لم تعد الهجرة في عالم اليوم قرارا فرديا مرتبطا بالطموح المهني أو تحسين مستوى الدخل فحسب، بل أصبحت في كثير من الحالات استجابة إنسانية لضغوط اقتصادية واجتماعية متزايدة، تبدأ من ارتفاع كلفة المعيشة، وتمتد إلى البحث عن الأمان، والرعاية الصحية، والتعليم الجيد، وفرص العمل المستقرة، وبيئة أكثر قدرة على حماية الأسرة.
ويكشف “مؤشر الهجرة لعام 2026” الصادر عن شركة “ريمتلي”، والذي قيّم 82 دولة استنادا إلى 34 مؤشرا، أن اختيار وجهة الهجرة بات يرتبط بمجموعة واسعة من العوامل التي تمس الحقوق الأساسية للإنسان، مثل الحق في السكن اللائق، والعمل الكريم، والرعاية الصحية، والتعليم، والسلامة، والاستقرار الأسري.
وتصدرت سويسرا قائمة أفضل الدول للانتقال إليها في عام 2026، بعد أن جاءت في المركز الثاني في العام السابق، وذلك بفضل ما تتمتع به من مستويات مرتفعة في الدخل، وجودة الرعاية الصحية، والأمان، وتطور البنية التحتية والخدمات العامة.
ومن منظور حقوقي، تعكس هذه المؤشرات أهمية العلاقة بين قوة الاقتصاد وقدرة الدولة على ضمان حقوق المقيمين والمهاجرين، لا سيما في مجالات العمل، والصحة، والسلامة العامة.
فالهجرة إلى دولة توفر دخلا مرتفعا وخدمات عامة مستقرة لا تعني فقط تحسنا ماديا، بل تعني أيضا زيادة فرص العيش بكرامة وتقليل الهشاشة الاجتماعية.
غير أن هذا النموذج يطرح في الوقت نفسه سؤالا مهما حول العدالة في الوصول إلى هذه الوجهات، إذ إن الدول الأعلى تصنيفا غالبا ما تكون أكثر انتقائية في سياسات الهجرة، ما يجعل فرص الاستفادة منها غير متاحة بالتساوي أمام جميع الفئات، خصوصا الفقراء واللاجئين والعمالة منخفضة المهارة.
أوروبا في المراكز الأولى
جاءت آيسلندا في المركز الثاني، ثم لوكسمبورغ ثالثة، وأستراليا رابعة، وألمانيا خامسة، بينما ضمت قائمة العشرة الأوائل أيضا أيرلندا والولايات المتحدة والدنمارك والنرويج وإسبانيا.
وتشير هذه النتائج إلى أن الدول التي تتمتع بنظم حماية اجتماعية قوية، واقتصادات مستقرة، ومستويات أمان مرتفعة، تظل الأكثر جذبا للمهاجرين. كما أن وجود مجتمعات مهاجرة راسخة وبنية خدمية متطورة يسهّل اندماج الوافدين الجدد ويحد من شعورهم بالعزلة أو التهميش.
لكن من زاوية إنسانية، لا يكفي أن تكون الدولة غنية أو آمنة حتى تصبح وجهة عادلة للمهاجرين. فالاختبار الحقيقي يكمن في مدى قدرة السياسات العامة على حماية حقوق الوافدين، ومنع التمييز ضدهم، وضمان حصولهم على الخدمات الأساسية بغض النظر عن الأصل أو اللغة أو الوضع الاجتماعي.
التعليم والرعاية في قلب القرار
في فئة الدول الأكثر ملاءمة للعائلات، جاءت إسبانيا في المركز الأول، استنادا إلى مؤشرات تشمل جودة التعليم، وإجازات الأمومة والأبوة، وتكاليف رعاية الأطفال، وتوافر المدارس الدولية.
ويعكس ذلك أن الهجرة العائلية ليست مجرد انتقال جغرافي، بل عملية إعادة بناء كاملة للحياة اليومية. فالأسرة التي تهاجر تبحث عن مدرسة آمنة لأطفالها، ونظام صحي يمكن الوثوق به، وسكن مستقر، وبيئة اجتماعية تسمح للأطفال بالنمو دون خوف أو تمييز.
