منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

شهادات صادمة للمحتجزين

معسكر إيست مونتانا.. حين يصبح البقاء في الاحتجاز أشد قسوة من الترحيل

16 أبريل 2026

يروي المحتجزون في منشأة “إيست مونتانا” بمدينة إل باسو في ولاية تكساس قصصاً مروعة عن سوء المعاملة داخل أكبر معسكر احتجاز للمهاجرين في الولايات المتحدة، حيث تنقل صحيفة “الغارديان” شهادات حية حول تحول المنشأة التي تضم آلاف الأشخاص إلى فضيحة صحية وانتهاك صارخ لحقوق الإنسان.

وتعد المنشأة خطراً بيئياً يفاقم أزمة المناخ بسبب اعتمادها الكلي على مولدات طاقة عملاقة تستهلك كميات هائلة من الوقود وتنفث الانبعاثات في سماء الصحراء، في وقت تبلغ فيه السعة الاستيعابية للمكان 5000 شخص بمعدل إشغال يومي يصل إلى 2505 محتجزين قيدوا في ظروف قاسية بعد تسعة أشهر فقط من التشغيل.

ويصف الشاب الفنزويلي “د” لصحيفة “الغارديان”، كيف كان الغبار يملأ المكان ويسد مجاري التنفس للمحتجزين ويغطي أغطيتهم، مشيراً إلى أن مكيفات الهواء كانت تعمل بأقصى طاقتها باستمرار داخل خيام عملاقة يبلغ طول الواحدة منها مساحة ملعبين لكرة القدم، ما جعل الأجواء باردة لدرجة التجمد رغم دفء الطقس الخارجي، في حين كانت مياه الأمطار تتسرب من الأغطية لتجعل الناس يستيقظون على مراتب مبللة تماماً، وهو ما تسبب في موجات سعال جماعي ومشكلات تنفسية حادة لكل من كان في الزنزانة التي تضم 75 شخصاً.

تؤكد الأستاذة المشاركة في كلية الحقوق بجامعة نبراسكا، دانييل جيفيريس، أن الأثر البيئي والانساني للمنشأة واضح تماماً ولا يحتاج لخبير لإدراكه، حيث يفتقر المكان لأبسط البنى التحتية الأساسية مثل المباني الخرسانية وشبكات المياه السليمة والوحدات الطبية المناسبة، ما يجعل الوجود في مثل هذه الخيام التي تستهلك طاقة هائلة لتدفئتها وتبريدها مقارنة بالمباني التقليدية بمثابة كارثة مناخية وانبعاثات كربونية تسهم في ارتفاع حرارة الكوكب.

كما تستعرض المحامية في مشروع تكساس للحقوق المدنية، شارلوت وايس، الحالة النفسية للمحتجزين الذين يقبعون داخل الخيام لأسابيع دون رؤية الشمس أو استنشاق هواء نقي، واصفة الوضع في حديثها لـ”الغارديان” بأنه “تعذيب نفسي” وشعور بالانحصار والعزلة، وهو ما يدفع الكثيرين منهم لمطالبة قضاة الهجرة بإصدار أوامر ترحيل بحقهم، متنازلين عن طلبات اللجوء وعن البقاء بجوار عائلاتهم في أمريكا، فقط للهرب من فظاعة الظروف التي يواجهونها في هذا المعسكر الصحراوي الموحش.

إهمال طبي

يرصد المراقبون تدهوراً حاداً في الرعاية الصحية داخل المعسكر، حيث يوضح موقع “ناشيونال توداي” الأمريكي أن المنشأة شهدت وفاة ثلاثة محتجزين على الأقل خلال الأشهر الثلاثة الأولى للتشغيل، وهم ضحايا توزعوا بين حالة انتحار، وحالة طوارئ طبية مميتة، وجريمة قتل مزعومة، في حين تسببت ظروف الاحتجاز في أماكن مغلقة ومكتظة في تفشي أمراض معدية خطيرة مثل السل وكوفيد-19 والحصبة التي أصابت أكثر من 100 شخص، وسط اتهامات من المحتجزين بأن الرعاية الطبية مخصصة فقط للحالات الطارئة الخطيرة للغاية، حيث حُرم مريض بالسكري من الأنسولين لمدة أسبوع كامل حتى ساءت حالته بشدة.

وتشرح المديرة القانونية لمنظمة “إستريلا ديل باسو”، إيميلدا ماينارد، في إفادتها لصحيفة “الغارديان”، أن الوضع في المعسكر يشبه “برميل بارود” قابلاً للانفجار في أي لحظة، نتيجة إرهاق الموظفين وتذمرهم الذي يفرغونه في المحتجزين، فضلاً عن وجود ثقوب كبيرة في الخيام تترك الأشخاص عرضة للعوامل الجوية والعواصف الترابية التي تثير جزيئات دقيقة تسبب التهابات تنفسية، حيث شاهدت بنفسها حراس المعسكر يتخلصون من أكياس بلاستيكية مليئة بالرمال التي تراكمت داخل مناطق الاستقبال المغطاة بالخيام.

