في ليلة 24 سبتمبر/أيلول 2026، وجد مصباح القنطراري نفسه وأسرته محاصرين بالمياه داخل منزلهم بمدينة مزدة غربي ليبيا، انتظروا فرق الإنقاذ التي تمكنت من إخراجهم، بينما كانت السيول تقطع الطرق، وتدفع عائلات في نسمة المجاورة إلى الاحتماء بالمرتفعات هرباً من الغرق.
نجت الأسرة، لكن انحسار المياه لم يُنهِ محنة السكان، فقد تركت السيول منازل غير صالحة للسكن، وطرقاً مدمرة ومرافق صحية متضررة، فيما بقيت عائلات تنتظر تعويضات ومساكن آمنة، دون موعد معلن لصرف المستحقات.
وبدأت الاضطرابات الجوية في 18 سبتمبر/أيلول، واشتدت بين 22 و25 منه، وفق بيانات المركز الوطني للأرصاد الجوية التي أوردتها المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، لكن الكارثة كشفت أزمة تتجاوز غزارة الأمطار إلى هشاشة البنية التحتية ومسؤولية السلطات عن حماية الحق في الحياة والسكن والصحة، وضمان إنصاف المتضررين.

منازل فقدت الأمان
أحصت وزارة الشؤون الاجتماعية تضرر 415 منزلاً في مزدة ونسمة والشقيقة، وفي مزدة، تضررت 220 أسرة، بينها 30 أصبحت بلا مأوى، فيما لحقت أضرار إنشائية بـ40 منزلاً، وسجلت الوزارة 45 منزلاً متضرراً في نسمة، منها 25 غير صالح للسكن، بينما قدر المجلس البلدي الأضرار بما يتراوح بين 90 و100 منزل. وفي الشقيقة، تضرر 150 منزلاً.
ويروي علي بن محمد، في شهادة نقلتها «العربي الجديد»، أن السيول قطعت الطرق المؤدية إلى مستشفيات مزدة ونسمة وفسانو، كما غمرت المياه منزل سالم المشاي وسيارته، وانهار الجسر الرابط بين مزدة وتينيناي وأجزاء من الطريق الصحراوي.
وفي نسمة، يقول أحمد الكيلاني إن منزله أصبح غير صالح للسكن، مطالبا بتوفير مساكن مؤقتة. ويدعو مختار عبد النبي إلى حلول دائمة تشمل صيانة الطرق والأودية والسدود، بعدما أعاقت السيول نقل المرضى.
وامتدت الخسائر إلى الأنشطة الاقتصادية؛ إذ أتلفت المياه مكتب محمد الهريش ومحتوياته، وأضرت بمحلات تجارية وصيدليات، وفق «RT عربية»، ونقلت «الجزيرة» عن أحد السكان اتهامه تغيير مسار تصريف المياه قرب المنازل بالمساهمة في تفاقم الأضرار، وهو ادعاء يحتاج إلى فحص فني مستقل.
تعهدات حكومية بالتعويض والإعمار
في تصريح خاص لـ«صفر»، يقول المهندس مصباح جليب، وكيل وزارة التخطيط لشؤون الديوان والمشروعات الليبية، إن معالجة آثار السيول انتقلت من حصر الأضرار والإغاثة الطارئة إلى ترتيبات التنفيذ والتمويل، عبر تخصيص الميزانيات واعتماد مصفوفة للتعويضات، وإطلاق مشروعات تنموية، وتعزيز التعاون الدولي لتوفير حلول سكنية دائمة.
ويوضح أن الوزارة تنسق مع رئيس حكومة الوحدة الوطنية ولجنة الطوارئ العليا لتوفير المخصصات المالية، مشيرا إلى صدور تعليمات بنشر قوائم المتضررين، بما يشمل المنازل والمحال والمركبات، والإعلان خلال 30 يوما عن الشركات المحلية المعنية بأعمال الصيانة والتعويضات.
غير أن التصريح لم يحدد قيمة المخصصات المعتمدة، أو موعد بدء الصرف، أو عدد الأسر التي تسلمت تعويضاتها بالفعل، ما يبقي الفارق قائماً بين التعهدات الحكومية واحتياجات المتضررين العاجلة.
وكان رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة قد أمر بحشد الموارد وإعادة فتح الطرق والخدمات، فيما أُرسل الإسعاف الجوي لإجلاء متضررين من الشقيقة، وتفقد وزير الصحة محمد الغوج المستشفيات، وأكد رئيس لجنة الطوارئ العليا عماد بدة العمل على معالجة الاختناقات في الطرق ومجاري الأودية والسدود.
كما طلبت وزارة الحكم المحلي توثيق الأضرار بمحاضر رسمية، وأرسل المركز الوطني لإدارة الطوارئ فريقا لتقييم الاحتياجات، وعقد مجلس نسمة اجتماعاً مطلع أكتوبر/تشرين الأول لتوحيد قوائم المتضررين، بالتزامن مع إزالة المخلفات ووصول قوافل إغاثية.
لكن رئيس لجنة الإغاثة في نسمة، علي محمد، أكد أن المساعدات غطت جزءاً محدوداً من الاحتياجات. وحتى 7 أكتوبر/تشرين الأول، كانت وزيرة الشؤون الاجتماعية وفاء الكيلاني تبحث أولويات الدعم دون إعلان قيمة التعويضات أو مواعيد صرفها، فيما نقلت بوابة «الوسط» شكاوى سكان مزدة من غياب التعويضات والمساعدات.

مستشفى خارج الخدمة وحصيلة غير موحدة
سجلت وزارة الصحة 147 إصابة، بينها خمس خطيرة، وأعلن عميد بلدية مزدة جمال الكباشي وفاة شخص، فيما أوردت «الشرق الأوسط» انتشال جثتين في نسمة وبقاء آخرين مفقودين، وسجلت غرفة عمليات الجنوب ثلاث وفيات لأسرة واحدة في مناطق جنوبية شهدت سيولا متزامنة، دون توافر حصيلة موحدة للضحايا.
وفي 25 سبتمبر/أيلول، أُخلي مستشفى نسمة من المرضى والطواقم بعدما غمرت المياه مرافقه، بينما ناشد مستشفى مزدة توفير المستلزمات الطبية.
ويرى الخبير في التخطيط الهادي عبد القادر، في تصريح خاص لـ«صفر»، أن إعلان نسمة منطقة منكوبة أتاح طلب المساعدات، لكنه لا يغني عن استعادة الخدمات وتأمين السكن. ويطالب بغرف طوارئ دائمة وإعادة بناء الطرق، خصوصا طريق نسمة–بني وليد، وفق معايير تراعي السيول، ومنع البناء في مجاري الأودية.
ويحذر المحلل الاقتصادي عادل المقرحي، في «العربي الجديد»، من أن انقطاع الطرق يرفع كلفة الغذاء والدواء والوقود ويضاعف خسائر الأسر.
أما خالد بوزعكوك، رئيس منتدى بنغازي للتطوير والتنمية، فيؤكد لـ«صفر» أن الأضرار شملت المزارع والثروة الحيوانية والمساكن والخدمات، مشيراً إلى معاناة سكان نسمة من انقطاع الكهرباء وضعف الإغاثة طوال أسبوع، باستثناء تدخلات الهلال الأحمر.

من درنة إلى نسمة.. الوقاية حق
تأتي السيول بعد كارثة تهالة في مايو/أيار، التي دفعت نحو 250 عائلة إلى مغادرة منازلها، وبعد كارثة درنة عام 2023، التي لا تزال 3297 حالة فقدان مرتبطة بها قيد المتابعة، بالتوازي مع مسار قضائي بشأن إدارة السدود.
ويربط بوزعكوك تراجع الصيانة منذ عام 2011 بالانقسام الحكومي ونقص التمويل، مطالبا بتأهيل الأودية والسدود وتحديث أنظمة الرصد والإنذار المبكر وضبط البناء قرب مجاري السيول. ويقترح حرماً للأودية بمسافة 150 مترا، وهي مسافة تحتاج إلى تثبيت سندها القانوني.
وفي المقابل، يقول وكيل وزارة التخطيط مصباح جليب إن الخطط الحكومية تشمل إعادة تصميم شبكات الطرق، ومنها طريق نسمة–بني وليد، وصيانة السدود، والتعاون مع الأمم المتحدة لإعادة تأهيل المرافق الصحية وتوفير حلول سكنية مستدامة للنازحين.
وتبرز أهمية الوقاية في بيانات مركز رصد النزوح الداخلي، الذي سجل 29.9 مليون حالة نزوح بسبب الكوارث عالمياً خلال 2025. وتشير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى أن نحو 40% فقط من دول إفريقيا تمتلك أنظمة إنذار مبكر متعددة المخاطر، محذرة على لسان أمينتها العامة سيليست ساولو من ارتفاع الخسائر مع غياب التنبؤ والاستجابة المبكرة.
ويؤكد موئل الأمم المتحدة أن أزمة السكن الملائم تطول نحو 3.4 مليار شخص عالمياً، بينهم أكثر من 1.1 مليار يعيشون في مستوطنات عشوائية، فيما يعد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش السكن الملائم أساساً للكرامة والأمن والفرص. وحذّر المقرر الأممي المعني بالسكن اللائق بالاكريشنان راجاغوبال من التقليل من مكانة السكن بوصفه حقاً أساسياً.
وبموجب العهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، تلتزم ليبيا باتخاذ تدابير معقولة لحماية الحياة والصحة والسكن اللائق، وتوفير سبل الانتصاف للمتضررين.
وبين منزل حاصرته المياه وآخر لم يعد صالحاً للسكن، تنتظر أسر مزدة ونسمة والشقيقة ما يتجاوز قوافل الإغاثة والتعهدات.
فقد أصبح نشر قوائم المتضررين وتحديد مواعيد التعويضات وتنفيذ مشروعات الحماية اختبارا لمدى استجابة السلطات لحقوق السكان.
ولا تقاس المسؤولية الحكومية بعدد الوعود أو لجان الحصر وحدها، بل بقدرة المتضررين على العودة إلى مساكن آمنة، ومعرفة حقوقهم وآليات إنصافهم، وبقدرة الدولة على منع تحول الأمطار المقبلة إلى كارثة جديدة.
