منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

ديفيد سوليفان من بقايا زمن مضى.. لكن الثقافة التي أسهم في نشرها أصبحت اليوم أكثر خطورة

11 يونيو 2026
ديفيد سوليفان من بقايا زمن مضى
ديفيد سوليفان من بقايا زمن مضى

جوان سميث*

كان هناك وقت، ليس ببعيد جداً، كانت فيه أجساد النساء تظهر يومياً في بعض الصحف البريطانية واسعة الانتشار. وكان ذلك جزءاً من ثقافة كاملة تقوم على تجريد النساء من إنسانيتهن واختزالهن في أجساد تُعرض للاستهلاك البصري، مع تقديم فتيات صغيرات السن باعتبار الأمر مجرد مزحة بريئة أو نوعاً من التسلية الخفيفة.

وعندما كانت النسويات يعترضن على هذا الواقع، كان يتم وصفهن بأنهن معاديات للمرح أو مبالغات في الحساسية. ومع ذلك، نجحت الحملة المناهضة لما عُرف لاحقاً باسم “الصفحة الثالثة” في إنهاء هذه الممارسة، لتثبت أن الاعتراض لم يكن ضد الترفيه، بل ضد ثقافة كاملة تقوم على تسليع المرأة.

اليوم، أجد نفسي أفكر في تلك المرحلة كلما عاد اسم ديفيد سوليفان إلى الواجهة. فقد كان أحد أبرز رموز تلك الحقبة، مستفيداً من صناعة قامت على استغلال صورة المرأة وتحويل جسدها إلى سلعة إعلامية مربحة.

لكن المشكلة لا تكمن في شخص سوليفان وحده، فهو اليوم في السابعة والسبعين من عمره ويبدو أقرب إلى بقية زمن انقضى، نسخة بريطانية محدودة التأثير من أباطرة صناعة الإباحية الأمريكيين الذين سيطروا على هذا المجال لعقود طويلة.

المشكلة الحقيقية أن الثقافة التي أسهم في ترسيخها لم تختفِ، بل تطورت إلى أشكال أكثر تعقيداً وخطورة.

في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، كانت الرسالة الأساسية بسيطة ومباشرة: جسد المرأة سلعة يمكن عرضها وبيعها واستهلاكها، أما اليوم فقد انتقلت هذه الفكرة إلى مستوى جديد تماماً عبر المنصات الرقمية ومواقع المحتوى المدفوع.

فما يُقدَّم الآن على بعض المنصات الإلكترونية بوصفه “تمكيناً” أو “حرية اختيار” لا يختلف كثيراً، في جوهره، عن النموذج القديم الذي وعد الشابات بالشهرة والثروة مقابل استعراض أجسادهن.

أن تصبح امرأة شابة نجمة على إحدى منصات المحتوى المدفوع هو، في كثير من النواحي، النسخة الحديثة من ظاهرة “عارضات الإغراء” التي ازدهرت في الثمانينيات. الوعد نفسه تقريباً: المال السريع، الشهرة، والقدرة على تحقيق الاستقلال المالي.

لكن خلف هذه الوعود توجد قصص أقل بريقاً بكثير.

فالنساء اللواتي تحدثن في تحقيقات إعلامية أخيرة وصفن التأثير النفسي المدمر الذي تركته بعض تجاربهن، ووصل الأمر ببعضهن إلى الشعور بالاكتئاب الحاد أو التفكير في الانتحار.

ولهذا يصعب عليّ تصديق أن الشابات اللواتي يوافقن اليوم على تقديم محتوى أكثر تطرفاً أو خوض تجارب أكثر قسوة من أجل جذب المشتركين سيخرجن من هذه التجربة من دون آثار نفسية أو اجتماعية عميقة.

ومع ذلك، هناك فرق جوهري بين الأمس واليوم، ففي الماضي كان أباطرة هذه الصناعة شخصيات معروفة تسعى إلى الأضواء وتتباهى بنفوذها وثرواتها، أما الآن، فإن أصحاب المنصات الكبرى يفضلون البقاء بعيداً عن المشهد العام، فهم يديرون أعمالاً تدر مليارات الدولارات، لكنهم نادراً ما يبحثون عن الشهرة أو الظهور الإعلامي الذي كان يسعى إليه سوليفان وأمثاله.

لقد انتهى زمن “إمبراطور الإباحية” الذي يعرفه الجميع بالاسم والصورة، لكن انتهاء ذلك الزمن لا يعني أن المشكلة انتهت، بل على العكس، أعتقد أن ما نواجهه اليوم أكثر خطورة بكثير.

فالثقافة التي أسهم ديفيد سوليفان في ترسيخها خلال الثمانينيات والتسعينيات لم تكن بريئة أو غير مؤذية كما حاول البعض تصويرها آنذاك. لقد عززت فكرة أن أجساد النساء موجودة للاستهلاك، وأن قيمتهن يمكن اختزالها في قدرتها على جذب الانتباه وإثارة الرغبة.

وكانت تلك الثقافة، في رأيي، بمنزلة التمهيد لما نراه اليوم في صناعة المواد الإباحية الحديثة.

بمعنى آخر، لم يكن سوليفان هو المشكلة النهائية، بل كان جزءاً من البداية.

فما نشهده في القرن الحادي والعشرين هو النتيجة الطبيعية لمسار طويل بدأ بتطبيع تسليع النساء وتحويل أجسادهن إلى منتجات قابلة للبيع والشراء.

ولهذا فإن النظر إلى شخص مثل ديفيد سوليفان باعتباره مجرد بقية من الماضي سيكون خطأً كبيراً.

الأشخاص يرحلون، لكن الأفكار والثقافات التي يروجون لها قد تبقى لعقود، وفي هذه الحالة تحديداً، يبدو أن ما بقي كان أسوأ بكثير مما كان عليه الأصل.

*نقلاً عن الجارديان