يواصل المؤرخ والحقوقي المغربي المعطي منجب العيش تحت وطأة قيود قانونية وإدارية متشابكة، رغم العفو الملكي الذي شمله في 2024، في قضية تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أكثر الملفات إثارة للجدل في المغرب عند تقاطع القضاء وحقوق الإنسان والعلاقات المغربية الفرنسية.
ومنذ عام 2020، يواجه منجب منعاً متكرراً من السفر، كان آخره في 30 مارس الماضي حين مُنع من الصعود إلى طائرة كانت ستقله إلى باريس، حيث كان من المنتظر أن يشارك في أنشطة أكاديمية بجامعة بانتيون-السوربون 1، بحسب ما ذكرت قناة “فرانس 24”.
ولم تتوقف القيود عند حرية التنقل، بل امتدت إلى حياته المهنية والمالية، بعد توقيفه عن عمله الجامعي في الرباط، وحرمانه من راتبه، وتجميد حسابه البنكي، وصدور قرار بمصادرة ممتلكاته، وإن لم يُنفذ بعد.
المساس بأمن الدولة
وتعود جذور القضية إلى سنوات سابقة، غير أنها دخلت مرحلة أكثر تعقيداً منذ 2021، عندما صدر بحق منجب حكم بالسجن سنة واحدة في قضية مرتبطة، بحسب السلطات، بتلقي تمويل أجنبي والمساس بأمن الدولة والاحتيال، على خلفية إدارته لمركز للتكوين في الصحافة الاستقصائية.
غير أنه لم يقضِ سوى نحو ثلاثة أشهر، قبل أن يخرج من السجن بعد إضراب عن الطعام استمر 20 يوماً، وسط ضغوط حقوقية دولية.
وفي الوقت نفسه، ظل ملف آخر يتعلق بتهم غسل الأموال مفتوحاً من دون حسم نهائي، وهو ما يستخدمه دفاعه لتفسير استمرار المنع من السفر والقيود المالية، رغم صدور العفو الملكي لاحقاً.
وكانت هيومن رايتس ووتش قد وثقت الحكم الصادر بحقه والقيود اللاحقة، معتبرة أن قضيته تندرج ضمن نمط أوسع من ملاحقة الأصوات الناقدة في المغرب.
حملات تشهير ممنهجة
يقول مقربون من منجب ومحامون وحقوقيون إن ما يواجهه يتجاوز مجرد المسار القضائي إلى ما يشبه “موتاً اجتماعياً”، حيث يجد نفسه معزولاً مهنياً ومالياً، ومحاصرًا بعراقيل إدارية متكررة، في وضع يصفه هو نفسه بأنه أقرب إلى “سجن مفتوح”.
ويربط هؤلاء هذا المسار بنشاطه الطويل في الدفاع عن حقوق الإنسان، وبكتاباته التي تناولت بنية السلطة في المغرب منذ تسعينيات القرن الماضي، وهي كتابات أدت سابقاً إلى توتر علاقته بالسلطات، حيث تم اعتقاله في 1995 قبل أن يُطلق سراحه تحت ضغط حقوقي وإعلامي.
وترى منظمات حقوقية أن منجب تعرض، إلى جانب متابعاته القضائية، إلى حملات تشهير ممنهجة استهدفت سمعته وحياته الخاصة.
وذهبت هيومن رايتس ووتش إلى أن السلطات المغربية استخدمت، في قضايا عدد من المنتقدين، أساليب غير مباشرة لإسكاتهم، منها التشهير والقيود القضائية والمالية، وذكرت منجب بالاسم ضمن هذه الحالات.
إطار قضائي طبيعي
في المقابل، ترفض أصوات قانونية هذا التوصيف، وتعد ما يجري لا يخرج عن الإطار القضائي الطبيعي، وترى المحامية مريم جمال الإدريسي أن وصف منع منجب من السفر بالتعسفي يفتقر إلى الأساس القانوني؛ لأن إجراءات البحث والتحقيق مشمولة بسرية قانونية، ولأن غياب طلبات واضحة لرفع تدابير المراقبة القضائية أمام الجهات المختصة يجعل كثيراً من الاحتجاجات، في نظرها، غير مؤسسة قانوناً.
وتؤكد أن التهم الموجهة إليه تدخل ضمن سلطة الملاءمة التي تمارسها النيابة العامة، وأن ذلك لا يمس بقرينة البراءة ولا يعني بالضرورة وجود خلفية سياسية.
وضمن هذا المنطق، يُقدَّم استمرار المتابعات على أنه نتيجة طبيعية لتعدد الملفات واختلاف مراحلها القضائية، لا تعبيراً عن تجاهل للعفو الملكي أو التفاف عليه.
يحمل الجنسية الفرنسية
وتتخذ القضية بعداً دولياً إضافياً؛ لأن منجب يحمل الجنسية الفرنسية منذ عام 1991، وهو ما أثار تساؤلات حول الموقف الفرنسي من ملفه، ففي وقت أظهرت فيه باريس دعماً سياسياً وإعلامياً واضحاً في ملفات أخرى تخص كتاباً ومثقفين مزدوجي الجنسية، مثل الكاتب الجزائري بوعلام صنصال، بدا تعاملها مع قضية منجب أكثر تحفظاً.
وقد انتقد مثقفون وحقوقيون هذا التباين، معتبرين أنه يعكس ازدواجية في المعايير تحكمها الاعتبارات الجيوسياسية أكثر مما تحكمها مبادئ حماية المواطنين أو الدفاع عن حرية التعبير.
وبحسب هذا الطرح، فإن حساسية العلاقة الاستراتيجية بين باريس والرباط قد تكون أحد أسباب الحذر الفرنسي في التعاطي العلني مع قضية منجب، مقارنة بملفات أخرى كانت كلفتها السياسية أقل.
