غزة- أحمد زقوت
تشهد مخيمات النزوح في قطاع غزة أزمة بيئية وصحية متفاقمة، تتمثل في انتشار القوارض والحشرات بشكل غير مسبوق داخلها، في ظل ظروف إنسانية صعبة ومعقدة يعيشها السكان، إذ لم تعد المعاناة تقتصر على نقص الاحتياجات الأساسية، بل امتدت لتصبح تفاصيل يومية مرهقة يعيشها الناس مع كل صباح؛ فالخوف لا ينتهي عند الاستيقاظ، بل يستمر في تفقد الأغطية، والنظر تحت الأمتعة، والحذر من أي زاوية داخل الخيام.
في مكانٍ يُفترض أن يكون ملاذًا مؤقتا يحفظ الحد الأدنى من الأمان، تحوّلت الأرض ذاتها إلى مصدر قلقٍ وخطرٍ دائم، حيث لم يعد الخوف مقتصرا على ما قد يأتي من الأعلى، بل امتدّ إلى ما يتسلّل من الأسفل، من عوالم خفيّة لا تُرى بالعين، ولا يمكن التنبؤ بها أو السيطرة عليها.
هنا، يصبح كل تفصيل صغير موضع حذر، ويغدو الإحساس بالأمان شيئًا هشًّا يتلاشى أمام واقعٍ يفرض نفسه بصمتٍ وثقلٍ في آنٍ واحد.
تهديدات خفية وكائنات مؤذية
تجلس الفلسطينية مها المدهون على حافة خيمتها التي نُصبت بمخيم إيواء غرب مدينة غزة، في المكان ذاته الذي كان يومًا بيتا دافئا، ولم يبقَ منه اليوم سوى الاسم والذكرى.
تمرّ ساعات النهار عليها مثقلةً بإرهاقٍ شديد، تحت وطأة تفاصيل معيشية قاسية تحوّلت إلى عبء يومي لا يُحتمل بين إعداد الطعام على نارٍ بدائية، وتنظيف الأدوات بإمكانات شحيحة ومواد تنظيف ضعيفة لا تكاد تفي بالغرض في ظل الحصار المفروض على القطاع.
ومع اقتراب الليل، تتبدّل ملامح الحياة داخل المخيم، وتشتدّ حدّة المعاناة بشكلٍ أكبر، كما تصف مها لموقع “صفر”: “تبدأ مرحلة أكثر قسوة من المأساة”.. ففي هذا المشهد الثقيل، لا يعود الخطر محصورًا بما يسقط من السماء عبر القصف وما يخلّفه من دمارٍ وفقدان، بل يتوسع ليأخذ أشكالًا أخرى أكثر قربًا وتهديدًا، تنبع من الأرض نفسها.
تقول مها المدهون “من تحت الركام، وبين الشقوق الضيقة، ومن أرضياتٍ غير مستقرة تبدو في ظاهرها ساكنة، تتسلل كائنات مؤذية وغير متوقعة لتفرض حضورها في تفاصيل الحياة اليومية، حتى أصبحت جزءًا يوميًا من المعاناة”.
وتضيف بغضب: “يتحوّل المكان الذي يُفترض أن يكون ملاذًا مؤقتًا يوفر الحد الأدنى من الأمان إلى فضاءٍ مثقلٍ بالقلق والترقّب، يغيب فيه الإحساس بالاستقرار، وتصبح الطمأنينة حالةً نادرة وعابرة”، مشيرةً إلى أنّ “الفئران تخرج من تحت الخيمة، والحشرات تهاجمنا بقوة، ولم نعد نعرف طعم النوم أو الراحة”.

فقدان الأمان وواقعٌ معيشي قاسٍ
ولم تعد الأكياس وسيلة آمنة لحفظ المؤن، كما لم تعد الأرض مطمئنة، إذ باتت تخفي تحتها ما يفاجئ السكان ويثير القلق.
وفي ظل هذه الظروف، صار كل تفصيل يومي محمّلًا باحتمالات الاشمئزاز والخوف معًا.
الغزاوية ميسون الدنف، تقول لموقع “صفر”: “فتحت كيس الدقيق فوجدت الفئران داخله تتحرك بكثافة، بينما نحن نحاول تخزين الطعام بأي طريقة خوفًا من المجاعة”.
وتروي بحسرة: “خرجت لأجلب ثوبًا أرتديه، فوجدت داخل الكيس قرابة عشرة فئران وُلدت حديثًا، كأنها تتكاثر بيننا”، لافتةً إلى أنّ “الثوب الجديد لابنتي الصغيرة أكلته الفئران، فتحولت فرحة انتظار ارتدائه إلى صدمةٍ على وجهها لا تُنسى”.
