شهد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة نقاشات موسعة حول التقرير السنوي للمفوض السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، في جلسة عكست حجم التحديات المتزايدة التي تواجه منظومة حقوق الإنسان العالمية في ظل استمرار النزاعات المسلحة والأزمات الإنسانية والتوترات السياسية في عدد من مناطق العالم.
وجاءت هذه المناقشات ضمن فعاليات الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان المنعقدة حالياً في جنيف، حيث تناولت الوفود الحكومية والمجموعات الإقليمية والدولية مضامين التقرير السنوي للمفوض السامي، واستعرضت رؤاها بشأن أبرز التحديات الحقوقية الراهنة، بدءاً من النزاعات المسلحة والإرهاب، مروراً بأوضاع الأراضي الفلسطينية المحتلة وأوكرانيا والسودان والساحل الإفريقي، وصولاً إلى قضايا الهجرة والحريات الأساسية وسيادة القانون.
وافتتح الحوار التفاعلي المخصص لمناقشة التقرير السنوي للمفوض السامي بدعوة الدول الأعضاء إلى طرح ملاحظاتها وأسئلتها بشأن التقرير الذي قدمه فولكر تورك في اليوم السابق، والذي استعرض فيه أبرز القضايا الحقوقية التي تشهدها الساحة الدولية، إلى جانب التحديات التي تواجه آليات الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان.
بوليفيا.. حماية الحقوق
في مداخلتها، أكدت بوليفيا أهمية التقرير السنوي للمفوض السامي، خاصة في ظل إحياء الذكرى الثمانين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، مشيرة إلى أن بلادها واجهت خلال الفترة الماضية أحداثاً وصفتها بأنها أدت إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وأثرت في عمل المؤسسات الديمقراطية والخدمات الأساسية.
وأوضحت أن أعمال العنف والاضطرابات انعكست على البنية التحتية والإمدادات والاتصالات وإمكانية الوصول إلى الخدمات العامة، ما أثر بشكل مباشر في تمتع المواطنين بحقوقهم الأساسية. وفي الوقت ذاته شددت على أن الاحتجاج السلمي يمثل حقاً أساسياً في المجتمعات الديمقراطية، لكنه ينبغي ألا يتحول إلى أعمال عنف أو وسيلة لانتهاك حقوق الآخرين.
أستراليا.. مسؤولية الحماية
ومن جانبها، تحدثت أستراليا باسم مجموعة أصدقاء مسؤولية الحماية، مؤكدة أن هذا المبدأ أصبح بعد مرور 25 عاماً على إقراره أحد الأعمدة الرئيسية لمنظومة الحماية الدولية.
وأشارت إلى أن مجلس حقوق الإنسان والمفوضية السامية يؤديان دوراً محورياً في رصد الأوضاع التي تستدعي تحرك المجتمع الدولي، مؤكدة أن مسؤولية الدول عن حماية سكانها من الجرائم والانتهاكات الجسيمة تبقى الأساس في هذا المجال.
وشددت المجموعة على أنه عندما تعجز الدول عن حماية مواطنيها أو تتقاعس عن ذلك، فإن المجتمع الدولي مطالب بالنظر في اتخاذ إجراءات جماعية مناسبة وفقاً لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، ما يضمن حماية المدنيين ومنع وقوع الانتهاكات الخطيرة.
الإرهاب وحقوق الإنسان
وشهدت الجلسة مداخلات ركزت على العلاقة بين الأمن وحقوق الإنسان، كان أبرزها البيان المشترك الذي قدمته مالي والنيجر وبوركينا فاسو.
وأكدت الدول الثلاث أن تقييم أوضاع حقوق الإنسان في المنطقة لا يمكن أن يتم بمعزل عن التهديدات الأمنية الخطيرة التي تواجهها، وفي مقدمتها الإرهاب والجماعات المسلحة.
وأوضحت أن الهجمات الإرهابية المتكررة تستهدف المدنيين ومؤسسات الدولة، وتعرقل جهود التنمية والاستقرار وتعزيز حقوق الإنسان، الأمر الذي يفرض على الحكومات اتخاذ تدابير قانونية وأمنية لحماية السكان والحفاظ على سيادة الدول وسلامتها الإقليمية.
كما دعت المجتمع الدولي إلى تقديم المزيد من الدعم للدول الإفريقية المتضررة من الإرهاب، وتعزيز قدراتها على مكافحة التطرف العنيف وحماية مواطنيها.
انتقاد للمعايير المزدوجة
في المقابل، قدم الاتحاد الروسي وبيلاروس رؤية مختلفة للنقاش الدائر حول أوضاع حقوق الإنسان، حيث أشارا إلى تقرير أعدته وزارة الخارجية الروسية بشأن أوضاع حقوق الإنسان في عدد من الدول.
واعتبر الجانبان أن بعض الدول الغربية تستخدم خطاب حقوق الإنسان بصورة انتقائية، وتطبق معايير مزدوجة في التعامل مع الدول المختلفة، ما يخدم أهدافاً سياسية وجيوسياسية.
وأكد الوفدان أن التقرير الروسي يستند إلى معلومات وبيانات موثقة، داعيَيْن الدول الأعضاء إلى الاطلاع عليه والمشاركة في النقاشات المرتبطة به خلال الدورة الحالية للمجلس.
سريلانكا والعدالة الانتقالية
وتحدثت المملكة المتحدة باسم المجموعة الأساسية المعنية بسريلانكا، مشيدة ببعض الخطوات الإيجابية التي اتخذتها الحكومة السريلانكية خلال السنوات الماضية، لكنها أكدت استمرار وجود تحديات تتعلق بالمساءلة والعدالة الانتقالية.
وأعربت المجموعة عن قلقها من التقارير المتعلقة بترهيب الشهود وأسر الضحايا، معتبرة أن هذه الممارسات تقوض الثقة العامة وتؤثر في مسار العدالة.
ودعت إلى مواصلة إصلاح النظام القضائي وتعزيز استقلاليته، وتسريع معالجة ملفات الاختفاء القسري والمقابر الجماعية، وضمان بيئة آمنة للمدافعين عن حقوق الإنسان.
الشرق الأوسط يتصدر الاهتمام الدولي
احتلت تطورات الشرق الأوسط حيزاً واسعاً من المناقشات، حيث أعربت رابطة دول جنوب شرق آسيا “آسيان”، في بيان ألقته الفلبين، عن قلقها البالغ إزاء التصعيد المتسارع في المنطقة.
ودعت الرابطة إلى الوقف الفوري لجميع الأعمال العدائية، واحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وضمان حماية المدنيين والعاملين في المجالات الإنسانية والبحرية.
وشددت على أهمية الحفاظ على حرية الملاحة البحرية والجوية وسلامة سلاسل الإمداد العالمية؛ نظراً لما تمثله من أهمية للأمن الغذائي والطاقة والتجارة الدولية.
حضور عربي بارز
حظيت القضايا العربية والإقليمية بحضور لافت خلال الحوار التفاعلي، حيث قدمت البحرين بياناً باسم دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.
وأشادت دول المجلس بالجهود التي تبذلها المفوضية السامية لحقوق الإنسان رغم التحديات المالية التي تواجه منظومة الأمم المتحدة، مؤكدة ضرورة توفير الموارد اللازمة لتمكين الآليات الأممية من أداء مهامها بفاعلية واستقلالية.
وفي الشأن الفلسطيني، جددت دول مجلس التعاون إدانتها للانتهاكات التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، مطالبة بوقف فوري لإطلاق النار وضمان وصول المساعدات الإنسانية وحماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
وتناول البيان التطورات الأمنية الأخيرة في المنطقة، مؤكداً رفض دول المجلس للهجمات التي استهدفت البحرين والكويت والأردن، واعتبارها انتهاكاً لسيادة الدول ولمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
وشددت دول المجلس على أن الحوار والتعاون الدولي واحترام سيادة الدول يمثلان الأساس لمعالجة الأزمات وتعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي.
فلسطين والسودان ولبنان
من جهتها، أكدت منظمة التعاون الإسلامي أن التدهور المستمر في الأراضي الفلسطينية المحتلة يمثل أحد أخطر التحديات الحقوقية والإنسانية الراهنة.
