لم تعد أزمة المحيطات قضية بيئية تخص العلماء أو الدول الساحلية فحسب، بل تحولت إلى واحدة من أكثر القضايا ارتباطاً بمستقبل الإنسان وحقوقه الأساسية، فالمحيط الذي يغطي أكثر من 70 بالمئة من مساحة الأرض ويوفر الغذاء والطاقة وفرص العمل لمليارات البشر، يواجه اليوم ضغوطاً غير مسبوقة نتيجة تغير المناخ والتلوث والصيد الجائر والاستغلال المكثف للموارد البحرية، ومع تسارع مؤشرات التدهور، تتزايد التحذيرات الأممية من أن العالم يقترب من نقطة تحول قد تفضي إلى تداعيات إنسانية واقتصادية وبيئية واسعة النطاق يصعب احتواؤها.
وفي هذا السياق، أكدت الأمم المتحدة خلال مؤتمر الأمم المتحدة للمحيطات المنعقد في مدينة نيس الفرنسية عام 2025 أن العالم بحاجة إلى تسريع الإجراءات الدولية الرامية إلى حماية المحيطات وتنفيذ الهدف الرابع عشر من أهداف التنمية المستدامة المتعلق بالحفاظ على المحيطات والبحار واستخدامها بصورة مستدامة، وشددت الأمم المتحدة على أن حماية المحيط أصبحت شرطاً أساسياً لتحقيق التنمية المستدامة والأمن الغذائي والاستقرار المناخي العالمي.
شريان الحياة على الكوكب
تؤكد الأمم المتحدة أن المحيط يمثل أحد أهم الأنظمة الداعمة للحياة على الأرض. فهو يمتص معظم الحرارة الزائدة الناتجة عن النشاط البشري والانبعاثات الكربونية، ويسهم في تنظيم أنماط الطقس العالمية، كما يدعم سلاسل الإمداد والتجارة الدولية، وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 80 بالمئة من التجارة العالمية تنتقل عبر البحار، في حين تعتمد اقتصادات دول ومجتمعات بأكملها على الموارد البحرية والسياحة الساحلية والنقل البحري.
وتزداد أهمية المحيط بالنسبة للأمن الغذائي العالمي، إذ توفر الموارد البحرية مصدراً رئيساً للبروتين لمليارات البشر، في حين تعتمد مجتمعات ساحلية واسعة في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية على الصيد وتربية الأحياء المائية بوصفها مصدراً رئيسياً للدخل والعيش.
احترار غير مسبوق
تشير الأمم المتحدة ومنظمة الأرصاد الجوية العالمية إلى أن المحيطات تمتص نحو 90 بالمئة من الحرارة الزائدة الناتجة عن الاحتباس الحراري. لكن هذه الوظيفة الحيوية أصبحت سبباً في تعرض المحيطات نفسها لموجات احترار غير مسبوقة، وتشير البيانات الحديثة إلى أن عام 2024 سجل مستويات قياسية في حرارة المحيطات، في حين شهدت مساحات شاسعة من البحار موجات حر بحرية استثنائية أثرت في النظم البيئية البحرية والشعاب المرجانية ومصائد الأسماك.
ويحذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من أن ارتفاع مستويات البحار أصبح “كارثة عالمية”، خصوصاً بالنسبة للدول الجزرية الصغيرة والمجتمعات الساحلية المنخفضة الارتفاع التي تواجه مخاطر متزايدة من الفيضانات والتآكل الساحلي وفقدان الأراضي.
مدن وسكان في مواجهة البحر
بحسب الأمم المتحدة، يعيش نحو 680 مليون شخص في مناطق ساحلية منخفضة الارتفاع، في حين يقطن ما يقرب من ملياري إنسان بالقرب من السواحل. ويعني استمرار ارتفاع مستوى سطح البحر تعرض مئات المدن والمناطق الساحلية لمخاطر متزايدة تشمل الغمر التدريجي للأراضي، وتملح مصادر المياه العذبة، وتضرر البنية التحتية، وتراجع الأراضي الزراعية.
كما تشير المنظمة الدولية للهجرة إلى أن التغيرات المناخية أصبحت أحد المحركات الرئيسة للنزوح البشري، ويتوقع أن تتزايد الهجرات المرتبطة بالمناخ خلال العقود المقبلة مع ارتفاع المخاطر الساحلية وتفاقم الكوارث الطبيعية.
أزمة غذائية تلوح في الأفق
تمثل الثروة السمكية أحد أعمدة الأمن الغذائي العالمي، إلا أن المؤشرات الحديثة تثير مخاوف متزايدة بشأن مستقبلها. وتظهر بيانات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة أن نحو 37.7 بالمئة من المخزونات السمكية العالمية تتعرض للاستغلال المفرط أو الاستنزاف، وهو ما يهدد استدامة الإمدادات الغذائية البحرية مستقبلاً.
كما تقدر الدراسات الدولية أن الصيد غير القانوني وغير المبلغ عنه وغير المنظم يستنزف ما بين 8 و14 مليون طن من الأسماك سنوياً، محققاً عائدات غير مشروعة تصل إلى مليارات الدولارات. ويؤدي ذلك إلى إضعاف المخزونات السمكية وتقويض سبل عيش المجتمعات الساحلية التي تعتمد على الصيد التقليدي.
وتؤكد منظمة الأغذية والزراعة أن استمرار الضغوط المناخية وارتفاع درجات حرارة المياه وتحمض المحيطات قد يؤدي إلى تراجع إنتاجية العديد من المصائد البحرية، خصوصاً في المناطق المدارية والنامية.