وتتابع الدنف: “تكثر حركة الفئران ليلًا، وتنتشر بين فراشنا وفوق أجسادنا، وإذا جاعت قد تهاجمنا وتعضّنا”، مشيرةً إلى أنّ هذا المشهد لم يعد استثنائيًا، بل أصبح واقعًا يوميًا متكررًا يعيشه السكان في ظل الظروف الصعبة.
معاناة لا تتوقف وإثارة الذعر
في مكانٍ آخر من مدينة غزة، في حيّ النصر، تتكرر المأساة ذاتها بأشكالٍ متشابهة، حيث يعيش الفلسطيني علي الكحلوت مع أسرته داخل خيمةٍ وسط ظروفٍ قاسية لا تتيح له لحظة راحة أو نوم هادئ.
وتحوّلت حالة الترقّب والخوف المستمر من انتشار القوارض والحشرات ليل المخيم إلى عبءٍ ثقيل، يغيب معه الإحساس بالسكينة والاستقرار، ليصبح جزءًا يوميًا من معاناة الحياة داخل الخيام.
ويؤكد الكحلوت، في حديثه لموقع “صفر”، أنّ “الحياة في مخيمات النزوح أصبحت جحيمًا مع تزايد انتشار القوارض والذباب والبعوض في محيط الخيام، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة وقدوم فصل الصيف”.
ويشير إلى أنّ تسلّل الفئران إلى أماكن النوم والطعام في ظل غياب وسائل حماية فعّالة جعل الأطفال يعيشون في حالة رعبٍ دائم داخل الخيام، فيما تلجأ العديد من العائلات إلى رفع حاجياتها القليلة فوق بعضها بعضاً، في محاولة بدائية لمنع وصول القوارض وتخفيف خطر الأمراض التي قد تنقلها.
كما يلفت الكحلوت إلى أنّ الذباب والبعوض لا يقلان خطورة، في ظل انتشار المياه العادمة وتراكم النفايات قرب أماكن النزوح في غزة، ما خلق بيئةً مثالية لانتشار الحشرات بشكلٍ مستمر، مبينًا أنّ العائلات باتت غير قادرة على تناول الطعام أو النوم أو حتى الجلوس بهدوء داخل الخيام، نتيجة الانتشار الدائم للحشرات التي تملأ المكان وتزيد من قسوة الحياة اليومية.

عضّات خطيرة قد تؤدي إلى البتر
هذا الواقع لم يعد مجرد مصدر إزعاج، بل تحول إلى خطرٍ مباشر يهدد حياة السكان، خاصة المرضى وكبار السن، النازح باسل الدحنون (47 عامًا)، المصاب بالسكري والفشل الكلوي، تعرّض لعضّة فأر أثناء نومه دون أن يشعر، نتيجة فقدان الإحساس المرتبط بمرضه.
يقول الدحنون لـ“صفر” إنّه استيقظ ليجد قدميه تنزفان، ما استدعى تلقي علاجٍ مستمر خشية حدوث مضاعفات قد تصل إلى بتر القدم، مؤكدًا أنّ البيئة المحيطة بالخيام ملوثة بمياه الصرف الصحي والنفايات والحشرات، ما يضاعف من مخاطر العدوى والمضاعفات الصحية، خصوصًا لدى المرضى وكبار السن والأطفال.
وفي السياق ذاته، تروي انشراح حجاج، وهي مريضة سكري، معاناتها مع القوارض داخل خيام النزوح، قائلة: “نخاف النوم ليلًا، الفئران تمشي فوقنا وبين أغطيتنا وطعامنا”.
وتوضح حجاج، خلال حديثها مع “صفر”، أنّ هذا الواقع يثير مخاوف جدية من تدهور حالتها الصحية، إذ إن أي جرح بسيط قد يقود إلى مضاعفات خطيرة تصل إلى احتمال البتر، مطالبةً بتوفير بيئة نظيفة، وتكثيف حملات رش المبيدات والطعوم السامة، للحد من انتشار القوارض وحماية السكان من المخاطر الصحية المتفاقمة.
أمراض جلدية ومعوية متزايدة
وتستقبل مستشفيات قطاع غزة أعدادا متزايدة من المرضى المصابين بأمراض جلدية ونزلات معوية والتهابات في الجهاز التنفسي، حيث إنّ هذه الظروف تشكّل بيئة مثالية لانتشار الأمراض.
