يثير التوسع العالمي في استخدام الذكاء الاصطناعي داخل العلوم والصناعة مخاوف حقوقية متزايدة من أن يؤدي التفاوت الكبير في القدرات الرقمية بين الدول إلى إنشاء واقع غير متكافئ داخل نظام حظر الأسلحة الكيميائية، حيث تمتلك مجموعة من الدول الأدوات والخبرات اللازمة لفهم التكنولوجيا وتطويرها، بينما تظل دول أخرى في موقع المتلقي للمعايير التي تضعها الأطراف الأكثر تقدماً.
وتضم منظمة حظر الأسلحة الكيميائية 193 دولة طرفاً، إلا أن هذه الدول لا تبدأ من المستوى نفسه في البنية الرقمية، أو الموارد البحثية، أو المختبرات، أو الخبرة في علوم البيانات والذكاء الاصطناعي، وبينما تستطيع بعض الدول الاستثمار في أنظمة متقدمة وفي تدريب متخصص، تواجه دول أخرى تحديات أكثر أساسية في الموارد والبنية المؤسسية.
حساسية الذكاء الاصطناعي
هذه الفجوة تصبح أكثر حساسية إذا أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً متزايداً من إدارة المعلومات أو تحليل البيانات أو التدريب أو دعم عمليات التحقق، ففي هذه الحالة، قد لا يعود الاختلاف بين الدول مسألة تنموية فقط، بل قد يؤثر في قدرتها على المشاركة بصورة متكافئة في تنفيذ الاتفاقية وفهم الأدوات المستخدمة داخل النظام الدولي.
وقد بدأت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية التعامل مع هذا التحدي عبر برامج تدريبية دولية.
ففي يونيو 2025، جمعت ورشة مشتركة بين المنظمة والصين في شنغهاي خبراء وصناع سياسات وممثلين عن الصناعة من 29 دولة طرفاً ومن مختلف المجموعات الإقليمية، وركزت على الاستخدام الآمن والأخلاقي والسلمي للذكاء الاصطناعي في الكيمياء وبناء القدرات ذات الصلة.
الحق في الاستفادة والعدالة
لكن المنظور الحقوقي يفرض الذهاب أبعد من التدريب المتقطع. فالحق في الاستفادة من التقدم العلمي، الذي كرسته المادة 15 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لا يعني فقط السماح للدول باستخدام التكنولوجيا، بل يفرض الاهتمام أيضاً بعدالة توزيع فوائد العلم ومخاطره، وقد أكدت لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في تعليقها العام رقم 25 أن التطور العلمي السريع يطرح تحديات مرتبطة بالتوزيع غير المتكافئ لفوائده ومخاطره.
ومن هنا، فإن بناء القدرات داخل نظام حظر الأسلحة الكيميائية يجب النظر إليه بوصفه جزءاً من العدالة الدولية، لا مجرد مساعدة تقنية اختيارية.
فإذا أصبحت بعض الأدوات الجديدة ضرورية لفهم البيئة الكيميائية الحديثة، فإن ترك مجموعة من الدول دون القدرة على استخدامها أو مراجعتها يمكن أن يؤدي عملياً إلى نظام يعمل بمستويين: دول تملك المعرفة وتشارك في صياغة الأدوات، ودول تعتمد على الآخرين في تفسيرها.
والحل لا يتمثل في توزيع برامج جاهزة أو نقل تكنولوجيا مغلقة، بل في نقل القدرة المؤسسية نفسها؛ أي تدريب الخبراء، وبناء المعرفة المحلية، وتعزيز المختبرات والسلطات الوطنية، وتمكين المؤسسات من تقييم الأدوات بصورة مستقلة.
ومن دون ذلك، قد يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة لتعزيز الأمن الكيميائي إلى عامل جديد يعمّق عدم المساواة بين الدول، ويضعف مبدأ المشاركة المتكافئة الذي تستند إليه المنظومات الدولية متعددة الأطراف.