ينتقد النائب الديمقراطي عن ولاية نيو مكسيكو، غاب فاسكيز، وفقاً لما نقله موقع “ناشيونال توداي”، غياب موارد الصحة النفسية في المعسكر، مؤكداً بعد جولة تفقدية أن الأوضاع “لا تليق بالقيم الأمريكية”، حيث سمع شهادات من المهاجرين بأنهم يُجبرون على مواجهة الموت قبل تلقي الرعاية، مشيراً إلى احتمال وجود حالة وفاة رابعة لم تؤكدها إدارة الهجرة والجمارك بعد، ومطالباً بإغلاق المعسكر فوراً خاصة بعد أن خُفضت طاقته في فترة ما إلى 820 مهاجراً قبل أن تعلن الإدارة عن مقاول جديد لتحديث المنشأة.

تفيد تقارير رسمية صادرة عن مفتشي مكتب المسؤولية المهنية التابع لإدارة الهجرة والجمارك (ICE)، بوجود 49 خللاً وثقوها في شهر فبراير، منها 22 انتهاكاً تتعلق باستخدام القوة والتقييد، بالإضافة إلى قصور في الرعاية الطبية وإجراءات منع الاعتداءات الجنسية، ورغم هذه الأرقام الصادمة، فقد منح التقرير المنشأة تقييماً “مقبولاً”، وهو ما يتناقض مع رواية الزوجة الأمريكية “ت” لصحيفة “الغارديان” عن زوجها “د” الذي فقد 25 رطلاً من وزنه وعاد مصاباً بسعال حاد دام لأسابيع بعد احتجازه شهراً كاملاً في ظروف وصفتها بأنها جردته من كافة حقوقه الإنسانية.

التلوث السام العابر للحدود

يكشف الباحث في منظمة “ببليك سيتيزن”، دوغلاس باستيرناك، عبر تقرير نشرته صحيفة “بوسطن هيرالد”، عن سلسلة من الإخفاقات التي شابت بناء المعسكر، حيث وُجهت اتهامات لثلاث شركات مقاولات فرعية بانتهاكات خطيرة تتعلق بالسلامة أدت لوفاة العامل “هيكتور غونزاليس” الذي سحق تحت مواد متساقطة في يوليو 2025، ومن المثير للجدل أن إحدى هذه الشركات (بيس إنترناشونال) مملوكة لـ “ناثان ألبرز”، وهو متبرع سخي لحملة ترامب وتربط عائلته علاقات وثيقة بعائلة الرئيس، ما يعزز الانتقادات حول إنفاق مليارات الدولارات من أموال دافعي الضرائب على عقود تنتهي بكوارث بشرية.

ويحلل الأستاذ المشارك في كلية ستورم للقانون بجامعة دنفر، وايت ساسمان، المخاطر البيئية الناتجة عن تشغيل المولدات الكهربائية بوصفها مصدراً أساسياً للطاقة، مؤكداً في حديثه لصحيفة “الغارديان” أن هذا الإجراء يعرض الأشخاص لمستويات عالية جداً من تلوث الهواء المحلي بالجسيمات الدقيقة، في حين تشير الأستاذة المشاركة بقسم الهندسة المعمارية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، هولي سامويلسون، إلى أن تدفئة أو تبريد خيمة غير معزولة يستهلك طاقة أكبر بكثير من المباني المشيدة وفق المعايير، ما يحول المعسكر إلى محرك لغازات الاحتباس الحراري.

وتوضح منظمة “إيرث جستس” القانونية البيئية، في تقاريرها المرفقة بـ”الغارديان”، أن قاعدة فورت بليس التي يقع فيها المعسكر ملوثة بمكبات نفايات تاريخية ومواد سامة، حيث رصدت مستويات من الزرنيخ المسرطن في التربة تبلغ 19 ضعفاً للمستوى الآمن الذي حددته وكالة حماية البيئة، وهذه السموم تنتقل عبر الرياح السائدة مباشرة نحو خيام المحتجزين، ومع ذلك تؤكد وزارة الأمن الداخلي وإدارة قاعدة فورت بليس أن الموقع آمن وغير ملوث، وهو ما تنفيه المنظمات الحقوقية التي لم ترصد أي عمليات معالجة حقيقية للتربة الملوثة بالأسبستوس ومكونات البترول.

وتختتم التقارير الحقوقية برصد الآثار البشرية المأساوية العابرة للحدود، حيث ارتفعت رحلات الترحيل الجوية بنسبة 156% في شهر فبراير 2026 لتصل إلى 1630 رحلة، وبين هؤلاء المرحلين لوسيا بيدرو خوان التي رُحلت إلى غواتيمالا دون أن يُسمح لها برؤية زوجها “فرانسيسكو غاسبار” وهو يحتضر داخل معسكر “إيست مونتانا”، ليكون أول ضحية تزهق روحها داخل هذا المرفق، في وقت تستمر فيه إدارة الهجرة والجمارك (ICE) في التوسع وبناء المزيد من مراكز الخيام والمستودعات الضخمة، رغم تحذيرات الأستاذ وايت ساسمان من أن الاندفاع نحو هذه المنشآت مع معرفة آثارها القاتلة هو أمر محبط للغاية ويعكس تجاهلاً تاماً لكرامة الإنسان وحماية البيئة.