مع استعداد قادة العالم وممثلي الحكومات والمنظمات الدولية للاجتماع في مدينة أنطاليا التركية، اعتباراً من 9 نوفمبر، للمشاركة في مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ “كوب31″، تتجاوز قضية المناخ حدود النقاش حول ارتفاع درجات الحرارة والانبعاثات الكربونية، لتطرح سؤالاً إنسانياً وحقوقياً أكثر إلحاحاً: من يحمي ملايين الأشخاص الذين اضطروا إلى ترك منازلهم هرباً من الحروب والصراعات، ليجدوا أنفسهم في مواجهة الجفاف والفيضانات وموجات الحر الشديدة؟.
وتكشف أحدث تحذيرات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عن حجم هذه المعضلة؛ إذ يعيش نحو 90 مليون شخص من النازحين قسراً، أي ما يقرب من ثلاثة أرباع إجمالي النازحين في العالم، داخل بلدان شديدة أو بالغة التعرض للمخاطر المناخية، ومنها الجفاف الحاد والفيضانات وموجات الحرارة الشديدة، وفق بيان أصدرته المفوضية في 6 نوفمبر الجاري قبيل انطلاق المؤتمر.
تضع هذه الأرقام ملايين الأشخاص أمام واقع تتداخل فيه الأزمات، فبعد أن اضطروا إلى الفرار من الحروب والعنف والاضطهاد، أصبحوا يواجهون تهديدات مناخية جديدة في أماكن تفتقر في كثير من الأحيان إلى الموارد والبنية الأساسية والقدرة على التكيف، ما يهدد فرصهم في إعادة بناء حياتهم والحصول على الحد الأدنى من الاستقرار والأمان.
حذر مساعد المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين للعمليات، أنطون ليش جارسيا، من أن اللاجئين يواجهون ظلماً مزدوجاً؛ إذ يضطرون إلى الفرار من صراعات لم يتسببوا فيها، ثم يجدون أنفسهم في الخطوط الأمامية لأزمة مناخية لم يسهموا إلا بالقليل في صنعها، مؤكداً أن آثار تغير المناخ تدمر المأوى وتقوض مصادر الرزق وتهدد آمال النازحين في إعادة بناء حياتهم.
النزوح المتكرر
تعكس بيانات المفوضية حجم الارتباط المتزايد بين الكوارث المناخية و النزوح القسري؛ض إذ تسببت الكوارث المرتبطة بالظواهر الجوية في أكثر من 255 مليون حالة نزوح داخلي حول العالم خلال العقد الماضي، ما يعادل نحو 70 ألف حالة نزوح يومياً، وهو ما يوضح أن بعض الأسر تضطر إلى مغادرة منازلها أكثر من مرة، مع تكرار الفيضانات والجفاف والعواصف وتدهور الظروف المعيشية.
تعزز هذه الصورة بيانات مركز رصد النزوح الداخلي الذي أظهر تقريره العالمي لعام 2026 أن 82.2 مليون شخص كانوا يعيشون في حالة نزوح داخلي بنهاية عام 2025 في 104 دول وأقاليم، من بينهم 68.6 مليون نزحوا بسبب الصراعات والعنف، ونحو 13.6 مليون بسبب الكوارث.
سجل المركز 29.9 مليون حالة نزوح جديدة أو متكررة بسبب الكوارث خلال عام 2025، عبر 140 دولة وإقليماً، رغم تراجعها بنسبة 35% مقارنة بالمستويات الاستثنائية المسجلة في 2024، وهو ما يؤكد استمرار اتساع نطاق المخاطر التي تهدد المجتمعات المعرضة للكوارث.
وتبرز خطورة الظاهرة بصورة كبرى في المناطق التي تتداخل فيها الصراعات مع الأزمات البيئية؛ إذ لم تعد العودة إلى الوطن تعني بالضرورة انتهاء رحلة النزوح أو استعادة الاستقرار، فقد حذرت المفوضية من أن أكثر من ثلثي اللاجئين الذين عادوا إلى بلدانهم خلال النصف الأول من عام 2026 رجعوا إلى دول شديدة التعرض للمخاطر المناخية، ما يهدد استدامة عودتهم ويفتح الباب أمام نزوح جديد.
وتقدم سوريا مثالاً واضحاً على هذا التداخل إذ أشارت المفوضية إلى عودة نحو 4 ملايين من النازحين إليها مؤخراً، في حين تواجه جهود التعافي تراجعاً في المياه الجوفية وصدمات مناخية متزايدة، كما تسببت الفيضانات على امتداد نهر الفرات في مايو 2026 في تضرر منازل ونزوح آلاف الأشخاص مجدداً.
وتتزايد المخاطر كذلك في شرق إفريقيا، حيث تشير التوقعات التي أوردتها المفوضية إلى أن الفيضانات الشديدة المرتبطة بظاهرة النينيو قد تؤدي إلى نزوح ما بين 770 ألفاً و3 ملايين شخص في الصومال وكينيا وجنوب السودان وأوغندا بحلول نهاية عام 2026، وفقاً لتطور الظروف المناخية وشدة الفيضانات، بعدما شهدت المنطقة نزوح أكثر من مليوني شخص بسبب الفيضانات خلال عام 2023، بينهم أسر اضطرت إلى الفرار عدة مرات.
الحق في الحياة والمأوى
تكشف التوقعات المناخية عن تهديد متزايد لحياة النازحين في مخيمات اللجوء؛ إذ تشير تقديرات المفوضية إلى أن واحداً من كل ثلاثة تجمعات للاجئين في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى قد يواجه ما لا يقل عن 100 يوم من الحرارة الخطرة سنوياً بحلول عام 2050، في حين قد تشهد أكثر من نصف المواقع التي شملها التقييم 50 يوماً إضافياً على الأقل من الحرارة الخطرة كل عام.
وتصل المخاطر في بعض تجمعات اللاجئين بإثيوبيا، ومنها مخيم هيلوين، إلى احتمال استمرار الحرارة الخطرة لأكثر من 200 يوم سنوياً، ما يهدد صحة السكان ومصادر رزقهم وقدرتهم على البقاء في المناطق التي لجؤوا إليها بحثاً عن الأمان، خاصة مع محدودية الوصول إلى المياه ووسائل التبريد والطاقة الموثوقة.
وتتجاوز التداعيات حدود الخطر الصحي المباشر؛ إذ يؤدي تدهور الأراضي ونقص المياه وتراجع الإنتاج الزراعي إلى إضعاف فرص العمل و تأمين الغذاء، ويزيد الأعباء على المجتمعات المضيفة التي تتحمل بدورها ضغوطاً متصاعدة على الخدمات والموارد الأساسية.
وتتسع دائرة الهشاشة لتشمل الأشخاص عديمي الجنسية؛ إذ تشير المفوضية إلى أن نحو 90% من إجمالي 4.7 مليون شخص من عديمي الجنسية المسجلين عالمياً يعيشون في بلدان شديدة أو بالغة التعرض للمخاطر المناخية، ما يزيد صعوبة حصولهم على المساعدات والإغاثة والتعويضات والدعم اللازم للتكيف مع الكوارث، في ظل افتقارهم أصلاً إلى الاعتراف القانوني الذي يضمن لهم الوصول إلى كثير من الخدمات.
وتضع هذه الأوضاع الحق في الحياة والصحة والمياه والغذاء والسكن الملائم والحماية الاجتماعية أمام اختبار حقيقي، خصوصاً أن النزوح لا يلغي مسؤولية الدول عن ضمان الحقوق الأساسية للأشخاص الموجودين على أراضيها، سواء كانوا مواطنين أو لاجئين أو نازحين.
فجوة الحماية القانونية
تكشف أزمة النزوح المرتبط بالمناخ عن فجوة أخرى تتعلق بمدى كفاية الأطر القانونية الدولية لحماية الأشخاص الذين يضطرون إلى مغادرة أوطانهم بسبب الكوارث والتدهور البيئي؛ إذ لا يعترف القانون الدولي بمصطلح “لاجئ المناخ” باعتباره وضعاً قانونياً مستقلاً، ولا تمنح اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين هذا التصنيف بصورة تلقائية للأشخاص الذين يغادرون بلدانهم بسبب الظواهر المناخية وحدها.
ولا يعني غياب هذا التصنيف انعدام الحماية القانونية؛ إذ توضح المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أن اتفاقية اللاجئين وغيرها من الصكوك الدولية والإقليمية قد تنطبق في بعض الحالات التي تتداخل فيها آثار تغير المناخ مع الاضطهاد أو النزاعات أو انتهاكات حقوق الإنسان، كما يمكن أن توفر قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان حماية تكميلية للأشخاص الذين يواجهون خطراً حقيقياً بوقوع ضرر جسيم إذا أعيدوا إلى بلدانهم.
ويؤكد هذا الاتجاه ما انتهت إليه لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في قضية المواطن الكيريباتي إيوان تيتيـوتا عام 2020، عندما أقرت بأن آثار تغير المناخ والتدهور البيئي قد تهدد الحق في الحياة، وأنه لا يجوز للدول تجاهل المخاطر المتوقعة على حياة الأشخاص عند اتخاذ قرارات إعادتهم إلى بلدانهم، وإن كانت اللجنة قد خلصت في القضية المعروضة أمامها إلى عدم ثبوت انتهاك حقه في الحياة في ظروفها المحددة.
وتتفاقم فجوة الحماية مع استمرار عدم وصول التمويل المناخي إلى المناطق الأكثر احتياجاً؛ إذ تشير المفوضية إلى أن الدول الهشة والمتأثرة بالصراعات لا تحصل إلا على نحو 10% من إجمالي التمويل المناخي العالمي، رغم استضافتها أعداداً كبيرة من اللاجئين والنازحين ومواجهتها مخاطر مناخية شديدة.
تطالب المفوضية الحكومات ومؤسسات التمويل المناخي، خلال مؤتمر COP31، بإدراج اللاجئين والنازحين ضمن الخطط الوطنية للمناخ وآليات التمويل، وتوجيه استثمارات طويلة الأجل نحو المناطق الهشة والمتأثرة بالنزوح، بدلاً من الاقتصار على المساعدات الإنسانية قصيرة الأجل، مع ضمان مشاركة النازحين والمجتمعات المضيفة في تحديد أولويات التكيف والحلول.
وتقدم التجارب القائمة نماذج يمكن البناء عليها، منها أنظمة الطاقة الشمسية لتوفير المياه في منطقة الساحل الإفريقي، والزراعة القادرة على التكيف مع تغير المناخ في أوغندا، ومشروعات استعادة الأراضي وأشجار المانجروف في كولومبيا، ما يوضح أن المجتمعات النازحة ليست مجرد فئات تتلقى المساعدات، بل يمكن أن تكون شريكاً في مواجهة الأزمة وصناعة الحلول.
الالتزامات الدولية
تضع قمة “كوب31” المجتمع الدولي أمام مسؤولية تتجاوز التعهدات المتعلقة بخفض الانبعاثات، لتشمل حماية الأشخاص الذين يدفعون بالفعل ثمن الأزمات المناخية، وضمان وصول التمويل إلى المجتمعات الأكثر هشاشة، وربط سياسات التكيف المناخي بخطط حماية اللاجئين والنازحين وإعادة دمج العائدين إلى أوطانهم.
وتبقى حماية ملايين النازحين من التهديدات المناخية اختباراً حقيقياً لمدى قدرة النظام الدولي على ضمان حقوق الإنسان دون تمييز، فالأشخاص الذين فقدوا منازلهم بسبب الحروب ينبغي ألا يواجهوا خطر فقدانها مرة أخرى بسبب الكوارث، ولا أن يتحول غياب التمويل والحماية القانونية إلى سبب إضافي لاستمرار معاناتهم.
وتتطلب العدالة المناخية ألا تقتصر الاستجابة الدولية على معالجة آثار الكوارث بعد وقوعها، بل أن تضمن الوقاية والتكيف وتوفير المأوى والمياه و الغذاء والرعاية الصحية، وأن تضع حقوق النازحين في قلب القرارات التي ستخرج بها قمة أنطاليا، حتى لا يصبح الفرار من الخطر بداية لرحلة جديدة من انعدام الأمان وفقدان الحقوق.