وتكشف القائمة أيضا عن تنوع لافت في الدول المتقدمة ضمن هذه الفئة، إذ شملت الصين والولايات المتحدة وسريلانكا والإمارات وأستراليا وبنغلاديش والمملكة المتحدة وآيسلندا وكرواتيا.
وهذا يشير إلى أن معايير ملاءمة العائلات لا ترتبط فقط بمستوى الثراء، بل أيضا بمدى توافر الدعم الاجتماعي والخدمات التعليمية والقدرة على تحمل كلفة الحياة الأسرية.
كلفة المعيشة معيار حاسم
خصص المؤشر جانبًا مهمًا لتوازن كلفة المعيشة، بالنظر إلى القدرة الشرائية، وتكاليف السكن، ومتوسط الإيجار مقارنة بالدخل، وكلفة الطعام خارج المنزل.
وفي هذا التصنيف جاءت السعودية في الصدارة، تلتها بنغلاديش والولايات المتحدة والنرويج والدنمارك وسلطنة عمان وباكستان ولوكسمبورغ وإيرلندا ونيبال.
وتبرز هذه الفئة بُعدا حقوقيا أساسيا، وهو أن ارتفاع الدخل وحده لا يضمن حياة كريمة إذا كانت كلفة السكن والغذاء والخدمات الأساسية تلتهم معظم دخل الأسر؛ فالحق في مستوى معيشي لائق لا يقاس بالأجر فقط، بل بما يتبقى للفرد والأسرة بعد تلبية الاحتياجات الأساسية.
كما أن ارتفاع كلفة السكن في كثير من الدول الكبرى أصبح عائقا أمام الاندماج، خصوصا للمهاجرين الجدد الذين يواجهون تحديات إضافية مثل صعوبة الاعتراف بالمؤهلات، أو ضعف الشبكات الاجتماعية، أو محدودية الوصول إلى فرص العمل المناسبة.
الهجرة ليست امتيازًا للجميع
رغم أن المؤشر يقدم صورة عن الوجهات الأكثر جذبا للمهاجرين، فإن الواقع الإنساني للهجرة أكثر تعقيدا، فهناك فارق كبير بين من يهاجر بحثا عن فرصة أفضل، ومن يضطر إلى الهجرة بسبب الفقر أو النزاع أو الاضطهاد أو تغير المناخ أو غياب الخدمات الأساسية.
وفي حين يستطيع بعض المهاجرين اختيار الدولة التي توفر أعلى دخل وأفضل تعليم، يجد آخرون أنفسهم أمام خيارات محدودة وخطرة، وقد يضطرون إلى طرق غير نظامية تعرضهم للاستغلال أو الاتجار بالبشر أو العمل غير الآمن أو الاحتجاز أو الترحيل.
لذلك، فإن قراءة مؤشرات الهجرة ينبغي ألا تقتصر على ترتيب الدول، بل يجب أن تمتد إلى سؤال أعمق: من يملك حق الاختيار؟ ومن يُدفع إلى الهجرة بلا حماية كافية؟
الحاجة لسياسات أكثر إنسانية
تكشف نتائج المؤشر أن الدول التي تنجح في جذب المهاجرين هي غالبا تلك التي تجمع بين فرص العمل، وجودة الخدمات، والأمان، وتوازن كلفة المعيشة، غير أن بناء سياسة هجرة عادلة يتطلب أكثر من تحسين التصنيفات الدولية.
فالسياسات الإنسانية للهجرة يجب أن تقوم على احترام الكرامة، وتسهيل الاندماج، ومكافحة التمييز، وضمان الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية والعمل اللائق، وحماية الأطفال والنساء والفئات الأكثر هشاشة.
كما ينبغي ألّا يُنظر إلى المهاجرين باعتبارهم عبئا على المجتمعات المضيفة، بل كأفراد يسهمون في الاقتصاد والثقافة والحياة العامة، متى توفرت لهم بيئة قانونية واجتماعية عادلة.
