في أحد الأزقة الهادئة بضاحية تونسية، يجلس الحاج ياسين (اسم مستعار) على كرسي خشبي قديم أمام بيته الصغير، يراقب المارة بصمت، فلا يزوره أحد إلا بين الحين والآخر، ولا يسمع سوى صوت المذياع العتيق الذي يملأ فراغ وحدته.
الحاج ياسين، الذي تجاوز العقد الثامن من العمر، لم تعد مطالبه اليومية تتعدى الوجبة الساخنة والكلمات الحانية والتربيت على كتفيه بلطف ورفق، لكنها -على بساطتها- صارت رفاهية في حياة كثير من المسنين في تونس.
ورغم وجود مؤسسات رسمية وجمعيات أهلية تعمل على دعم هذه الفئة العمرية، فإن الواقع يكشف فجوة كبيرة بين ما هو مكتوب على الورق وما يحدث على الأرض، فالكثير من المسنين، خصوصاً في المناطق الحدودية والريفية، يعيشون بلا رعاية طبية منتظمة، ولا دعم نفسي أو اجتماعي مناسب، ويظلون في عزلة قاسية قد تمتد لسنوات.
وعادة ما يحذّر الخبراء والمراقبون من أن التهميش الاجتماعي للمسنين لا تقتصر تبعاته وآثاره على الفقر أو الإهمال الصحي فحسب، بل يمتد ليشمل الضغط النفسي والاكتئاب وفقدان الإحساس بالقيمة والمعنى.
تحديات رعاية المسنين
تواجه تونس تحديات كبيرة في مجال رعاية المسنين، إذ تشير بعض الدراسات المحلية إلى أن نسبة كبيرة من المسنين يعانون من أعراض الاكتئاب، دون أن يتلقوا أي متابعة أو علاج نفسي ملائم، إلى جانب الصعوبات الاقتصادية مع ارتفاع تكاليف المعيشة وانخفاض القدرة الشرائية لكبار السن الذين يعتمدون على معاشات محدودة.
وكشف بحث طبي حديث، أعده المتخصص في طب الشيخوخة والخبير في المعهد الوطني للصحة العمومية الدكتور سعيد الحجام، عن أن ثلث المسنين في تونس يعانون ارتفاع ضغط الدم، وعُشرهم مصابون بالسكري، ونسبة 2.6% منهم يعانون الخرف، و21% يتألمون في صمت ويعانون الاكتئاب.
وكشفت بيانات ودراسات منشورة حول أوضاع كبار السن في تونس عن ارتفاع لافت في انتشار الأمراض المزمنة والاضطرابات النفسية بين هذه الفئة، فقد أظهرت دراسة ميدانية نُشرت في مجلة علمية دولية حول المسنين (65 سنة فما فوق) في مدينة المنستير أن نسبة المصابين بارتفاع ضغط الدم بلغت نحو 52%، فيما وصلت نسبة المصابين بداء السكري إلى نحو 27%، وفق نتائج منشورة عبر منصة PubMed Central التابعة للمكتبة الوطنية للطب في الولايات المتحدة.
وفي ما يتعلق بالخرف، تشير دراسة وبائية نشرت في مجلة طبية فرنسية متخصصة إلى أن معدل انتشار الخرف لدى من تجاوزوا 65 عاما في تونس بلغ نحو 4.6% عام 2012، مع تسجيل مرض ألزهايمر باعتباره الشكل الأكثر شيوعا، وفق بيانات منشورة في قاعدة EM-Consulte الطبية.
أما على مستوى الصحة النفسية فقد أظهرت دراسة حول الاكتئاب لدى كبار السن في تونس، نُشرت عبر منصة ScienceDirect، أن قرابة 22% من المشاركين في العينة سجلوا مؤشرات إيجابية على وجود أعراض اكتئابية، وفق مقياس التحري المعتمد في الدراسة.
وتتقاطع هذه النتائج مع تحذيرات منظمة الصحة العالمية التي تؤكد أن الأمراض المزمنة واضطرابات الصحة النفسية تمثل تحديا متزايدا في الدول ذات التحول الديموغرافي السريع، ومنها تونس، حيث تشهد نسبة كبار السن ارتفاعا تدريجيا في التركيبة السكانية.
وتتناول الصحافة التونسية هذا الجانب في قصص مأساوية، لكنها أصبحت تحمل معها أخطاراً كبيرة على العاملين في المجال الإعلامي، نظراً لاعتبارها من الملفات الحساسة المرتبطة بحقوق الإنسان والمساءلة الاجتماعية.
وتظل صور المسنين والمسنات في تونس، وهم يجلسون على عتبات منازلهم القديمة أو في غرف باردة بلا زائر، شاهدة على فجوة إنسانية تحتاج إلى أكثر من مجرد بيانات رسمية، لتكون مسؤولية مجتمعية تبدأ بالوعي، وتمر بالتشريعات وتجريم العنف ضد هذه الفئة العمرية، لتصل إلى الرعاية والاهتمام اللازمين.
في ظل هذه التحديات، يدعو الحقوقيون إلى وضع سياسات عامة أكثر شمولية، تدمج المسنين في الحياة الاجتماعية، وتوفر لهم الرعاية الصحية والنفسية، إلى جانب تشجيع وسائل الإعلام على مواصلة تسليط الضوء على أوضاعهم.
إحصاءات مقلقة
بين ضجيج الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في تونس، تختفي حكايات كبار السن خلف أبواب موصدة ومنازل خاوية ومعتمة، حيث تتفاقم آثار العزلة على من يطولهم الإهمال في مجتمع تتسارع فيه معدلات الشيخوخة.
ويعيش في تونس أكثر من 16.9 بالمئة من إجمالي تعداد السكان البالغ نحو 12 مليوناً، من كبار السن (أكثر من 60 عاماً) أي ما يتجاوز مليوني نسمة، وفق التقديرات الرسمية لتعداد عام 2024 الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء.
ويقول الخبراء إن نسبة من تفوق أعمارهم 60 عاماً تضاعفت تقريباً خلال الثلاثة عقود الماضية، الأمر الذي ينذر بانتقال تونس نحو مجتمع مُسن تتسارع فيه معدلات الشيخوخة.
وفي محاولة لاحتواء ومعالجة هذا الملف، قالت وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن في تونس، إنها تشرف على برنامج “الإيداع العائلي لكبار السن”، في إطار رعاية المسنين فاقدي السند العائلي من خلال إيوائهم لدى أسر بديلة، بهدف توفير بيئة عائلية طبيعية للمسن أو المسنة، وتعزيز مكانة الأسرة ودورها في حياتهم، والحفاظ على توازنهم النفسي والعاطفي.
وتشير الإحصاءات الرسمية إلى ارتفاع عدد المسنين المدمجين لدى عائلات محتضنة إلى 308 حالات، بينهم نحو 81.5 بالمئة من النساء، إذ تقدم الوزارة منحة شهرية للعائلات المحتضنة تقدر بنحو 350 ديناراً (نحو 120 دولاراً أميركياً).
وأطلقت السلطات التونسية، في منتصف عام 2023، رقماً ساخناً للإبلاغ عن الانتهاكات أو التجاوزات أو وقائع العنف التي قد يتعرض لها المسنون، إذ تعترف الحكومة رسمياً بوجود حالات سوء معاملة لكبار السن من الجنسين.
وفي يوليو 2024، قررت وزارة الشؤون الاجتماعية بتونس، رفع قيمة المعاشات من 180 إلى 240 ديناراً شهرياً (من 60 إلى 84 دولاراً أميركياً)، إلا أن شريحة واسعة من المسنين تعد خارج التغطية الكاملة وتظل عند هامش الكفاف، ما يفاقم أخطار الصحة النفسية وسوء التغذية.
وعالمياً، يُقدر انتشار الاكتئاب بنحو 5.7 بالمئة بين من تتجاوز أعمارهم 60 عاماً، وترتفع هذه النسبة داخل دور رعاية المسنين، ولا سيما بعد انتشار جائحة كورونا، وفق تقديرات منظمة الصحة العالمية.
تشريعات وسياسات استباقية
وحذّر الكاتب العام للجامعة العامة للمتقاعدين التابعة لـ الاتحاد العام التونسي للشغل، عبدالقادر نصري، من أن التحولات الديموغرافية وارتفاع أعداد كبار السن يفرضان على السلطات تبني تشريعات وسياسات استباقية قادرة على الاستجابة للطلب المتزايد على خدمات رعاية المسنين، بما يضمن كرامتهم ويحسّن ظروف العيش لهم وللقائمين على رعايتهم.
وأوضح نصري، في تصريح خاص لـ “صفر”، أن أوضاع كبار السن في تونس باتت مقلقة إلى حد كبير، مؤكداً أن نحو مليون و200 ألف متقاعد يتقاضون معاشاتهم من الدولة، بينهم قرابة 700 ألف من متقاعدي القطاع العمومي. ولفت إلى أن شريحة واسعة من هؤلاء تتقاضى معاشات تقل عن الحد الأدنى للأجور، في وقت لا تتجاوز فيه منحة الشيخوخة 350 ديناراً تونسياً، أي ما يعادل نحو 100 دولار، وهو ما يفاقم هشاشة أوضاعهم المعيشية.
وتساءل نصري عن مستقبل هذه الفئة في ظل ما يواجهه كثير من المسنين من أمراض مزمنة وتزايد الأعباء الصحية، مشيراً إلى أن الدولة لا تتعامل بالجدية المطلوبة مع احتياجاتهم الاجتماعية والصحية، كاشفا عن أن جامعة المتقاعدين وجّهت عدة مراسلات إلى وزارة الشؤون الاجتماعية لفتح نقاش حول مطالب هذه الفئة، لكنها لم تتلق أي رد حتى الآن، رغم ترحيبها بقرار رفع الحد الأدنى للأجور.
وأضاف أن معاناة المسنين لا تقتصر على ضعف المعاشات، بل تمتد أيضاً إلى صعوبات متعلقة بالتغطية الصحية وتأخر صرف مستحقاتهم من الصناديق الاجتماعية، ما يزيد من الضغوط التي يعيشها كثير منهم في هذه المرحلة العمرية.
أرقام صادمة
في حديثه لـ”صفر”، عبّر وزير الثقافة الأسبق وأستاذ علم الاجتماع في تونس، الدكتور مهدي مبروك، عن قلقه العميق مما وصفه بـ”الجرس المدوي” الذي أطلقه المعهد الوطني للإحصاء في أحدث بياناته لعامي 2024-2025.
وأوضح مبروك أن الأرقام كانت صادمة، حيث انخفض معدل الخصوبة إلى أقل من 2 بالمئة، ما ينذر بفقدان الهرم السكاني قاعدته الشابة، في حين تتسع قمته التي يعلوها الشيب، وهي الشيخوخة السريعة لمجتمع كامل، حيث يتناقص الشباب وتتزايد أعداد المسنين، في مشهد يفرض تحديات اجتماعية واقتصادية غير مسبوقة.
يشرح الدكتور مبروك بأسى أن قاعدة الهرم الديمغرافي تآكلت، وأن المسنين في تونس اليوم يواجهون واقعاً قاسياً؛ لا سيما أن سياسات إدماجهم داخل الأسر البديلة ما زالت محدودة، والمنح التي تقدمها وزارة الشؤون الاجتماعية غير شاملة لكل احتياجاتهم، في حين يندر وجود مؤسسات أو جمعيات حكومية أو خاصة تحتويهم، في ظل أزمة اقتصادية تخنق إمكانات البلاد.
أما القطاع الخاص فرغم دخوله مجال دور المسنين فإن كلفة الرعاية الشهرية التي تراوح بين ألفي دينار وأربعة آلاف تجعل من دفء الرعاية رفاهية لا يقدر عليها الكثيرون، ويؤكد مبروك أن المشكلة أعمق من القدرة المادية، فسياسات تحديد النسل السابقة فرقت الأجيال، وقلصت الروابط الممتدة بين الأحفاد والأجداد، لتأتي الأزمة المالية وهجرة الأبناء فتترك الكثير من كبار السن وحيدين بمواجهة تحديات كثيرة.
ويطرح أستاذ علم الاجتماع حزمة من الحلول التي تبدأ، من وجهة نظره، بإعادة غرس قيمة احترام الأجداد والمسنين في ضمير العائلة والمجتمع، وخلق جيل جديد من المؤسسات الحكومية المتخصصة في رعاية وإيواء ودمج كبار السن، ودعم الجمعيات القائمة على خدمتهم.
ويشدد على أهمية أن تلعب وسائل الإعلام والمدارس دوراً في ترسيخ هذا الاحترام، وأن تُخرج الجامعات دفعات متتالية من “مرافقي الحياة” وهم الذين يعملون مساعدين ومرافقات مؤهلين لمرافقة كبار السن، لسد النقص الحاد في هذا المجال، مؤكداً أن التوجيه الجامعي بدأ بالفعل في إدراج هذه الشعب للمرة الأولى، استجابة لحقائق التعداد السكاني الجديد الذي أظهر أن هذه الفئة تعيش من دون مَن يرافقها.
واختتم الدكتور مهدي مبروك حديثه، قائلاً: “المسنون في تونس اليوم مظلومون إلى حد بعيد، مهمشون وكأنهم أيتام المرحلة الانتقالية، فكل الفئات رفعت صوتها ونالت شيئاً من حقوقها إلا هم، حيث كانوا من أصحاب الصوت المبحوح، الذين لم تصل مطالبهم بعد”.
ولا يقف هذا الملف عند حدود الأرقام والمؤشرات الديموغرافية، بل يلامس جوهر الالتزامات الحقوقية للدولة والمجتمع على حد سواء، إذ تنص المواثيق الدولية، وعلى رأسها مبادئ الأمم المتحدة المتعلقة بكبار السن، على حق المسنين في الكرامة والاستقلالية والمشاركة والرعاية والحماية من الإهمال والعنف.
ويرى حقوقيون أن ضمان هذه الحقوق لا يجب أن يبقى رهين المبادرات الظرفية أو البرامج المحدودة، بل يتطلب إدماج قضايا كبار السن ضمن السياسات العامة الشاملة، وربطها بموازنات واضحة وآليات رقابة ومساءلة فعّالة.
كما يشددون على أن حماية المسنين ليست عملاً إحسانياً، بل استحقاقاً قانونياً وأخلاقياً، يعكس مستوى التحضر الاجتماعي وقدرة الدولة على صون الفئات الأكثر هشاشة، في مجتمع تتسارع فيه الشيخوخة وتتعاظم فيه الحاجة إلى عقد اجتماعي أكثر إنصافاً وعدالة بين الأجيال.

