تشهد سوريا خلال المرحلة التي أعقبت سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد في ديسمبر 2024 تصاعداً مقلقاً في حملات الكراهية والتحريض الطائفي ضد أبناء الطائفتين العلوية والدرزية، في ظل تحذيرات متزايدة من الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية من أن استمرار هذا المناخ قد يقوض فرص الاستقرار والعدالة الانتقالية ويهدد السلم الأهلي في بلد أنهكته الحرب لأكثر من ثلاثة عشر عاماً.
وبحسب مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، برزت مؤشرات متزايدة على استهداف مدنيين على أساس الانتماء الطائفي، خاصة في مناطق الساحل السوري التي تضم كثافة سكانية علوية، وأكدت المفوضية في بيانات رسمية أن فرقها وثقت مقتل ما لا يقل عن 111 مدنياً في المرحلة الأولى من التحقيقات المتعلقة بأحداث الساحل خلال مارس 2025، مع الإشارة إلى أن العدد الفعلي للضحايا قد يكون أعلى بكثير بسبب صعوبات التحقق والوصول إلى بعض المناطق داخل سوريا.
تصاعد خطاب الكراهية
خلال الأشهر الأخيرة الماضية، انتشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي حملات منظمة تدعو إلى مقاطعة العلويين والدروز اقتصادياً واجتماعياً، ووفق المواد المتداولة على المنصات الرقمية السورية، تضمنت هذه الحملات دعوات لعدم شراء السلع من التجار المنتمين إلى الطائفتين، وعدم تشغيلهم أو تأجير العقارات لهم، إضافة إلى دعوات لعزلهم اجتماعياً ومنع إقامة علاقات طبيعية معهم داخل المجتمع.
واعتبرت منظمات سورية معنية بحقوق الإنسان، بينها المركز السوري للإعلام وحرية التعبير ومنظمات مجتمع مدني محلية، أن هذه الحملات تمثل شكلاً من أشكال التمييز الممنهج الذي يتعارض مع المبادئ الأساسية للمواطنة والمساواة، ويهدد بإعادة إنتاج الانقسامات الطائفية التي غذت سنوات النزاع المسلح في سوريا.
منصات التواصل أداة للتحريض
أشارت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقاريرها المتعلقة بسوريا إلى أن خطاب الكراهية المنتشر عبر الفضاء الرقمي يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه مرحلة ما بعد النزاع، خاصة عندما يتحول إلى دعوات مباشرة للعنف أو الإقصاء، كما حذرت المنظمة من أن الإفلات من المساءلة عن خطاب التحريض قد يسهم في ترسيخ مناخ يسمح بوقوع انتهاكات أوسع ضد الأقليات الدينية والمذهبية.
ويرى خبراء الأمم المتحدة المعنيون بحرية الدين والمعتقد ومناهضة التمييز العنصري أن التحريض القائم على الهوية الدينية أو الطائفية يشكل بيئة خصبة لارتكاب انتهاكات جسيمة، خصوصاً في المجتمعات الخارجة من النزاعات المسلحة، حيث تكون الثقة بين المكونات الاجتماعية قد تعرضت لتآكل كبير.
العنف ضد العلويين
برزت الطائفة العلوية باعتبارها الأكثر تأثراً بأحداث العنف التي شهدتها مناطق الساحل السوري خلال عام 2025، وذكرت منظمة هيومن رايتس ووتش أن التحقيقات الأولية التي أجرتها أظهرت وقوع عمليات قتل خارج نطاق القانون وإعدامات ميدانية وأعمال نهب استهدفت مدنيين في عدد من القرى والبلدات ذات الغالبية العلوية.
كما وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل ما لا يقل عن 803 أشخاص خلال الفترة الممتدة بين السادس والعاشر من مارس 2025 في محافظات اللاذقية وطرطوس وحماة وحمص، بينهم نساء وأطفال وعاملون في القطاع الصحي، وأكدت الشبكة أن جزءاً كبيراً من الضحايا كانوا من المدنيين الذين لم يشاركوا في الأعمال القتالية.
وفي تحقيق موسع نشرته وكالة رويترز في يونيو 2025، تم توثيق مقتل نحو 1479 شخصاً من أبناء الطائفة العلوية في عشرات المواقع المختلفة خلال أعمال العنف التي شهدتها منطقة الساحل السوري في مارس من العام نفسه. واستند التحقيق إلى مقابلات ميدانية وصور أقمار صناعية وشهادات ناجين وأقارب ضحايا.
استهداف النساء والفتيات
أحد أكثر الجوانب إثارة للقلق تمثل في التقارير المتعلقة بالنساء والفتيات العلويات، ففي يوليو 2025 أعرب خبراء الأمم المتحدة المستقلون المعنيون بحقوق الإنسان عن قلقهم من تزايد التقارير المرتبطة بحالات اختفاء واختطاف نساء وفتيات من الطائفة العلوية داخل سوريا.
وأوضح الخبراء الأمميون أنهم تلقوا معلومات موثقة عن 38 حالة اختطاف واختفاء لنساء وفتيات تتراوح أعمارهن بين ثلاث سنوات وأربعين عاماً منذ مارس 2025، ودعوا السلطات السورية إلى إجراء تحقيقات فورية وشفافة وكشف مصير المفقودات وضمان محاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات محتملة.
الدروز ومخاوف التهميش
ورغم أن الدروز لم يتعرضوا لمستويات العنف نفسها التي شهدتها بعض مناطق الساحل، فإن منظمات حقوقية سورية ودولية حذرت من تنامي خطاب التحريض ضدهم عبر المنصات الرقمية، وذكرت تقارير صادرة عن منظمات مجتمع مدني سورية أن بعض الحملات وضعت العلويين والدروز ضمن خطاب إقصائي واحد يدعو إلى عزلهم اجتماعياً واقتصادياً.
كما شهدت محافظة السويداء خلال عامي 2024 و2025 توترات أمنية وسياسية متكررة، الأمر الذي عزز المخاوف لدى قطاعات واسعة من السكان من إمكانية تعرض المحافظة لمزيد من الضغوط أو الاستهداف في ظل هشاشة الوضع الأمني والسياسي على المستوى الوطني.
الأثر الإنساني للأزمة
وفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، لا يزال نحو 16.5 مليون شخص داخل سوريا بحاجة إلى مساعدات إنسانية خلال عام 2025، وهو أعلى رقم يسجل منذ بداية النزاع السوري، وترى الأمم المتحدة أن أي تصعيد للعنف الطائفي أو حملات الكراهية من شأنه أن يفاقم معاناة السكان ويؤثر في فرص عودة النازحين واللاجئين.
كما تشير بيانات الأمم المتحدة إلى عودة مئات الآلاف من السوريين إلى مناطقهم منذ أواخر عام 2024، إلا أن استمرار المخاوف الأمنية ووجود انتهاكات قائمة على الهوية الدينية أو المذهبية يهددان استدامة هذه العودة ويزيدان من احتمالات النزوح المتجدد.
مواقف المنظمات الدولية
شددت منظمة العفو الدولية على أن حماية المدنيين يجب أن تكون أولوية مطلقة خلال المرحلة الانتقالية في سوريا، وأكدت المنظمة أن السلطات السورية تتحمل مسؤولية قانونية مباشرة في منع أعمال الانتقام الجماعي وضمان عدم استهداف أي جماعة على أساس انتمائها الديني أو الطائفي.
من جهتها، دعت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا التابعة للأمم المتحدة إلى إجراء تحقيقات مستقلة وشفافة في جميع الانتهاكات المرتكبة خلال عام 2025، مع ضرورة محاسبة جميع المسؤولين عنها بصرف النظر عن انتماءاتهم أو مواقعهم.
الإطار القانوني
ينص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في مادته العشرين على حظر أي دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضاً على التمييز أو العداء أو العنف، كما تؤكد الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري التزام الدول بمنع التحريض على الكراهية واتخاذ التدابير اللازمة لمكافحته.
وتؤكد الأمم المتحدة أن التحريض المنهجي ضد جماعة دينية أو مذهبية، عندما يقترن بالدعوة إلى الإقصاء أو العنف أو الحرمان من الحقوق الأساسية، قد يشكل انتهاكاً خطيراً للالتزامات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.
تحديات العدالة الانتقالية
يرى خبراء مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن نجاح المرحلة الانتقالية في سوريا يعتمد إلى حد كبير على قدرة الدولة ومؤسساتها على ترسيخ مبدأ المساواة أمام القانون ومنع الانتقام الجماعي، وتؤكد المفوضية أن تحميل جماعات دينية أو مذهبية بأكملها مسؤولية أفعال أفراد أو سلطات سابقة يمثل خطراً كبيراً على مستقبل التعايش والاستقرار.
كما تشدد الشبكة السورية لحقوق الإنسان ولجنة التحقيق الدولية المستقلة على أن تحقيق العدالة للضحايا يجب أن يتم من خلال آليات قانونية ومؤسساتية قائمة على المحاسبة الفردية، لا عبر ممارسات جماعية قائمة على الهوية والانتماء.
يشكل العلويون والدروز اثنتين من أبرز الأقليات الدينية في سوريا، ويتمركز العلويون بصورة رئيسية في محافظتي اللاذقية وطرطوس وأجزاء من حمص وحماة، في حين يتركز الدروز في محافظة السويداء جنوب البلاد، ومنذ اندلاع النزاع السوري عام 2011، شهدت البلاد مستويات مرتفعة من الاستقطاب السياسي والطائفي، تفاقمت بفعل الحرب والانقسامات المسلحة والتدخلات الخارجية، ومع دخول سوريا مرحلة جديدة بعد ديسمبر 2024، باتت قضية حماية الأقليات ومواجهة خطاب الكراهية أحد أهم الاختبارات التي ستحدد قدرة البلاد على الانتقال من مرحلة الصراع إلى مرحلة الاستقرار وبناء دولة تقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان.

