منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

في الذكرى الـ111 للإبادة الأرمنية.. الذاكرة تقاوم والعدالة لا تزال مؤجلة

27 أبريل 2026
صورة نادرة لمجموعة من النازحين الأرمن
صورة نادرة لمجموعة من النازحين الأرمن

تعود الذكرى الـ111 للإبادة الأرمنية هذا العام لتعيد إلى الواجهة واحدة من أكثر المآسي حضورًا في الذاكرة الإنسانية الحديثة؛ مأساة لم تتوقف عند حدود القتل الجماعي والتهجير، بل امتدت إلى صراع طويل من أجل الاعتراف والعدالة وحماية الحقيقة التاريخية من الإنكار.

بالنسبة إلى الأرمن في الداخل والشتات، لا تمثل هذه الذكرى مجرد استحضار لماضٍ بعيد، بل تأكيدًا متجددًا على أن الذاكرة نفسها أصبحت شكلًا من أشكال المقاومة في مواجهة النسيان.

وتعود الإبادة الأرمنية إلى 1915-1916 خلال السنوات الأخيرة من السلطنة العثمانية، وتختلف التقديرات بشأن عدد الضحايا، فبينما يُستحضر رقم 1.5 مليون على نطاق واسع في الخطاب التذكاري والسياسي، يقدّر متحف ذكرى الهولوكوست الأمريكي عدد القتلى بما لا يقل عن 664 ألفًا وربما يصل إلى 1.2 مليون، من أصل نحو 1.5 مليون أرمني كانوا يعيشون في الدولة العثمانية عام 1915.

وتجمع المصادر التاريخية الأساسية على أن ما جرى شمل الترحيل القسري، والقتل الجماعي، ومسيرات الموت، والتجويع، والتدمير المنهجي للبنية الاجتماعية والثقافية الأرمنية.

جدل الاعتراف بالإبادة

تكتسب الذكرى هذا العام بعدًا إضافيًا في ظل استمرار الجدل السياسي والقانوني الدولي حول مسألة الاعتراف، فالبرلمان الأوروبي جدّد في 2015، بمناسبة الذكرى المئوية، تأكيده على توصيف الإبادة الأرمنية ودعا تركيا إلى الاعتراف بها، كما ذكّر بأن البرلمان كان قد أصدر موقفًا مبكرًا بهذا الشأن في 1987.

ويعكس ذلك أن القضية لم تعد محصورة في الذاكرة التاريخية للأرمن فقط، بل أصبحت جزءًا من النقاش الأوسع حول العدالة الانتقالية، ومنع الإبادة الجماعية، ومكافحة سياسات الإنكار.

وفي هذا السياق، تبرز مواقف أرمنية وإعلامية تؤكد أن استحضار الذكرى ليس فعل حداد فحسب، بل مطالبة مستمرة باعتراف دولي كامل ينظر إلى الإبادة بوصفها جريمة ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم الأخلاقي.

ويشدد ناشطون وممثلون للجاليات الأرمنية على أن الاعتراف ليس مسألة رمزية فقط، بل خطوة ضرورية لترسيخ مبدأ المحاسبة التاريخية ومنع تكرار الجرائم الجماعية ضد الشعوب.

ويذهب هؤلاء إلى أن استمرار الإنكار لا يطيل عمر الخلاف السياسي فقط، بل يضاعف أيضًا الجرح الإنساني ويمنع اكتمال أي مصالحة حقيقية مع الماضي.

تطور مفهوم “الإبادة”

كما تحضر في هذه المناسبة إشارة متكررة إلى أن الإبادة الأرمنية كانت من الأحداث المؤسسة لتطور مفهوم “الإبادة الجماعية” نفسه في القانون الدولي لاحقًا، فالمسار الذي قاد بعد الحرب العالمية الثانية إلى تبني اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها كان متأثرًا، ضمن ما تأثر، بالصدمة التي خلّفتها الجرائم الجماعية في مطلع القرن العشرين، ومنها ما حلّ بالأرمن.

ولهذا، يرى كثير من الباحثين أن التذكير بهذه الذكرى لا يخص شعبًا واحدًا فقط، بل يخص النظام الأخلاقي والقانوني الدولي كله.

وفي المقابل، لا تزال تركيا ترفض توصيف ما حدث على أنه إبادة جماعية، وتقول إن أعداد الضحايا مبالغ فيها وإن من سقطوا كانوا ضحايا ظروف حرب واضطرابات أهلية، إلا أن غالبية المؤرخين المتخصصين والمؤسسات الأكاديمية والحقوقية التي تناولت الملف تميل إلى اعتبار ما جرى حملة منهجية من الترحيل والقتل والاستئصال استهدفت الأرمن بصفتهم جماعة دينية وإثنية.

وتبقي هذه الفجوة بين الذاكرة الأرمنية والموقف التركي القضية مفتوحة سياسيًا وأخلاقيًا حتى اليوم.

الاعتراف جزء من العدالة

على المستوى الحقوقي والتوثيقي، تتعامل مؤسسات دولية مع ما جرى للأرمن بوصفه واحدة من أوائل الإبادات الجماعية الحديثة، وتربط بين الاعتراف بها وبين منع تكرار الجرائم الجماعية، فمتحف ذكرى الهولوكوست الأمريكي يؤكد أن السلطات العثمانية عملت بصورة منهجية على القضاء على الوجود الأرمني في الأناضول.

فيما أعادت الرابطة الدولية لعلماء الإبادة الجماعية التأكيد على أن مجازر 1915 ضد الأرمن تندرج قانونيًا ضمن جريمة الإبادة الجماعية وفق اتفاقية الأمم المتحدة، كما أدانت إنكار هذه الجريمة.

وتلتقي هذه المواقف عند فكرة أساسية مفادها أن الاعتراف التاريخي ليس مجرد إحياء للذكرى، بل جزء من العدالة والوقاية من تكرار الفظائع الجماعية.

الموقف التركي

من جانبها، تتمسك تركيا، برفض توصيف أحداث 1915 على أنها إبادة جماعية، معتبرة أن التصريحات الصادرة عن بعض الدول لا تستند إلى أساس تاريخي أو قانوني.

وأكدت في بيان لها أن تفسير تلك الأحداث يجب أن يتم في إطار “ذاكرة عادلة” تراعي معاناة جميع مكونات الدولة العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى.

وجدّدت أنقرة دعوتها إلى تشكيل لجنة تاريخية مشتركة مع أرمينيا لبحث الملف استنادًا إلى الوثائق والأرشيفات.

تذكير بالعدالة

تأتي الذكرى الـ111 هذا العام لا بوصفها وقفة تأبينية للضحايا فقط، بل كتذكير للعالم بأن العدالة التاريخية قد تتأخر طويلًا، لكنها لا تفقد مشروعيتها.

وبينما يواصل الأرمن في أنحاء العالم إحياء هذه الذاكرة، يبقى السؤال قائمًا: هل يستطيع المجتمع الدولي الاكتفاء بالتذكر، أم أن الوفاء الحقيقي للضحايا يبدأ من الاعتراف الصريح، ومقاومة الإنكار، وتحويل الذاكرة إلى ضمانة أخلاقية ضد تكرار المأساة؟

Picture of عبدالرحيم الليثي
عبدالرحيم الليثي
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية