منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

في شمال باكستان.. نساء هونزا يقدن نهضة حضارية وسط الجبال

14 أبريل 2026
اتسع حضور نساء هونزا في المقاهي والمشروعات الصغيرة والأنشطة الرياضية
اتسع حضور نساء هونزا في المقاهي والمشروعات الصغيرة والأنشطة الرياضية

في أقصى شمال باكستان، حيث تمتد جبال قراقرم وتلتقي الطرق القديمة المؤدية إلى الصين وأفغانستان، تبدو هونزا أكثر من مجرد وادٍ جبلي جميل.. هناك، في هذا المكان الصغير نسبيًا، تتشكل حكاية اجتماعية مختلفة داخل بلد لا تزال مشاركة النساء فيه بسوق العمل محدودة مقارنة بكثير من دول المنطقة.

وبين الورش الصغيرة، والمقاهي العائلية، والمساحات التعليمية، وحتى ملاعب كرة القدم، برزت نساء هونزا بوصفهن عنوانًا لتحول هادئ لكنه عميق، يراجع الأدوار التقليدية ويعيد تعريف ما يمكن أن تفعله المرأة في مجتمع ريفي محافظ.

هونزا إداريًا هي مقاطعة ضمن إقليم جيلجت-بلتستان، ومركزها كريم آباد. ووفق بيانات تعداد 2023، بلغ عدد سكان المقاطعة 65,497 نسمة، بينما تظهر وثيقة “جيلجت-بلتستان في لمحة 2023” أن هونزا تمثل نحو 4% من سكان الإقليم.

هذا الحجم السكاني المحدود، مع الطبيعة الجبلية والانفتاح التاريخي على طرق التجارة والتعليم، ساعدا على تكوين بيئة اجتماعية تختلف نسبيًا عن أجزاء واسعة من باكستان الريفية.

نساء في مجالات غير مألوفة

ما يجعل قصة هونزا لافتة ليس فقط ظهور نساء في مجالات غير مألوفة، بل ظهورهن في مهن ارتبطت طويلًا بالرجال، ووثّقت تقارير حديثة وجود ورشة نجارة تقودها امرأة، هي بيبي أمينة، التي قالت إن ورشتها درّبت نحو 100 امرأة منذ 2008 وتوظف 22 شخصًا.

هذه الأرقام تبدو صغيرة على مستوى بلد كامل، لكنها داخل بيئة ريفية وجبلية محافظة تحمل دلالة كبيرة: التغيير هنا ليس شعارًا، بل خبرة مهنية متراكمة ومصدر دخل ملموس.

ولا تقف الحكاية عند النجارة، حيث اتسع حضور النساء في المقاهي والمشروعات الصغيرة والأنشطة الرياضية، ويرتبط ما يحدث في هونزا بمستويات تعليم أعلى نسبيًا من كثير من المناطق الباكستانية، وبوجود قبول اجتماعي أكبر لفكرة عمل المرأة خارج الأنماط التقليدية.

وفي بلد ما زالت فيه النساء يشكلن نسبة محدودة من القوة العاملة، تبدو هونزا كأنها تقدم نموذجًا محليًا مصغرًا عن أثر التعليم والدعم الأسري والانفتاح الثقافي في تغيير المسارات الاجتماعية.

مشاركة النساء في العمل

الصورة الأوسع في باكستان تشرح لماذا تبدو هونزا استثناءً ملهمًا، فبحسب بيانات مكتب الإحصاء الباكستاني، بلغ معدل المشاركة في القوى العاملة على المستوى الوطني 46.3% في مسح القوى العاملة 2024-2025، بينما يوضح المسح نفسه أن مشاركة النساء بقيت أقل بكثير، عند 22.1%، رغم تحسنها مقارنة بموجات سابقة.

وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن مشاركة النساء في العمل في باكستان لا تزال أقل من مستويات بلدان ذات دخل مشابه، وهو ما يجعل أي مساحة محلية تنجح في توسيع حضور النساء اقتصاديًا ذات أهمية خاصة.

ومن هنا تكتسب هونزا رمزيتها، فحين تصبح المرأة نجّارة، أو صاحبة مشروع، أو لاعبة كرة قدم في بيئة جبلية حدودية، فإنها لا تكسر حاجزًا مهنيًا فقط، بل تكسر أيضًا توقعًا اجتماعيًا راسخًا.

أهمية هذا التحول لا تُقاس بعدد الورش أو المقاهي وحدها، بل بما تتركه هذه التجارب من أثر على الفتيات الأصغر سنًا.. اتساع الخيال الممكن، وتراجع الخوف من نظرة المجتمع، ونشوء لغة يومية جديدة ترى في العمل والمهارة والاستقلال أمرًا طبيعيًا لا استثنائيًا.

كما أن موقع هونزا نفسه لعب دورًا غير مباشر في هذا التحول، فالمقاطعة تقع على مسار تاريخي يربط باكستان بالصين عبر طريق قراقرم السريع، وهي جزء من منطقة جيلجت-بلتستان ذات الطابع الحدودي والسياحي والثقافي الخاص، هذا الانفتاح النسبي على الزوار، والتعليم، والسياحة، خلق فرصًا اقتصادية مختلفة عن اقتصاد الريف التقليدي الصرف.

وتشير الدراسات الحديثة عن ريادة النساء في السياحة الجبلية في هونزا، إلى أن مشاركة النساء في الحرف والمقاهي وبيوت الضيافة رفعت ثقتهن بأنفسهن، وعززت حضورهن في اتخاذ القرار داخل الأسرة، وإن ظلت هذه الفرص مرتبطة بعوامل مثل التعليم والدعم العائلي والوصول إلى التمويل.

نساء وسّعن حدود الممكن

ولعل هذا ما يفسر لماذا تبدو هونزا مختلفة داخل المشهد الباكستاني، التغيير فيها ليس صداميًا بالضرورة، بل تدريجياً وتراكمياً، نساء يدخلن السوق عبر مشروع صغير، أو ورشة، أو نشاط سياحي، ثم يتحول الحضور الاقتصادي إلى حضور اجتماعي أوسع.

ومع الوقت، يصبح ما كان “مستحيلًا” أو “غريبًا” جزءًا من الحياة اليومية، وهذا بالضبط ما يجعل قصة هونزا إنسانية بقدر ما هي اجتماعية؛ إنها حكاية نساء وسّعن حدود الممكن داخل بيئتهن، من دون ضجيج كبير، لكن بأثر واضح.

لكن هذه الصورة الملهمة لا تعني أن الطريق صار ممهدًا بالكامل، فالمشهد الوطني في باكستان لا يزال يكشف عن فجوات كبيرة في تعليم النساء، والعمل اللائق، والوصول إلى التمويل، والأمان الاقتصادي.

وتشير بيانات مكتب الإحصاء الباكستاني إلى أن معدل الأمية الوطني ما زال مرتفعًا نسبيًا، وأن نسبة الأطفال خارج المدرسة تبلغ 28% للفئة العمرية بين 5 و16 عامًا، بينما يظل التفاوت بين المناطق قائمًا.

لذلك فإن نجاح هونزا يبدو مهمًا ليس لأنه يختصر واقع النساء في باكستان، بل لأنه يكشف ما يمكن أن يحدث حين تتوافر ثلاثة عناصر معًا: التعليم، والحد الأدنى من القبول الاجتماعي، وفرص اقتصادية قابلة للنمو.