في ليلة 19 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أصيبت كيجان برهان، البالغة 30 عاماً، بثلاث رصاصات في مدينة السليمانية بإقليم كردستان العراق. نُقلت إلى المستشفى، لكنها فارقت الحياة صباح اليوم التالي. وقالت الشرطة إن والدها أطلق النار عليها، وأوقفته على ذمة التحقيق، فيما بقيت دوافع الجريمة قيد التحقيق.
وصف المتحدث باسم شرطة السليمانية، سركوت أحمد، الواقعة لشبكة «رووداو» بأنها نتيجة «مشكلة اجتماعية». وأثار الوصف اعتراضات نسوية حذرت من اختزال قتل النساء في خلافات عائلية، بينما أعادت القضية طرح مسؤولية المؤسسات عن حماية الحق في الحياة، خصوصا عندما يأتي التهديد من داخل الأسرة.
وأدانت شبكة 8 آذار النسوية الجريمة، رافضة أي تبرير عائلي لقتل النساء. كما طالب تحالف «ندى» النسائي الديمقراطي، في بيان أصدره في 24 أكتوبر/تشرين الأول، بتحقيق مستقل وشفاف، ومنع التدخلات العشائرية والسياسية، وعدم استخدام «الشرف» لتخفيف المسؤولية الجنائية.

جرائم تتجاوز الأرقام المعلنة
وثّقت شبكة 8 آذار مقتل 53 امرأة على الأقل في إقليم كردستان خلال 2025، و13 امرأة في الشهرين الأولين من 2026. وسجلت الجهات المختصة 48 حالة قتل لنساء خلال 2024، و14 حالة بين يناير/كانون الثاني ومايو/أيار 2025، وفق تقرير وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء الصادر في ديسمبر/كانون الأول 2025. وهذه حصائل قتل نساء، ولا تعني أن جميع الجرائم ارتُكبت بذريعة “الشرف”.
وعلى مستوى العراق، رصد المرصد العراقي لحقوق الإنسان، استناداً إلى بيانات رسمية، 36,289 حالة عنف أسري خلال 2025، مقابل نحو 14 ألف حالة في 2024، بينها 19,587 اعتداء من أزواج على زوجاتهم، و1,583 اعتداء من إخوة على أخواتهم.
لكن الصورة تظل ناقصة، في ظل غياب إحصاءات وطنية موحدة لجرائم القتل المرتبطة بذريعة «الشرف». ووفق «كركوك ناو»، توقفت جهات مختصة في الإقليم عن نشر إحصاءات القتل بصورة منتظمة.
ويقول الباحث العراقي حسين السبعاوي، في تصريح خاص لـ«صفر»، إن التكتم الأسري والضغوط القبلية، خصوصاً في المناطق الريفية، يعرقلان الإبلاغ عن الجرائم وكشف دوافعها وحماية النساء المهددات.

نصوص تمنح الجناة أعذاراً
تثير المادة 409 من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 انتقادات حقوقية، إذ تقرر عقوبة حبس لا تتجاوز ثلاث سنوات في حالات محددة لقتل الزوج زوجته أو إحدى محارمه عند مفاجأتها في حالة تلبس بالزنا أو في فراش واحد مع شريكها، وفق شروط النص.
وتجيز المادة 128 اعتبار ارتكاب الجريمة «لبواعث شريفة» عذراً مخففاً، بينما تتضمن المادة 41 نصاً يتعلق بحق الزوج في تأديب زوجته ضمن حدود يقررها القانون أو العرف أو الشرع.
وفي إقليم كردستان، استبعد تعديل تشريعي صدر عام 2002 اعتبار «الشرف» ظرفاً مخففاً في جرائم القتل، وأُقر قانون مناهضة العنف الأسري رقم 8 لسنة 2011. لكن منظمة العفو الدولية انتقدت، في تقريرها الصادر في يوليو/تموز 2024، ضعف إنفاذ الحماية والصلح الإلزامي في بعض إجراءات التقاضي.
ويشير السبعاوي إلى أن بعض الأحكام تظل مخففة رغم التعديلات، وأن إثبات الجرائم يتعقد عندما يتكتم الأقارب أو يقدمون روايات متضاربة.
وتبرز قضية طيبة العلي، التي قتلها والدها في الديوانية عام 2023 وصدر بحقه حكم بالسجن ستة أشهر، مثالا أثار احتجاجات على العقوبات المخففة.
أما الحقوقي العراقي صباح المختار، رئيس جمعية المحامين العرب في بريطانيا، فينتقد المادة 409 لتمييزها بين الرجال والنساء. ويربط جذورها، وفق قراءته التاريخية، بفترة الاحتلال البريطاني، محذراً من تغليب الأعراف العشائرية على القانون ومحاولات تسجيل بعض الجرائم باعتبارها حالات انتحار.
ينوه رئيس جمعية المحامين العرب في بريطانيا بأن آفة المجتمع العراقي، والمجتمع العربي عمومًا، تتمثل في الازدواجية في المعايير وسيادة الأفكار القبلية والعشائرية، التي قد تتسبب في وقوع أخطاء جسيمة يدفع الأبرياء ثمنها، ولا سيما النساء.
ويؤكد المختار أن التعاليم الإسلامية تشدد على التثبت من الوقائع، خلافاً لممارسات عشائرية تبرر العنف. ويدعو الحكومة والبرلمان إلى تعديل التشريعات، وتوسيع حملات التوعية الحقوقية، عبر وسائل الإعلام الحكومية والمستقلة وكذلك منظمات المجتمع المدني خصوصاً في المناطق الفقيرة والريفية.

