منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

من بريكست إلى سويسرا.. كيف تحولت وعود الحد من الهجرة إلى أزمات اقتصادية وإنسانية متفاقمة؟

01 يونيو 2026
الهجرة عبر المانش
الهجرة عبر المانش

لم يكن تصويت البريطانيين لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي عام 2016 مجرد تحول سياسي في علاقة لندن ببروكسل، بل شكّل نقطة مفصلية في مسار سياسات الهجرة الأوروبية بأكملها، فبعد سنوات من رفع شعار “استعادة السيطرة” على الحدود وتقليص أعداد المهاجرين، تجد المملكة المتحدة نفسها اليوم أمام واقع مختلف تماماً، يتمثل في استمرار ارتفاع معدلات الهجرة، وتصاعد الهجرة غير النظامية، وتفاقم نقص العمالة، واتساع الجدل الحقوقي والإنساني بشأن سياسات الردع والترحيل، وفي الوقت الذي تستعد فيه سويسرا للتصويت على مبادرة جديدة للحد من الهجرة، تتزايد التحذيرات من تكرار السيناريو البريطاني في قلب أوروبا.

وذكرت منصة “سويس إنفو” السويسرية أن السويسريين سيصوتون في 14 يونيو المقبل على مبادرة أطلقها حزب الشعب السويسري اليميني المحافظ تحت شعار “لا لسويسرا بعشرة ملايين”، وتهدف إلى منع وصول عدد السكان المقيمين إلى عشرة ملايين نسمة بحلول عام 2050، عبر تشديد سياسات اللجوء ولمّ شمل الأسر، مع إبقاء احتمال إلغاء اتفاقية حرية تنقل الأشخاص مع الاتحاد الأوروبي مطروحاً إذا فشلت الإجراءات الأخرى.

وتعيد هذه المبادرة إلى الأذهان الحملة السياسية التي سبقت بريكست، عندما ركز مؤيدو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على الهجرة باعتبارها تهديداً للهوية الوطنية والخدمات العامة وسوق العمل، ووعدوا بخفض أعداد المهاجرين فور إنهاء حرية التنقل الأوروبية.

بريكست والهجرة

لكن بعد نحو عشر سنوات من الاستفتاء البريطاني، تشير البيانات الرسمية الصادرة عن مكتب الإحصاءات الوطني البريطاني إلى أن صافي الهجرة ظل عند مستويات مرتفعة تاريخيًا، ووفق أحدث الأرقام المنشورة في عام 2025، بلغ صافي الهجرة مئات الآلاف سنويًا رغم تشديد القوانين وإنهاء حرية التنقل مع الاتحاد الأوروبي.

وقال جوناثان بورتس، أستاذ الاقتصاد والسياسات العامة في كلية كينغز كوليدج لندن، في تصريحات نقلتها منصة “سويس إنفو”، إن “بريكست لم يقلص الهجرة، بل غيّر مصادرها فقط”، موضحاً أن تراجع الهجرة الأوروبية قابله ارتفاع كبير في أعداد القادمين من دول خارج الاتحاد الأوروبي.

وتؤكد بيانات مرصد الهجرة بجامعة أوكسفورد أن بريطانيا شهدت منذ 2021 زيادة ملحوظة في أعداد المهاجرين القادمين من الهند والصين ونيجيريا وباكستان، خصوصاً عبر تأشيرات الدراسة والعمل والرعاية الصحية، بينما انخفضت الهجرة الأوروبية بشكل حاد.

ويكشف هذا التحول، بحسب اقتصاديين بريطانيين، عن تناقض أساسي في سياسات الهجرة الحديثة، إذ تحتاج الاقتصادات الأوروبية المتقدمة إلى العمالة الأجنبية بسبب الشيخوخة السكانية ونقص الأيدي العاملة، في الوقت الذي تتصاعد فيه الضغوط السياسية والشعبوية لتقييد الهجرة.

ووفق تقرير لاتحاد الصناعة البريطاني صدر عام 2025، قالت أكثر من 62 بالمئة من الشركات البريطانية إنها تواجه صعوبات حادة في التوظيف بسبب تراجع العمالة الأوروبية بعد بريكست، كما حذرت غرف التجارة البريطانية من أن قطاعات أساسية مثل النقل والزراعة والرعاية الصحية باتت تعتمد بصورة متزايدة على العمالة القادمة من خارج أوروبا لسد النقص المتفاقم.

وأظهرت بيانات هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية أن أكثر من 34 بالمئة من الأطباء الجدد المسجلين خلال 2025 تلقوا تدريبهم خارج المملكة المتحدة، بينما ارتفعت أعداد العاملين الأجانب في قطاع الرعاية الصحية إلى مستويات قياسية.

وفي المقابل، لم تتراجع الهجرة غير النظامية كما وعدت الحكومات البريطانية المتعاقبة، فبحسب وزارة الداخلية البريطانية، تجاوز عدد محاولات عبور بحر المانش بالقوارب الصغيرة منذ عام 2018 أكثر من 200 ألف شخص حتى منتصف عام 2025.

وأشار مرصد الهجرة بجامعة أوكسفورد إلى أن عام 2022 سجل نحو 46 ألف عملية عبور غير نظامية، فيما شهد عام 2025 موجة جديدة قاربت 42 ألف عملية، في وقت أصبحت فيه صور القوارب المكتظة رمزاً للأزمة السياسية والإنسانية المرتبطة بالهجرة في بريطانيا.

كما سجلت طلبات اللجوء مستويات غير مسبوقة، حيث تجاوز عدد طالبي اللجوء 110 آلاف شخص بحلول خريف 2025، مقارنة بمعدلات تراوحت بين 22 ألفاً و46 ألف طلب سنوياً خلال الفترة بين 2004 و2020.

ويرى خبراء أن خروج بريطانيا من اتفاقية دبلن الأوروبية بعد بريكست حدّ من قدرة لندن على إعادة طالبي اللجوء إلى أول دولة أوروبية دخلوها، ما زاد الضغوط على نظام اللجوء البريطاني.

وأكد البرلمان الأوروبي في مذكرة رسمية أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أضعف قدرة المملكة المتحدة على مكافحة الهجرة غير النظامية، بسبب تراجع آليات التعاون الأمني والقانوني مع الدول الأوروبية.

انتقادات حقوقية

وفي خِضَم هذه التطورات، تصاعدت الانتقادات الحقوقية لسياسات الهجرة البريطانية، خاصة بعد طرح مشاريع لترحيل طالبي اللجوء إلى رواندا ودول ثالثة.

وقالت منظمة العفو الدولية إن سياسات الردع البريطانية تنتهك التزامات المملكة المتحدة الدولية تجاه اللاجئين، بينما اعتبرت منظمة هيومن رايتس ووتش أن نقل طالبي اللجوء إلى دول أخرى يمثل تنصلاً من المسؤولية القانونية والإنسانية.

كما أكدت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن الحق في طلب اللجوء حق أساسي تكفله اتفاقية جنيف لعام 1951، محذرة من أن سياسات الردع والترحيل الجماعي قد تدفع اللاجئين إلى مزيد من المخاطر والاستغلال.

وتشير بيانات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن أكثر من 3500 مهاجر لقوا حتفهم أو فُقدوا في البحر المتوسط خلال عام 2024، بينما استمرت الأرقام المرتفعة خلال الأشهر الأولى من 2025 مع تزايد محاولات العبور نحو أوروبا.

وترى منظمات إنسانية، من بينها “أطباء بلا حدود”، أن تشديد القيود القانونية لا يوقف الهجرة بقدر ما يدفع الأشخاص نحو طرق أكثر خطورة ويزيد الاعتماد على شبكات التهريب.

مخاوف في سويسرا

وفي سويسرا، تتصاعد المخاوف من أن يؤدي تقييد حرية التنقل مع الاتحاد الأوروبي إلى نتائج مشابهة لما حدث في بريطانيا.

ووفق بيانات المكتب الفيدرالي للإحصاء في سويسرا لعام 2025، يشكل الأجانب نحو 27 بالمئة من سكان البلاد، وهي واحدة من أعلى النسب في أوروبا. كما يعتمد الاقتصاد السويسري بصورة كبيرة على العمالة الأجنبية، خصوصاً في قطاعات الصحة والبناء والصناعات الهندسية والخدمات.

وقال تشيني ناجي، ممثل اتحاد أرباب العمل السويسري، في تصريحات نقلتها منصة “سويس إنفو”، إن فرض قيود صارمة على الهجرة قد يؤدي إلى “خلق نظام أكثر فوضوية وأقل تنظيماً”، محذراً من زيادة الاعتماد على العمالة المؤقتة أو غير المستقرة لتعويض النقص المتوقع في سوق العمل.

وتتزامن هذه المخاوف مع أزمة ديمغرافية أوسع تواجهها أوروبا، فبحسب المفوضية الأوروبية، سيحتاج الاتحاد الأوروبي إلى ملايين العمال الإضافيين خلال العقود المقبلة للحفاظ على استقرار أنظمة التقاعد والرعاية الصحية وسوق العمل.

كما حذرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تقريرها لعام 2025 من أن تراجع الهجرة قد يفاقم أزمة الشيخوخة السكانية ويؤثر على النمو الاقتصادي في العديد من الدول الأوروبية.

وفي الوقت ذاته، تواصل الأحزاب اليمينية والشعبوية توظيف ملف الهجرة سياسياً، من خلال ربطه بالضغوط الاقتصادية وأزمات الإسكان والجريمة والهوية الوطنية.

وأشار المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية إلى أن تصاعد الخطابات المناهضة للهجرة في أوروبا يعود جزئياً إلى مخاوف اجتماعية حقيقية مرتبطة بتكاليف المعيشة والخدمات العامة، لكنه حذر من أن تبسيط أزمة الهجرة وتحويلها إلى شماعة سياسية قد يؤدي إلى سياسات قصيرة النظر ذات نتائج عكسية.

قيود وحقوق

ويرى باحثون في معهد تشاتام هاوس أن التجربة البريطانية أظهرت حدود قدرة الحكومات على التحكم الكامل في الهجرة، لأن الظاهرة ترتبط بعوامل عالمية معقدة تشمل الحروب والتفاوت الاقتصادي والتغير المناخي والطلب على العمالة.

كما يشير خبراء القانون الدولي إلى أن الدول الأوروبية، رغم حقها في تنظيم حدودها، تبقى ملزمة قانونياً بحماية حقوق اللاجئين واحترام الحق في الحياة الأسرية وعدم الإعادة القسرية.

وأكد مجلس أوروبا، في تقارير حديثة، أن القيود المفرطة على لمّ شمل الأسر قد تنتهك المادة الثامنة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان المتعلقة بحق الحياة الأسرية.

وفي خِضَم هذا الجدل، تبدو أوروبا عالقة بين حاجتها الاقتصادية المتزايدة إلى المهاجرين وضغوط سياسية داخلية تدفع نحو مزيد من التشدد.

وتكشف تجربة بريطانيا بعد بريكست أن تقييد الهجرة لم يؤدِ إلى اختفائها، بل أعاد تشكيلها بطرق جديدة وأكثر تعقيداً، فيما لا تزال القوارب تعبُر بحر المانش، ولا تزال القطاعات الاقتصادية تبحث عن العمالة، ولا تزال المنظمات الحقوقية تحذر من التداعيات الإنسانية لسياسات الردع والإغلاق.

بدأت حرية تنقل الأشخاص بين الاتحاد الأوروبي وسويسرا بموجب اتفاقيات ثنائية دخلت حيز التنفيذ عام 2002، وأصبحت من ركائز العلاقات الاقتصادية بين الجانبين، أما المملكة المتحدة فقد غادرت الاتحاد الأوروبي رسمياً في يناير 2021 بعد استفتاء بريكست الذي جرى عام 2016، وكان ملف الهجرة في صلب الحملة السياسية آنذاك، ومنذ ذلك الحين، تبنت لندن نظام هجرة قائماً على النقاط يسمح باستقدام العمال والطلاب وفق احتياجات الاقتصاد البريطاني، إلا أن البيانات الرسمية وتقارير المنظمات الدولية أظهرت أن تشديد القيود على الهجرة الأوروبية لم يؤدِ إلى انخفاض شامل في أعداد المهاجرين، بل غيّر مصادر الهجرة ورفع الاعتماد على العمالة القادمة من خارج أوروبا، في وقت استمرت فيه تحديات اللجوء والهجرة غير النظامية ونقص العمالة، واليوم تواجه سويسرا نقاشاً مشابهاً يثير تساؤلات واسعة حول مستقبل سياسات الهجرة الأوروبية وإمكانية تحقيق التوازن بين الأمن والاقتصاد وحقوق الإنسان.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية