منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

حرية الإعلام تحت الحصار في بيلاروسيا.. الاعتقال السياسي يضيق المجال العام

16 يونيو 2026
مخاوف من تدهور حرية الإعلام عالميا
مخاوف من تدهور حرية الإعلام عالميا

لا شك أن حرية التعبير وحرية الإعلام من الحقوق الأساسية التي تقوم عليها المجتمعات الديمقراطية، غير أن هذه الحقوق تواجه في بيلاروسيا تحديات متصاعدة منذ سنوات، مع استمرار السلطات في ملاحقة المعارضين السياسيين والصحفيين ومنظمات المجتمع المدني.

وبينما تؤكد الحكومة أن إجراءاتها تستهدف حماية الأمن والاستقرار، ترى منظمات حقوقية دولية أن البلاد تشهد تضييقاً متواصلاً على المجال العام يقوض الحقوق والحريات الأساسية.

وتبرز بيلاروسيا بوصفها واحدة من أكثر الدول الأوروبية تعرضاً للانتقادات الحقوقية خلال السنوات الأخيرة؛ بسبب ارتفاع أعداد المعتقلين السياسيين واستمرار القيود المفروضة على الإعلام المستقل.

ويكشف هذا الواقع العلاقة الوثيقة بين حرية التعبير واستقلال الإعلام وحق المواطنين في الوصول إلى المعلومات والمشاركة في الحياة العامة.

مئات المعتقلين خلف القضبان

أعلن مركز فياسنا لحقوق الإنسان أن عدد السجناء السياسيين في بيلاروسيا بلغ 841 معتقلاً حتى مايو 2026، بينهم 114 امرأة، في حين صُنف 168 منهم ضمن الفئات الأكثر هشاشة بسبب العمر أو المرض أو الإعاقة.

وأوضح المركز أن 60 معتقلاً يعانون أوضاعاً صحية صعبة داخل السجون، في حين تجاوز عمر 26 معتقلاً الستين عاماً.

ووفقاً لتقرير فياسنا السنوي، تعرض أكثر من 9282 شخصاً لملاحقات جنائية ذات دوافع سياسية منذ عام 2020، في حين تجاوز عدد المدانين في هذه القضايا 8000 شخص، كما جرى تصنيف 4339 شخصاً سجناء سياسيين خلال السنوات الأخيرة.

اتهامات بالتعذيب وسوء المعاملة

ذكرت منظمة هيومن رايتس ووتش أن المعتقلين السياسيين في بيلاروسيا يواجهون العزل المطول وسوء المعاملة والحرمان من الرعاية الصحية المناسبة، مشيرة إلى أن بعض المحتجزين تعرضوا للاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي لفترات طويلة، وهو ما قد يرقى إلى مستوى التعذيب أو الاختفاء القسري.

ووثق مركز فياسنا وفاة تسعة سجناء سياسيين داخل أماكن الاحتجاز منذ عام 2020، وسط استمرار شهادات معتقلين سابقين حول التعذيب والضرب والظروف اللاإنسانية داخل السجون.

وترى منظمات حقوقية أن هذه الممارسات لا تمس حرية الأفراد فقط، بل تؤثر أيضاً في قدرة المجتمع على المشاركة السياسية والتعبير عن الرأي بحرية، في ظل الخشية من الملاحقة أو الاعتقال.

الإعلام المستقل تحت ضغط

تواجه الصحافة المستقلة في بيلاروسيا تضييقاً مستمراً من قبل السلطات التي تتهم عدداً من المؤسسات الإعلامية والصحفيين بالتطرف أو تهديد الأمن القومي.

وأكدت منظمة هيومن رايتس ووتش، أن السلطات واصلت خلال عام 2025 ملاحقة الصحفيين المستقلين عبر الاعتقالات والمداهمات ومصادرة المعدات وفتح قضايا جنائية ضدهم، إضافة إلى استهداف الصحفيين العاملين في المنفى وأفراد عائلاتهم.

وأشارت المنظمة إلى وجود 28 صحفياً وعاملاً إعلامياً على الأقل داخل السجون البيلاروسية حتى نهاية عام 2025، في حين تم اعتقال ما لا يقل عن 12 صحفياً لأسباب مرتبطة بعملهم الإعلامي خلال العام نفسه.

من جانبه، أفاد الاتحاد الدولي للصحفيين بأن 27 صحفياً ظلوا رهن الاحتجاز في بيلاروسيا بعد الإفراج عن عدد محدود من الصحفيين المعتقلين خلال عام 2025.

من أكبر سجاني الصحفيين بالعالم

ذكرت منظمة مراسلون بلا حدود أن بيلاروسيا احتلت المرتبة الرابعة عالمياً من حيث عدد الصحفيين المسجونين خلال عام 2025 مع وجود 33 صحفياً خلف القضبان، ما يجعلها من أكثر الدول قمعاً للعمل الصحفي على مستوى العالم.

وأظهرت بيانات رابطة الصحفيين البيلاروسيين أن مئات الصحفيين تعرضوا للاعتقال منذ عام 2020، في حين اضطر أكثر من 600 صحفي إلى مغادرة البلاد بسبب المخاوف الأمنية والملاحقات القضائية.

ويعكس هذا الواقع حجم الضغوط التي تواجه الإعلام المستقل، ويثير مخاوف متزايدة بشأن قدرة المواطنين على الوصول إلى معلومات متنوعة ومستقلة.

الحق في المعرفة تحت التهديد

يرى الخبير الإعلامي الدكتور شاكر الذيابي أن التضييق على وسائل الإعلام المستقلة واعتقال الصحفيين يؤديان بصورة مباشرة إلى إضعاف حق المواطنين في الحصول على معلومات متنوعة وموثوقة، وهو حق أساسي تكفله المواثيق الدولية لحقوق الإنسان.

وأكد الذيابي، في حديثه لـ”صفر”، أن غياب التعددية الإعلامية يحد من قدرة المجتمع على مناقشة القضايا العامة بحرية، ويؤثر في تشكيل رأي عام مستقل قائم على المعرفة والحقائق.

كما أن ملاحقة الصحفيين تدفع العديد من المؤسسات الإعلامية إلى ممارسة الرقابة الذاتية خوفاً من العقوبات، ما ينعكس سلباً على جودة المحتوى الإخباري وتوازن التغطية الإعلامية.

وأضاف أن الضغوط الدولية والتقارير الصادرة عن المنظمات الحقوقية والأممية تلعب دوراً مهماً في إبقاء ملف الحريات الإعلامية وحقوق الإنسان حاضراً على الأجندة الدولية، وتسهم في زيادة الكلفة السياسية والدبلوماسية للانتهاكات، لكنه يوضح أن تأثير هذه الضغوط يبقى مرتبطاً بمدى وجود إرادة سياسية داخلية للاستجابة للمطالب الدولية.

ولفت إلى أن استمرار توثيق الانتهاكات ومتابعتها من قبل المؤسسات الحقوقية الدولية يمثل أداة مهمة للدفاع عن الصحفيين والمعتقلين السياسيين، وقد يسهم في تحقيق انفراجات تدريجية سواء عبر الإفراج عن بعض المحتجزين أو من خلال تخفيف القيود المفروضة على العمل الإعلامي مستقبلاً.

مجال عام يزداد انكماشاً

ورغم الإفراج عن مئات السجناء خلال عامي 2025 و2026 ضمن تفاهمات دبلوماسية مع الولايات المتحدة ودول أوروبية، تؤكد منظمات حقوقية أن هذه الخطوات لم تنهِ أزمة الحريات في البلاد، في ظل استمرار الاعتقالات السياسية والقيود المفروضة على الإعلام المستقل والمعارضة السياسية.

وتكشف المعطيات الصادرة عن المنظمات الحقوقية الدولية أن أزمة بيلاروسيا لا تقتصر على ملف المعتقلين السياسيين أو الصحفيين بصورة منفصلة، بل تتعلق بمساحة المشاركة العامة وحرية التعبير والوصول إلى المعلومات.

وبينما تتواصل الدعوات الدولية للإفراج عن المعتقلين واحترام حرية الإعلام، يبقى ضمان هذه الحقوق شرطاً أساسياً لأي مسار إصلاحي يهدف إلى تعزيز الحريات الأساسية وسيادة القانون في البلاد.