أصوات نسوية وتعهدات رسمية
تحذر الناشطة بهار منذر، مديرة منظمة «الناس» للتنمية، من استمرار التمييز وغياب استراتيجية حكومية واضحة. وترى الخبيرة القانونية كاشه دارا حفيد أن الإفلات من العقاب يشجع تكرار الجرائم، مشيرة إلى جهود برلمانية لاستثناء قتلة النساء من العفو العام. وتنتقد القانونية رازاو كولي ضعف الرقابة التشريعية على الحكومة.
في المقابل، تؤكد خانزاد أحمد، عضو المجلس الأعلى لشؤون المرأة في الإقليم، التزام الحكومة بتحقيق العدالة وسد الثغرات القانونية. وأعلن وزير الداخلية ريبر أحمد في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 أن مرتكبي جرائم قتل النساء لن يشملهم العفو العام.
وأفادت مديرية مناهضة العنف ضد المرأة والأسرة في السليمانية بأن الخط الساخن «119» تلقى نحو 1600 اتصال خلال النصف الأول من 2026، بينها 950 اتصالا من نساء، شملت طلبات استشارة وشكاوى عن عنف بأشكاله المختلفة.
وتبقى فاعلية هذه الإجراءات مرتبطة بما يحدث بعد تقديم الشكوى، ومدى قدرة السلطات على منع الانتقام وضمان المحاسبة.
حين تصبح الحماية نفسها مقيدة
وثّقت منظمة العفو الدولية معاناة أربع دور إيواء حكومية في الإقليم من الاكتظاظ ونقص الموارد، وقيود على دخول الناجيات وخروجهن. كما أوردت واقعة شقيقتين عُثر عليهما ميتتين عام 2020 بعد مغادرتهما دار إيواء، إثر تعهد والدهما بعدم إيذائهما.
ويقول الدكتور حكيم عبد الكريم، عضو المؤتمر الوطني الكردستاني، لـ«صفر»، إن قتل النساء يرتبط بعوامل اجتماعية واقتصادية وثقافية وسياسية، محذرا من تراجع قيم المساواة وكذلك تراجع دور المؤسسات التربوية والثقافية في ظل صعود تيارات متشددة وخطابات تمييزية، بينها ما ينتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي تسهم في إعادة إنتاج خطاب الكراهية والتمييز.
ويرى أن معالجة العنف بالتسويات العشائرية بدلا من القضاء تقوض العدالة، مطالبا بحماية النساء المهددات، وتوفير الملاجئ والدعم النفسي والقانوني والاقتصادي، ونشر بيانات دورية موثوقة.
ويتفق السبعاوي والمختار وعبد الكريم على أهمية دور المجتمع المدني والتعليم والإعلام والمؤسسات الدينية في مواجهة الأعراف التي تبرر العنف، مع الإقرار بصعوبة وصول هذه الجهود إلى بعض المجتمعات الريفية.
وتكشف الوقائع أن الحاجة لا تقتصر على تشديد العقوبات، بل تشمل إجراءات سرية وآمنة للإبلاغ، وتقييم التهديدات، وحماية الشهود، وتوفير مراكز إيواء لا تتحول إلى أماكن تقييد للناجيات.
حق في النجاة قبل المحاكمة
تضع قضية كيجان برهان السلطات أمام مسؤولية تتجاوز التحقيق في جريمة واحدة. فالقوانين والتعهدات الرسمية والخطوط الساخنة لا تكفي ما لم ترتبط بإجراءات تضمن الاستجابة الفورية للبلاغات، وتحمي المرأة من إعادتها إلى مصدر التهديد.
ويظل نشر نتائج التحقيقات وبيانات جرائم القتل ومآلات الشكاوى ضرورياً لقياس فاعلية الحماية ومحاسبة المؤسسات المقصرة.. فبين أول تهديد تتلقاه امرأة وأول بلاغ تقدمه، تتحدد قيمة منظومة الحماية: أن تجد باباً تستطيع الوصول إليه، وسلطة تصدق الخطر وتتحرك لمنعه، قبل أن يصبح اسمها رقماً جديداً في سجل القتيلات.