وجددت المنظمة إدانتها للانتهاكات المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني، مؤكدة ضرورة إنهاء الاحتلال وتمكين الفلسطينيين من ممارسة حقهم في تقرير المصير وإقامة دولتهم المستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
ودعت إلى وقف إطلاق النار في لبنان وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية واحترام سيادة لبنان ووحدة أراضيه.
وتطرقت المنظمة كذلك إلى الأوضاع الإنسانية في السودان، معربة عن قلقها من استمرار النزاع وتداعياته الخطيرة على المدنيين، وداعية الأطراف كافة إلى وقف الأعمال العدائية والاحتكام إلى الحوار.
انتقادات لروسيا وإيران والصين
أكد الاتحاد الأوروبي، في بيان ألقته الجمهورية التشيكية، دعمه الكامل للمفوضية السامية لحقوق الإنسان ودورها في حماية الحقوق والحريات الأساسية.
وأعرب عن قلقه من استمرار الحرب في أوكرانيا وما يرافقها من انتهاكات جسيمة، معتبراً أن الملف الأوكراني يجب أن يبقى ضمن أولويات المجتمع الدولي.
وانتقد أوضاع حقوق الإنسان في إيران والصين، معرباً عن مخاوفه بشأن القيود المفروضة على الحريات الأساسية وحقوق الأقليات في عدد من المناطق.
وشدد الاتحاد الأوروبي على أهمية تعزيز منظومة حقوق الإنسان الدولية وعدم السماح للأزمات المالية بإضعاف المؤسسات الأممية المعنية بهذا الملف.
تقلص الحيز المدني يثير القلق
وفي مداخلة منفصلة، أعربت لوكسمبورغ عن قلقها من ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين في النزاعات المسلحة، خصوصاً في غزة وأوكرانيا.
وحذرت من تراجع مساحة عمل منظمات المجتمع المدني والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان في عدد من الدول، معتبرة أن هذه التطورات تشكل تهديداً مباشراً للحريات الأساسية وسيادة القانون.
وأشارت إلى أوضاع حقوق الإنسان في منطقة الساحل الإفريقي وأفغانستان، وإلى ما وصفته بالتحديات التي تواجه النساء والفتيات والفئات الأكثر عرضة للتمييز.
حقوق الإنسان مطلب عالمي
أما المكسيك، فقد ركزت على أهمية الحفاظ على المكتسبات التي تحققت في مجال حقوق الإنسان، مؤكدة أن غالبية شعوب العالم تطالب بالمزيد من الحقوق وليس بالحد منها.
وأشادت بالتعاون القائم مع مكتب المفوض السامي، كما دعت إلى الاحتفاء بالذكرى العشرين لمجلس حقوق الإنسان باعتبارها فرصة لتجديد الالتزام الدولي بقيم الكرامة الإنسانية.
وفي سياق استضافتها لكأس العالم 2026، أكدت المكسيك أن الرياضة يجب أن تكون منصة لتعزيز التسامح ومكافحة التمييز ونشر ثقافة الاحترام المتبادل بين الشعوب.
الجزائر.. دعم للمفوضية
من جانبها، جددت الجزائر دعمها للمفوض السامي لحقوق الإنسان، مؤكدة التزامها بمواصلة الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تنفذها في إطار تعزيز منظومة الحقوق والحريات.
وأشارت إلى أن المقاربة الجزائرية تقوم على تحقيق التوازن بين الحقوق المدنية والسياسية من جهة، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من جهة أخرى، مؤكدة أن هذا التوجه ينعكس في البرامج التنموية والإصلاحات المؤسسية الجارية في البلاد.
وعكست المناقشات التي شهدها مجلس حقوق الإنسان تنوع الأولويات بين الدول والمجموعات الإقليمية، فبينما ركز بعض الوفود على النزاعات المسلحة وحماية المدنيين، سلطت وفود أخرى الضوء على مكافحة الإرهاب أو تعزيز العدالة الانتقالية أو حماية الحريات الأساسية.
ورغم هذا التباين، فقد برز اتفاق واسع على أهمية الدور الذي تؤديه المفوضية السامية لحقوق الإنسان ومجلس حقوق الإنسان في الرصد والإنذار المبكر وتعزيز المساءلة، إلى جانب تأكيد ضرورة دعم المنظومة الدولية لحقوق الإنسان في مواجهة التحديات المتزايدة التي يشهدها العالم اليوم.
