أكدت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالحق في حرية التجمع السلمي وحرية تكوين الجمعيات، جينا روميرو، أن تشيلي أحرزت خطوات مهمة في تعزيز الإطار المؤسسي لحماية حقوق الإنسان، إلا أن تحديات جوهرية لا تزال تعوق الضمان الكامل لحرية التجمع السلمي، خاصة في ظل استمرار تداعيات الاحتجاجات الاجتماعية الواسعة التي شهدتها البلاد بين عامي 2019 و2020، وما رافقها من اتهامات بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان واستخدام مفرط للقوة ضد المتظاهرين.
وأشار التقرير الذي يُعرض أمام الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، والمنعقدة خلال الفترة من 15 يونيو إلى 10 يوليو، إلى أن معالجة إرث الاحتجاجات الاجتماعية لا تزال تمثل اختباراً رئيساً لقدرة الدولة التشيلية على ضمان العدالة والمساءلة وعدم التكرار، مؤكداً أن حرية التجمع السلمي لا يمكن حمايتها بصورة فعالة دون ضمان وصول الضحايا إلى العدالة وتعزيز الثقة في المؤسسات العامة.
ويستند التقرير إلى الزيارة الرسمية التي أجرتها روميرو إلى تشيلي في يوليو 2025، حيث أجرت سلسلة واسعة من اللقاءات مع مسؤولين حكوميين ومؤسسات حقوقية ومنظمات مجتمع مدني وأكاديميين ونقابيين وممثلين عن الشعوب الأصلية وضحايا الانتهاكات وأسرهم، بهدف تقييم واقع حرية التجمع السلمي وحرية تكوين الجمعيات، ودراسة آثار الاحتجاجات الاجتماعية على المنظومة القانونية والمؤسسية في البلاد.
الحوار مع آليات الأمم المتحدة
رغم إشادة المقررة الخاصة بانخراط الحكومة التشيلية في الحوار مع آليات الأمم المتحدة واستقبالها عدداً من المقررين الخاصين خلال السنوات الأخيرة، فإن التقرير يرصد مجموعة من التحديات القانونية والمؤسسية التي ما زالت تؤثر في ممارسة الحق في الاحتجاج والتجمع السلمي، معتبراً أن جزءاً من التشريعات السارية يثير مخاوف تتعلق بمدى توافقها مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
ويولي التقرير اهتماماً خاصاً للنتائج المترتبة على الاحتجاجات الاجتماعية التي اندلعت في أكتوبر 2019، والتي تحولت إلى واحدة من كبريات موجات التعبئة الشعبية في تاريخ البلاد الحديث.
ويرى أن الدولة لم تنجح حتى الآن في بناء رواية وطنية جامعة حول تلك الأحداث، الأمر الذي انعكس على جهود العدالة والإنصاف والمصالحة المجتمعية، كما يشير إلى أن غياب توافق وطني بشأن حقيقة ما جرى يعرقل بناء ضمانات فعالة تحول دون تكرار الانتهاكات مستقبلاً.
بطء العدالة في تشيلي
ومن أبرز ما يثير القلق، بحسب التقرير، بطء مسار العدالة في القضايا المرتبطة بالعنف المؤسسي خلال الاحتجاجات. فحتى أكتوبر 2025 تم تسجيل 11,506 شكاوى تتعلق بانتهاكات وعنف مؤسسي ارتُكبت خلال الفترة الممتدة من 2019 إلى 2024، إلا أن عدد القضايا التي وصلت إلى أحكام نهائية أو إجراءات قضائية حاسمة ظل محدوداً للغاية، ما عزز شعور الضحايا وأسرهم بالإحباط والإفلات من العقاب.
ويلفت التقرير إلى أن العديد من الضحايا وعائلاتهم تحدثوا عن سنوات من الانتظار دون تحقيق تقدم ملموس في ملفاتهم، في ظل ما وصفوه بغياب الاستجابة الكافية من جانب الدولة.
وأشار إلى أن بعض الضحايا تعرضوا للتهديد أو المضايقة أثناء سعيهم لملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات، وهو ما يفاقم مناخ انعدام الثقة في المؤسسات القضائية.
ويرصد التقرير جملة من العقبات داخل منظومة العدالة، من بينها الضغط الكبير على النيابات الإقليمية، ونقص الموارد البشرية والفنية، والتأخير في التحقيقات، إضافة إلى الصعوبات التي واجهتها مؤسسات أساسية مثل مصلحة الطب الشرعي خلال ذروة القضايا المرتبطة بالاحتجاجات، ويرى أن هذه العوامل مجتمعة أسهمت في إبطاء إجراءات المساءلة وأثرت في حق الضحايا في الإنصاف الفعال.
الحق في الاحتجاج السلمي
على الصعيد التشريعي، يثير التقرير تحفظات بشأن عدد من القوانين التي يعدها قد تؤدي إلى تقييد الحق في الاحتجاج السلمي، ومن بين هذه التشريعات ما يعرف بقانون “الفصول الدراسية الآمنة” الذي يسمح بفصل أو تعليق دراسة الطلاب المشاركين في بعض الاحتجاجات داخل المؤسسات التعليمية، وهو ما ترى المقررة الخاصة أنه قد يؤدي إلى تجريم سلوكيات لا ترقى إلى مستوى العنف وفق المعايير الدولية.
وينتقد التقرير قانون “مكافحة المتاريس” الذي يجرم تعطيل حركة المرور أثناء الاحتجاجات، معتبراً أن بعض أشكال تعطيل الحركة لا تمثل في حد ذاتها أعمال عنف، وأن التعامل معها يجب أن يراعي الحق في التجمع السلمي وألا يتحول إلى أداة لتقييد الحراك المجتمعي.
ويخصص التقرير مساحة مهمة للحديث عن قانون “ناين-ريتامال” الذي أُقر عام 2023 وأدخل تعديلات على قوانين جنائية وأمنية مختلفة.
وترى المقررة الخاصة أن بعض أحكام هذا القانون قد تضعف آليات المساءلة عن الانتهاكات التي قد يرتكبها عناصر إنفاذ القانون، وقد تؤدي إلى تعزيز تصورات الإفلات من العقاب لدى الضحايا، خاصة في القضايا المرتبطة بالاحتجاجات الاجتماعية.
خطوات إيجابية في تشيلي
في الوقت نفسه، يعترف التقرير بوجود خطوات إيجابية اتخذتها السلطات التشيلية خلال السنوات الأخيرة، منها تحديث بروتوكولات تعامل قوات “الكارابينيروس” مع الاحتجاجات، وتحسين إجراءات توثيق حالات التوقيف، وتوسيع برامج التدريب على حقوق الإنسان داخل الأجهزة الأمنية، فضلاً عن استحداث وحدات متخصصة للحوار وإدارة التجمعات العامة.
غير أن التقرير يرى أن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، لا تزال غير كافية لتحقيق الإصلاح المؤسسي المطلوب، ويؤكد أن مشروع الإصلاح الشامل لقوات الكارابينيروس الذي طُرح عقب الاحتجاجات، لم يكتمل بعد، وأن الحاجة لا تزال قائمة إلى مراجعات هيكلية أعمق تضمن التوازن بين متطلبات الأمن واحترام الحقوق والحريات الأساسية.
ويعرب التقرير عن قلقه من استمرار بعض الممارسات الأمنية خلال التعامل مع الاحتجاجات، ومنها تدخل جهات متعددة في إدارة التجمعات العامة دون حصولها على التدريب الكافي في مجال حقوق الإنسان، إضافة إلى ورود تقارير عن استخدام القوة بصورة غير متناسبة في بعض التحركات الاحتجاجية، خاصة في المناطق الساحلية وفي المناطق التي تخضع لتدابير أمنية استثنائية.
ويتناول التقرير كذلك استخدام التكنولوجيا وأدوات المراقبة خلال الاحتجاجات، داعياً إلى وضع ضوابط واضحة لاستخدام الطائرات المسيّرة والكاميرات المحمولة وأدوات المراقبة الرقمية، ما يضمن احترام مبادئ الشرعية والضرورة والتناسب وعدم تحويل المراقبة إلى وسيلة لتقييد الحقوق الأساسية أو ردع المشاركة المدنية.
دعوة لتسريع التحقيقات
في جانب التوصيات، يدعو التقرير السلطات التشيلية إلى تسريع التحقيقات المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان المرتبطة بالاحتجاجات، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، وتعزيز استقلال المؤسسات القضائية والرقابية، وتوفير الموارد الكافية لأجهزة التحقيق والطب الشرعي، ما يكفل الوصول إلى الحقيقة والعدالة بصورة فعالة.
ويوصي بإطلاق سياسة عامة شاملة لجبر الضرر وتعويض الضحايا، ترتكز على إطار قانوني واضح وتمويل كافٍ وآليات للمشاركة المجتمعية والمساءلة، إلى جانب إطلاق عملية وطنية للحقيقة والذاكرة الجماعية بشأن أحداث الاحتجاجات الاجتماعية، ما يسهم في تحقيق المصالحة ومنع تكرار الانتهاكات مستقبلاً.
ويخلص التقرير إلى أن حماية حرية التجمع السلمي في تشيلي لا تتوقف عند تعديل القوانين أو تحديث البروتوكولات الأمنية فحسب، بل تتطلب معالجة شاملة للإرث الذي خلفته احتجاجات 2019، وترسيخ ثقافة مؤسسية تقوم على المساءلة والشفافية واحترام حقوق الإنسان.
ويرى أن بناء الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة سيظل رهيناً بقدرة السلطات على تحقيق العدالة للضحايا، وضمان عدم تكرار الانتهاكات، وصون الحق في الاحتجاج السلمي باعتباره إحدى الركائز الأساسية لأي نظام ديمقراطي.