التلوث يغزو أعماق البحار
يمثل التلوث البلاستيكي أحد أكثر مظاهر التدهور البحري وضوحاً وخطورة، ويؤكد برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن ما بين 19 و23 مليون طن من النفايات البلاستيكية تتسرب سنوياً إلى الأنهار والبحيرات والبحار والمحيطات، كما يعادل حجم البلاستيك المتدفق إلى النظم المائية يومياً نحو ألفي شاحنة قمامة.
ويشير برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن التلوث البلاستيكي أصبح يؤثر بصورة مباشرة في سبل العيش والأمن الغذائي وصحة الإنسان، كما يهدد التنوع البيولوجي البحري، وتوضح البيانات الأممية أن أكثر من 800 نوع بحري يتضرر من النفايات البلاستيكية، في حين أصبحت الجزيئات البلاستيكية الدقيقة موجودة في المياه والأسماك والكائنات البحرية وحتى داخل أجسام البشر.
وتحذر الأمم المتحدة من أن انبعاثات النفايات البلاستيكية إلى النظم المائية قد تتضاعف ثلاث مرات تقريباً بحلول عام 2040 إذا لم تتخذ إجراءات دولية فعالة للحد من التلوث.
الشعاب المرجانية تختفي
يصف العلماء الشعاب المرجانية بأنها الغابات المطيرة للمحيطات بسبب غناها بالتنوع البيولوجي. غير أن التقييم العالمي للمحيطات يشير إلى تراجع حاد في العديد من النظم المرجانية حول العالم، فقد فقدت منطقة البحر الكاريبي نحو 80 بالمئة من شعابها المرجانية منذ سبعينيات القرن الماضي، في حين تشير التقديرات العلمية إلى أن ما يصل إلى 90 بالمئة من الشعاب المرجانية العالمية قد تتعرض للاندثار إذا تجاوز الاحترار العالمي سقف 1.5 درجة مئوية.
ويهدد هذا التراجع ملايين الكائنات البحرية التي تعتمد على الشعاب المرجانية، كما ينعكس على الأمن الغذائي والسياحة الساحلية والحماية الطبيعية للسواحل من العواصف والأمواج العاتية.
من أزمة بيئية إلى قضية حقوق إنسان
أصبحت العلاقة بين المحيطات وحقوق الإنسان أكثر وضوحاً في السنوات الأخيرة، فمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة والجمعية العامة للأمم المتحدة أكدا أن الحق في بيئة نظيفة وصحية ومستدامة يعد من الحقوق الأساسية للإنسان.
وتشير منظمات حقوقية وبيئية دولية إلى أن تدهور المحيطات لا يعني فقط فقدان أنواع بحرية أو تراجع النظم البيئية، بل يرتبط مباشرة بالحق في الغذاء والحق في المياه النظيفة والحق في الصحة والحق في السكن الآمن والحق في التنمية.
وتحذر منظمات مثلهيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية من أن المجتمعات الفقيرة والسكان الأصليين والدول الجزرية الصغيرة هم الأكثر تعرضاً لتداعيات الأزمة رغم أنهم الأقل إسهاماً في مسبباتها، وهو ما يطرح بقوة مفهوم العدالة المناخية.
القانون الدولي أمام اختبار حاسم
رغم وجود عشرات الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحماية البيئة البحرية، ما تزال الأمم المتحدة ترى أن التنفيذ يمثل الحلقة الأضعف، ولذلك يركز مؤتمر الأمم المتحدة للمحيطات 2025 على تسريع التصديق على اتفاقية أعالي البحار وتعزيز التعاون الدولي لحماية التنوع البيولوجي البحري خارج المياه الإقليمية للدول.
كما تدعو الأمم المتحدة إلى توسيع المناطق البحرية المحمية، وتحسين إدارة المصائد السمكية، وتعزيز الرقابة على التلوث البحري، وتوفير التمويل اللازم للدول النامية لحماية نظمها البيئية الساحلية.
ماذا سيحدث إذا استمر التدهور؟
تشير السيناريوهات العلمية والأممية إلى أن استمرار التدهور بالوتيرة الحالية سيؤدي إلى ارتفاع إضافي في مستويات البحار، وتوسع المناطق البحرية الفقيرة بالأكسجين، وتراجع التنوع البيولوجي، وانخفاض إنتاجية المصائد السمكية، وتزايد موجات الحر البحرية، وارتفاع معدلات النزوح المرتبط بالمناخ.
كما ستتأثر الاقتصادات العالمية بصورة مباشرة، سواء من خلال خسائر قطاع الصيد والسياحة الساحلية أو من خلال زيادة كلفة الكوارث الطبيعية وتضرر البنية التحتية الساحلية. وتؤكد الأمم المتحدة أن التأخر في اتخاذ إجراءات حاسمة اليوم سيجعل كلفة المعالجة مستقبلاً أعلى بكثير، في حين تتضاءل فرص استعادة الأنظمة البيئية المتضررة.
بدأ الاهتمام الدولي المنظم بحماية المحيطات منذ اعتماد اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام 1982، ثم تعزز مع إطلاق أهداف التنمية المستدامة عام 2015، وخاصة الهدف الرابع عشر المتعلق بالحفاظ على المحيطات والبحار. وخلال العقود الماضية كشفت الأبحاث العلمية بصورة متزايدة حجم الضغوط التي تتعرض لها النظم البحرية بسبب النشاط البشري، ومع انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة للمحيطات 2025، ترى الأمم المتحدة أن العقد الحالي يمثل فرصة حاسمة لتجنب سيناريوهات أكثر خطورة، مؤكدة أن صحة المحيط لم تعد قضية بيئية منفصلة، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بالأمن الغذائي العالمي والاستقرار الاقتصادي وحقوق الإنسان ومستقبل التنمية على كوكب الأرض.