وفي السياق، يوضّح استشاري أمراض الباطنية، الدكتور رامي السلوت، أنّ تدهور البيئة في قطاع غزة، نتيجة تراكم النفايات واختلاطها بمياه الصرف الصحي والملوثات الحيوانية، أسهم بشكل مباشر في انتشار الأمراض الفيروسية، خاصة التهابات الجهاز التنفسي والجهاز الهضمي، إضافة إلى فيروس الكبد الوبائي من النوع “A”.
ويشير السلوت، في حديثه مع “صفر”، إلى أنّ خطورة العدوى تزداد داخل مخيمات النزوح بفعل الاكتظاظ، ومع دخول فصل الشتاء وما يرافقه من انتقال أسرع للأمراض بين السكان، مبينا أنّ الأمراض التنفسية تبدأ بأعراض متشابهة، لكنها قد تتطور إلى مضاعفات خطيرة تشمل التهابات الرئة والشعب الهوائية، وقد تصل أحيانًا إلى إصابات تمسّ الدماغ وتستدعي علاجا مكثفا ورعاية في غرف العناية الحثيثة.
ويلفت السلوت إلى أنّ ضعف المناعة لدى المصابين بالأمراض المزمنة، إضافة إلى شدة البكتيريا والفيروسات في بيئة ملوثة، يزيد من احتمالية حدوث مضاعفات صحية خطيرة، مشددًا على ضرورة الالتزام بالنظافة العامة وتنظيف محيط الخيام والتخلص من الفضلات ومياه الصرف للحد من تفاقم الوضع الصحي.

مخاطر عدوى متصاعدة
بدوره، يؤكد الخبير البيئي سعيد العكلوك أنّ انتشار البراغيث والقمل والبعوض والحشرات في قطاع غزة، ولا سيما داخل مخيمات النزوح، يُعد نتيجة مباشرة لتدهور الأوضاع البيئية والصحية، مشيرًا إلى الانخفاض الحاد في توفر المياه، من نحو 85 لترا للفرد يوميًا قبل الحرب إلى نحو 8 لترات فقط، أدى إلى تراجع كبير في مستويات النظافة الشخصية والعامة، ما خلق بيئة مثالية لتكاثر الحشرات والطفيليات وانتشارها بشكل واسع.
ويضيف العكلوك لـ“صفر” أنّ تفاقم الأزمة يعود أيضًا إلى طبيعة أماكن النزوح المكتظة والخيام المتلاصقة التي تفتقر لأبسط مقومات العزل الصحي، إلى جانب إقامة بعض المخيمات قرب مكبات النفايات ومجاري المياه العادمة، مشددا على أنّ منع إدخال مواد المكافحة مثل المبيدات الخاصة بالحشرات والقوارض فاقم الوضع، في ظل نفاد المخزون المحلي بالكامل.
ويحذّر الخبير من ازدياد مخاطر انتقال الأمراض عبر القوارض والحشرات في بيئة يصفها بالخصبة لانتشار الأوبئة، خاصة مع تراكم الركام والنفايات بكميات هائلة تجاوزت ملايين الأطنان، وغياب حلول فعّالة لإزالتها أو معالجتها.
ويشير العكلوك إلى تغير سلوك القوارض وازدياد جرأتها، حيث سُجلت حالات اقتراب وعضّ داخل الخيام، مرجعًا ذلك إلى تدهور البيئة المحيطة وغياب النظافة ووجود النفايات في أماكن السكن، كما يخلص إلى أنّ استمرار هذا الواقع دون تدخل عاجل يهدد بتفشي أوبئة خطيرة ويضع الصحة العامة في غزة أمام مخاطر متصاعدة.
نقص المبيدات ومواد مكافحة الحشرات
من جانبه، يُرجع المتحدث باسم بلدية غزة، حسني مهنا، انتشار القوارض والحشرات إلى تراكم النفايات، وطفح مياه الصرف الصحي، وتدمير البنية التحتية، وتكدس الركام، ما خلق بيئة مثالية لتكاثرها.
ويؤكد مهنا لـ”صفر” أنّ الوضع البيئي في المدينة بلغ “مرحلة الكارثة”، مع تراكم نحو 350 ألف طن من النفايات، نتيجة تعطل عمليات الجمع ونقص الوقود وتدمير الآليات.
ويحذّر من أنّ هذه النفايات أصبحت بؤرًا للأمراض، في ظل غياب المبيدات ومنع إدخالها، ما يرفع خطر تفشي الأوبئة داخل مناطق النزوح.

