منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

وسط تحذيرات أممية من جرائم حرب

بين الاختطاف والنزوح والإعدام الميداني.. انتهاكات متصاعدة بحق الدروز في سوريا

02 يونيو 2026
حارس أمني في أحد سجون سوريا - أرشيف
حارس أمني في أحد سجون سوريا - أرشيف

داخل زنزانة مكتظة في سجن عدرا المركزي قرب دمشق، بدأ عشرات المعتقلين من أبناء الطائفة الدرزية في سوريا إضراباً مفتوحاً عن الطعام، بعد شهور طويلة من الاحتجاز وسوء المعاملة وتدهور أوضاعهم الصحية، وبحسب ما أكده المرصد السوري لحقوق الإنسان، فإن المعتقلين، الذين اختُطف عدد كبير منهم خلال أحداث العنف التي شهدتها محافظة السويداء في يوليو 2025، لجأوا إلى ما وصفوه بـ”معركة الأمعاء الخاوية” بعد انسداد كل محاولات تحسين ظروف احتجازهم أو الكشف عن مصيرهم القانوني.

وقالت مصادر المرصد السوري لحقوق الإنسان إن المعتقلين يعانون نقصاً حاداً في الرعاية الطبية والغذاء، إضافة إلى تدهور نفسي وجسدي متواصل نتيجة الاحتجاز الطويل والعزل وغياب أي أفق للحل، مؤكدة أن بعضهم يعاني أمراضاً مزمنة وإصابات لم تتلقَ العلاج اللازم، وأشار المرصد إلى أن الإضراب جاء احتجاجاً على ما وصفه المحتجزون بالمعاملة القاسية والظروف غير الإنسانية داخل السجن.

لكن أزمة معتقلي السويداء ليست سوى صورة مصغرة عن واقع أوسع وأكثر تعقيداً تعيشه الطائفة الدرزية في سوريا خلال المرحلة الحالية، في ظل تصاعد أعمال العنف والانتهاكات والانقسام المسلح والانهيار الإنساني في الجنوب السوري، وسط تحذيرات أممية وحقوقية متزايدة من تحول المنطقة إلى بؤرة صراع طائفي مفتوح.

حصيلة ثقيلة من القتلى والنزوح

وكشفت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا التابعة للأمم المتحدة، في تقرير صدر في جنيف خلال 2025، أن أعمال العنف التي شهدتها محافظة السويداء منذ يوليو الماضي أسفرت عن مقتل أكثر من 1700 شخص، بينهم مدنيون ومقاتلون وعاملون في المجال الإنساني، إضافة إلى نزوح ما يقرب من 200 ألف شخص من منازلهم.

وأكدت اللجنة الأممية أن قرى وبلدات ذات غالبية درزية تعرضت لهجمات واسعة شملت عمليات قتل ميداني وحرق منازل ونهب ممتلكات واعتقالات تعسفية وإخفاءً قسرياً، مضيفة أن بعض الانتهاكات قد يرقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وفق القانون الدولي.

وقالت اللجنة الدولية المستقلة إن فرقها وثّقت شهادات لمدنيين تعرضوا للاستهداف على أساس هويتهم الطائفية، مشيرة إلى أن عدداً من الرجال الدروز جرى فصلهم عن عائلاتهم وإعدامهم ميدانياً خلال اقتحام بعض القرى في ريف السويداء.

إعدامات وتعذيب وإخفاء قسري

من جهتها، أعلنت منظمة العفو الدولية في تقرير نشرته خلال 2025 أنها وثقت عمليات قتل خارج نطاق القانون نفذتها قوات مرتبطة بالسلطات السورية ومجموعات مسلحة حليفة بحق مدنيين من الطائفة الدرزية، وقالت المنظمة إن باحثيها جمعوا شهادات مباشرة وصوراً ومقاطع مصورة توثق مقتل 46 مدنياً درزياً، بينهم نساء وكبار سن، داخل منازلهم أو في مراكز مدنية.

وأضافت منظمة العفو الدولية أن بعض الضحايا تعرضوا للتعذيب أو الإهانة قبل قتلهم، فيما تحدث شهود عن إطلاق عبارات ذات طابع طائفي أثناء تنفيذ الانتهاكات، وأكدت المنظمة أن استمرار الإفلات من العقاب في سوريا أسهم في تصاعد الجرائم والانتهاكات بحق الأقليات الدينية.

كما قالت الشبكة السورية لحقوق الإنسان إن محافظة السويداء شهدت خلال الأشهر الماضية تصاعداً كبيراً في حالات الاختطاف والإخفاء القسري والاحتجاز التعسفي، مشيرة إلى توثيق عشرات الحالات التي لا يزال مصير أصحابها مجهولاً حتى الآن.

صفقات تبادل لا توقف النزيف

وفي محاولة لاحتواء التوتر، شهدت السويداء في 26 فبراير 2025 عملية تبادل للأسرى والمحتجزين بين قوات الحكومة الانتقالية والحرس الوطني المحلي، بإشراف مباشر من اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وشملت العملية إطلاق سراح 61 مدنياً من أبناء السويداء كانوا محتجزين لدى مجموعات عشائرية، مقابل الإفراج عن 30 عنصراً تابعين لقوات الدفاع والداخلية المرتبطة بالحكومة الانتقالية.

وأكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن العملية تمت وفق ترتيبات إنسانية دقيقة عبر حاجز المتونة شمالي المحافظة، في إطار تفاهمات جرت بوساطة أمريكية بين الأطراف المتصارعة، إلا أن منظمات حقوقية سورية اعتبرت أن عمليات التبادل لا تعالج جذور الأزمة المرتبطة بانتشار السلاح والانقسام الأهلي وغياب مؤسسات الدولة.

وقال مركز توثيق الانتهاكات في سوريا إن ملف المختطفين والمفقودين في السويداء لا يزال يشكل أحد أخطر الملفات الإنسانية، خاصة مع استمرار عمليات الاحتجاز خارج الأطر القانونية وغياب أي رقابة قضائية مستقلة.

النساء والأطفال في قلب المأساة

وأعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” أن الأطفال في الجنوب السوري يواجهون أوضاعاً إنسانية متدهورة نتيجة النزوح والعنف وانهيار الخدمات الأساسية، وقالت المنظمة في تقريرها الإنساني الصادر خلال 2025 إن آلاف الأطفال في السويداء حُرموا من التعليم بسبب الاشتباكات وإغلاق المدارس وتحول بعضها إلى مراكز إيواء للنازحين.

وأضافت “يونيسف” أن العائلات النازحة تعاني نقصاً حاداً في المياه النظيفة والرعاية الصحية والخدمات النفسية، فيما تواجه النساء مخاطر متزايدة تتعلق بالعنف والاستغلال وانعدام الأمان.

كما حذّرت هيئة الأمم المتحدة للمرأة من أن النساء في مناطق النزاع السورية أصبحن أكثر عرضة للفقر والعنف وفقدان المعيل، مشيرة إلى أن كثيراً من النساء في السويداء فقدن أزواجهن أو أبناءهن خلال أعمال العنف الأخيرة.

أزمة إنسانية متفاقمة

وأكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” أن سوريا لا تزال تشهد واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، مع وجود أكثر من 16.7 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات إنسانية خلال عام 2025، بينهم ملايين النساء والأطفال.

وأشار المكتب الأممي إلى أن التصعيد في الجنوب السوري أدى إلى تعطيل وصول المساعدات الإنسانية إلى عدد من المناطق، فيما تعاني مراكز الإيواء في السويداء اكتظاظاً شديداً ونقصاً في المواد الغذائية والأدوية والوقود.

كما قالت المنظمة الدولية للهجرة إن موجات العنف الأخيرة في السويداء أدت إلى نزوح أكثر من 128 ألف شخص خلال أسابيع قليلة، بينما لا تزال آلاف العائلات غير قادرة على العودة إلى منازلها بسبب الدمار وانعدام الأمن.

استهداف الأقليات وغياب العدالة

وأكدت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن استهداف المدنيين على أساس طائفي أو ديني يمثل انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي الإنساني، وقالت المفوضية إن جميع الأطراف السورية ملزمة بحماية المدنيين ومنع أعمال الانتقام والقتل خارج القانون.

كما دعت لجنة التحقيق الدولية بشأن سوريا إلى إجراء تحقيقات مستقلة وشفافة بشأن الانتهاكات التي شهدتها محافظة السويداء، مشيرة إلى أن غياب المحاسبة خلال سنوات الحرب السورية شجع على تكرار الجرائم والانتهاكات.

وقالت منظمة “هيومن رايتس ووتش” إن استمرار الاعتقالات التعسفية والإخفاء القسري والقتل الميداني في سوريا يعكس فشل السلطات والقوى المسيطرة في احترام التزاماتها القانونية والإنسانية.

بدورها، أكدت اللجنة الدولية للحقوقيين أن الانتهاكات التي تعرض لها مدنيون دروز في السويداء تستوجب تحقيقات جنائية مستقلة، محذرة من أن الإفلات من العقاب يهدد بتوسيع دائرة العنف والانقسام الطائفي.

أدوار تاريخية

وتُعد الطائفة الدرزية واحدة من أقدم المكونات الدينية في سوريا، حيث يتركز وجودها بشكل رئيسي في محافظة السويداء جنوب البلاد، إضافة إلى تجمعات أخرى في ريف دمشق والقنيطرة وإدلب، ولعب الدروز دوراً تاريخياً بارزاً في الحياة السياسية السورية، خصوصاً خلال الثورة السورية الكبرى ضد الانتداب الفرنسي بقيادة سلطان باشا الأطرش عام 1925.

وخلال سنوات الحرب السورية حاولت السويداء الحفاظ على قدر من الحياد النسبي، إلا أن الانهيار الاقتصادي وتراجع سلطة الدولة وانتشار الجماعات المسلحة دفع المحافظة تدريجياً إلى قلب الصراع.

وقالت الأمم المتحدة إن أكثر من 90 بالمئة من السوريين يعيشون حالياً تحت خط الفقر، بينما يعاني نحو 12.9 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي، الأمر الذي فاقم هشاشة المجتمعات المحلية والأقليات الدينية.

ويحذّر باحثون ومنظمات حقوقية من أن استمرار التوترات والانتهاكات في السويداء قد يدفع المنطقة نحو موجة جديدة من العنف الطائفي، خاصة في ظل انتشار السلاح وغياب الحل السياسي الشامل وتفكك مؤسسات الدولة.

مستقبل غامض للسويداء

ومع استمرار أعمال العنف والاحتجاز والنزوح، يعيش أبناء الطائفة الدرزية في السويداء حالة متزايدة من الخوف والقلق بشأن مستقبلهم في سوريا، وتقول منظمات محلية إن كثيراً من العائلات باتت تخشى العودة إلى قراها المدمرة، بينما يواصل آخرون البحث عن أقارب مفقودين أو مختطفين دون أي معلومات مؤكدة عن مصيرهم.

وفي ظل غياب تسوية سياسية شاملة واستمرار الانقسام الأمني والعسكري، تبدو الأزمة الإنسانية في السويداء مرشحة لمزيد من التعقيد، بينما تتزايد الدعوات الدولية لوقف الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها وضمان حماية المدنيين والأقليات الدينية في سوريا.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية