعل القدرة على الاحتمال أضعف بكثير من المتوسط العام.

وتدعم هذه القراءة تصريحات مجتمعية أوردتها SBS عن أن الفئات المتأثرة ترى أن الاستجابة الحالية لا تواكب الحجم الحقيقي للحاجة.

حرمان من شبكات الأمان

وتبدو هذه الفجوة أوضح حين يتعلق الأمر بالأشخاص الذين يطلبون الحماية أو يعيشون أوضاعًا قانونية مؤقتة، فمجلس اللاجئين في أستراليا RCOA حذر في أوراقه وتقاريره الأخيرة من أن كثيرًا من طالبي اللجوء في المجتمع الأسترالي “محرومون من شبكات الأمان الأساسية” ويُدفعون إلى الفقر “عن قصد بنيوي”، على حد تعبيره، بسبب ضعف الدعم المتاح لهم.

وفي تقرير بعنوان “A Safety Net Denied” قال المجلس إن أشخاصًا يطلبون الحماية يُستبعدون من خدمات ومساعدات أساسية، بينما تعتمد منظمات خيرية وخطوط مساعدة على التبرعات لسد الفجوة.

كما حذّر في مواد أخرى من تنامي التشرد بين طالبي اللجوء وترك جمعيات المجتمع المدني تواجه وحدها تكاليف الغذاء والمبيت والنقل والرعاية الصحية.

هذه الصورة تتقاطع مع النظام الأسترالي الرسمي للحماية، الذي يقوم من جهة على برنامج إنساني دائم، لكنه يترك من جهة أخرى فئات واسعة في أوضاع انتقالية شديدة الهشاشة.

فوزارة الشؤون الداخلية الأسترالية تؤكد أن برنامج اللاجئين والشؤون الإنسانية في عام 2025-26 حُدد عند 20 ألف مكان، مع نحو 16 ألف مكان لإعادة التوطين من الخارج وقرابة 4 آلاف للحماية على الشاطئ الداخلي.

كما تقول الحكومة إن أستراليا أعادت توطين أكثر من 950 ألف لاجئ وأشخاص في حاجة إنسانية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن RCOA يلفت إلى أن هذا النظام لا يحل أزمة طالبي الحماية الموجودين داخل أستراليا على أوضاع مؤقتة أو غير مستقرة، لأن جزءًا معتبرًا منهم لا يحصل على دعم حكومي كافٍ قبل صدور القرارات النهائية في ملفاتهم.

حماية حقوق طالبي اللجوء

وهنا يدخل البعد الحقوقي والقانوني مباشرة، فالمفوضية الأسترالية لحقوق الإنسان AHRC تؤكد أن أستراليا ملزمة، بموجب القانون الدولي، بحماية حقوق جميع طالبي اللجوء واللاجئين الموجودين على أراضيها، “بغض النظر عن كيفية أو مكان وصولهم”.

وتشمل هذه الالتزامات عدم الإعادة إلى الخطر، وضمان الوصول إلى الحقوق الأساسية وعدم المعاملة التمييزية أو المهينة، وفي أوراقها الخاصة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وكذلك في تقاريرها السنوية، شددت المفوضية على أن أزمة كلفة المعيشة تجعل الوصول إلى السكن والرعاية الصحية والتعليم والطاقة أصعب على الفئات الأكثر هشاشة.

وهذا مهم هنا، لأن اللاجئين والمهاجرين ذوي الدخل المنخفض لا يواجهون فقط ضغط الأسعار، بل أيضًا عقبات اللغة والوضع القانوني والتمييز، وهي عوامل تجعلهم أكثر عرضة للسقوط خارج أنظمة الدعم.

وعلى المستوى الدولي، أشار خبراء لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التابعة للأمم المتحدة في مناقشتهم لملف أستراليا في فبراير 2026 إلى أن القدرة على تحمل السكن وكلفة المعيشة أصبحتا مصدر ضغط واضح على السكان، مع أثر خاص على الفئات الضعيفة.

ورغم أن المناقشة لم تكن مخصصة للاجئين وحدهم، فإنها تعزز المقاربة الحقوقية التي ترى أن أزمة الغلاء ليست مجرد شأن مالي، بل قضية حقوق أساسية تمس القدرة على الوصول إلى السكن والصحة والحياة الكريمة.

وإذا كانت هذه الضغوط تقع على المجتمع عمومًا، فإن أثرها على اللاجئين والمهاجرين يكون مضاعفًا بحكم هشاشة أوضاعهم واتساع التزاماتهم العابرة للحدود.

تعذيب أو صدمة قسرية

كما أن البعد النفسي حاضر بقوة في هذا الملف، فالمفوضية الأسترالية لحقوق الإنسان تشير إلى أن واحدًا من كل ثلاثة بالغين من خلفية لجوء مرّ بتجارب تعذيب أو صدمة قسرية قبل الوصول، وهو ما يعني أن الحروب الجديدة لا تُستقبل داخل هذه المجتمعات من “صفر نفسي”، بل غالبًا ما تعيد تنشيط جراح وتجارب قديمة.

وفي هذا الإطار، يبدو قرار الحكومة الفيدرالية تخصيص 1.6 مليون دولار على مدى عامين لدعم خدمات الصحة النفسية للأستراليين المتأثرين بالصراع في الشرق الأوسط اعترافًا رسميًا بأن للحرب أثرًا داخليًا مباشرًا على الصحة النفسية والتماسك الاجتماعي، لكنه، من منظور المنظمات المجتمعية، يظل إجراءً محدودًا إذا ما قورن باتساع الحاجة الفعلية داخل المجتمعات المعنية.

المنظمات الحقوقية والمدنية الأسترالية لا تقف عند حدود التشخيص، بل تربط بين هذه الضغوط وبين بنية السياسات العامة. فـRCOA دعا في مذكراته ما قبل الموازنة إلى إنشاء شبكة أمان مالية للأشخاص الذين يطلبون الحماية، وإلى الاستثمار في إطار وطني للاستجابة الطارئة لمن يفرون من مناطق الأزمات، وإلى زيادة المساعدة للدول والمنظمات التي تتحمل أعباء النزوح.

ويعكس هذا الطرح قناعة متزايدة داخل القطاع الحقوقي بأن السياسات الحالية لا تعالج المسألة من منظور الحماية الشاملة، بل تترك شريحة من الناس عالقة بين التزامات أستراليا الدولية وبين موارد يومية لا تكفي لتأمين أساسيات العيش.

Picture of عبدالرحيم الليثي
عبدالرحيم الليثي
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية