افتُتح في العاصمة الفرنسية باريس مطعم فريد من نوعه يجمع بين الطهاة الفلسطينيين والإسرائيليين تحت شعار “صبابا، طعم السلام”، في مبادرة رمزية تهدف إلى تقريب القلوب عبر المائدة، في وقتٍ يشهد فيه الشرق الأوسط انقسامات وصراعات دامية.
جاءت الفكرة على يد رجا أبو دقة، الفرنسي الفلسطيني المنحدر من غزة، وإدغار لالوم، الفرنسي الإسرائيلي الذي عاش في القدس أكثر من ثلاثين عاماً، ليصبح هذا المطعم أول مساحة رمزية في باريس تحاول أن تصنع “مصالحةً بالمذاق” بين شعبين فرقتهما السياسة وجمعهما الطعام.
وقال أبو دقة من مطبخ المطعم المزدحم وهو يُحضّر المناقيش والحمص والفلافل: “كل شيء مصنوع يدوياً، من القلب، لأننا نريد أن نُظهر أن الطعام يمكن أن يكون لغة سلام”.
وأضاف أن “الفلسطينيين والإسرائيليين يتشاركون الأرض نفسها والأحلام ذاتها والدموع عينها، وما يجمعهم أكثر مما يفرقهم”.
طاولة واحدة تجمع المتناقضين
احتشد منذ صباح يوم الافتتاح عشرات الزبائن من مختلف الأعمار أمام المطعم الجديد في الدائرة الحادية عشرة من باريس، حيث تزيّنت واجهته بالأعلام الفلسطينية والإسرائيلية والفرنسية، في مشهدٍ نادر يجمع رموزاً متناقضة في مكان واحد.
وتقدّم فريق العمل لإعداد أطباق شرقية تراثية تعبّر عن المطبخين الفلسطيني والإسرائيلي، بينما جلس الحضور على حصائر وطاولات خشبية لتذوق “مذاق السلام”.
وقال إدغار لالوم مبتسماً وهو ينظر إلى شريكه الفلسطيني: “اليوم يوم مميز، لأننا نحاول أن نزرع الأمل، تماماً كما يُنتظر في المنطقة تبادل الأسرى وعودة الرهائن”.
وأوضح أن قائمة الطعام تضم أطباقاً مألوفة في الجانبين، لأن “ما نأكله واحد، وما نحلم به متشابه أيضاً”.
رمزية المكان وروح الفكرة
يقع المطعم في مركز ثقافي قديم يُعرف بـ”كونسولا فولتير”، كان في الماضي محطة كهرباء فرعية وتحول اليوم إلى فضاء ثقافي يحتضن الفنون والحوار.
ومن هناك، رأى الزبائن في هذا المطعم أكثر من مجرد مكان للأكل، بل مساحة رمزية تحاول كسر الجدار النفسي بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
وقال الزبون رافاييل، وهو فرنسي جاء مع ابنه لتجربة الفكرة: “الأعلام الثلاثة ترمز إلى أننا يمكننا العيش معاً رغم الاختلافات. هذه رسالة أريد أن يفهمها ابني”.
أما الزائر هنري بولان، البالغ من العمر 57 عاماً، فرأى في المشروع “رابطاً بين قيم الجمهورية الفرنسية من جهة، وبين شعبين لم يولد أحدهما بعد كدولة مكتملة السيادة من جهة أخرى”.
وأضاف بثقة أن “مكاناً كهذا لن يتأثر حتى لو اندلعت الحرب مجدداً في غزة، لأن رسالته أقوى من السياسة”.
جدل المصالحة و”فرحة الحياة”
ورغم الترحيب الشعبي، شككت بعض الأصوات في إمكانية أن تمثل هذه المبادرة مصالحةً حقيقية، إذ قالت عالمة النفس الاجتماعي جويل بورديه (72 عاماً): “ربما نبالغ في استخدام كلمة مصالحة، لكن مجرد جلوس أشخاص يعتبرون أنفسهم أعداء في المكان نفسه هو أمر غير عادي”.
وفي المقابل، أكد نور الدين سكيكر، رئيس جمعية “جالون بور لا بيه” (معالم من أجل السلام)، الذي حضر مع متطوعين شباب للمساعدة، أن “هذه المساحة الصغيرة تتسع للجميع، لأن نية السلام لا تحتاج إلى أرض واسعة، بل إلى قلوب مفتوحة”.
مذاق السلام وأنغام الأمل
مع حلول الثانية بعد الظهر، امتد طابور الزبائن على الرصيف بانتظار تذوق المقبلات الشرقية، بينما توزعت في الداخل لائحة فعاليات ثقافية تشمل أمسيات شعرية بالعربية والعبرية والفرنسية، ونقاشات موسيقية وحفلات صغيرة، تعبيراً عن مفهوم “فرحة الحياة” المعنى الحقيقي لكلمة “صبابا” في اللغتين العبرية والعربية.
وبينما لا تزال المنطقة التي ينتمي إليها مؤسسا المطعم غارقة في أجواء التوتر، يبعث هذا المطعم في قلب باريس رسالة بسيطة مفادها أن الطعام يمكن أن يوحّد ما فرّقته السياسة، وأن رائحة الزعتر والحمص ربما تكون لغة سلامٍ لم تفشل فيها المؤتمرات.
