منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

المغرب.. تعليمات داخلية تؤخر علاج مسن مشلول وتثير تساؤلات حول الحق في الرعاية الصحية

03 نوفمبر 2026
المغرب.. تعليمات داخلية تؤخر علاج مسن مشلول وتثير تساؤلات حول الحق في الرعاية الصحية
المغرب.. تعليمات داخلية تؤخر علاج مسن مشلول وتثير تساؤلات حول الحق في الرعاية الصحية

كان مسن يعاني شللاً نصفياً يتألم من مشكلة حادة في تصريف البول حين نقلته أسرته، في 19 مارس/آذار 2026، إلى قسم المستعجلات بمستشفى القرب في سوق السبت أولاد النمة، بإقليم الفقيه بن صالح المغربي؛ فانتظرت العائلة تدخلاً لتغيير المسبار البولي، لكن الطاقم المناوب امتنع عن إجرائه، بحسب الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، مستنداً إلى تعليمات داخلية تحدد الخدمات التمريضية المسموح بها داخل القسم.

وتقول الجمعية إن الأسرة توسلت لتخفيف معاناة المريض، قبل أن يتدخل ممرض بمبادرة فردية ويقدم المساعدة اللازمة، واصفة ما حدث بأنه «سلوك غير إنساني»، وأن التأخير كان يمكن أن يهدد سلامته.

تفتح الواقعة ملفاً يتجاوز شكوى مريض واحد إلى أي مدى يمكن أن تقيد تعليمات إدارية تقديم الرعاية في الحالات التي تستدعي تدخلاً عاجلاً، ومن يتحمل مسؤولية التأخير إذا ترتب عليه ضرر؟

تعليمات داخلية ورد رسمي عام

بحسب الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، شملت التعليمات التي استند إليها العاملون في المستعجلات عدم إجراء تدخلات تمريضية، بينها تغيير المسبار البولي والضمادات والحقن وإزالة غرز الجروح.

وطالبت الجمعية بتحقيق عاجل يحدد المسؤوليات، ومراجعة التعليمات التي قد تعوق علاج المرضى، وتوفير التجهيزات الضرورية وضمان احترام كرامتهم، معتبرة الواقعة امتناعاً عن تقديم المساعدة لشخص في حالة خطر، وهو توصيف حقوقي لم يثبت بعد بحكم قضائي.

وتواصلت منصة «صفر» مع وزارة الصحة والحماية الاجتماعية المغربية للاستفسار عن آليات التعامل مع شكاوى التقصير في الرعاية الطبية.

وجاء الرد عبر النظام الآلي للوزارة، موضحاً أن الشكاوى الصحية تُحال إلى الجهات المختصة للتحقق من الوقائع، مع إمكان فتح تحقيق طبي أو إداري عند الاشتباه في تقصير أو إخلال بالواجبات المهنية، واتخاذ إجراءات قانونية أو تأديبية إذا ثبتت المخالفات، حماية لحقوق المرضى وكرامتهم.

ولم يتناول الرد الآلي الواقعة تحديداً، كما لم يُرصد توضيح علني من إدارة المستشفى أو المندوبية الإقليمية للصحة بشأنها حتى إعداد التقرير. وتبقى «صفر» مستعدة لنشر أي رد يرد من الجهات المعنية.

مستشفى بين شكاوى المرضى واحتجاجات العاملين

تأتي الواقعة وسط شكاوى متكررة بشأن خدمات مستشفى سوق السبت. ففي أغسطس/آب 2025 اتهم المركز المغربي لحقوق الإنسان قسم المستعجلات بالتأخر في إسعاف رضيع يعاني ضيقاً في التنفس، في حين نفت الإدارة الاتهام، مؤكدة أن الطبيب المناوب قدم الإسعافات اللازمة.

وأعقب ذلك زيارة لعامل إقليم الفقيه بن صالح محمد قرناشي، أصدر خلالها تعليمات لتحسين الخدمات ومعالجة النقص في الموارد.

واعتبر محمد أكرم، رئيس فرع المركز المغربي لحقوق الإنسان بدار ولد زيدوح، الزيارة خطوة أولى تحتاج إلى إجراءات ملموسة.

وفي يناير/كانون الثاني 2026، تعهدت المندوبية الإقليمية، خلال اجتماع مع الاتحاد المغربي للشغل بشأن المستشفى الإقليمي الجديد بعاصمة الإقليم، بمعالجة نقص أطر المستعجلات وحاملي النقالات والحراسة، وربطت بعض التعويضات بتوافر الاعتمادات المالية. ويتعلق هذا الاجتماع بمؤسسة أخرى داخل الإقليم، لكنه يعكس تحديات الموارد البشرية في القطاع محلياً.

وفي أبريل/نيسان أعلنت الجامعة الوطنية للصحة التابعة للاتحاد المغربي للشغل احتجاجاً على ما وصفته بالتعسفات داخل مستشفى سوق السبت. وأفادت النقابة بأن اجتماعاً مع المدير الجهوي انتهى بإعفاء الممرض الرئيس لقسم المستعجلات وتأجيل الاحتجاج، دون إعلان صلة القرار بواقعة المسن.

وطالبت الجمعية الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان بإيفاد لجنة تفتيش مركزية، منتقدة تراجع الخدمات. وفي أغسطس/آب، نددت النقابة باعتداءات على عاملين صحيين، مطالبة بحماية الأطر الطبية والتمريضية.

وفي المقابل، شهدت المدينة إطلاق مشروع مركز للأشخاص في وضعية إعاقة في مايو/أيار، بكلفة تجاوزت 5.7 مليون درهم، ضمن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.

ضغط على المستعجلات وفئات أكثر هشاشة

تظهر معطيات المندوبية السامية للتخطيط أن المغرب ضم نحو خمسة ملايين شخص تجاوزوا الستين عام 2024، وأن الإعاقة أكثر انتشاراً بين المسنين في القرى، حيث بلغت نسبتها 22.8% مقابل 16.1% في المدن.

وتقدر منظمة الصحة العالمية عدد الأشخاص الذين يعيشون بإعاقة كبيرة عالميا بنحو 1.3 مليار شخص، مع استمرار تفاوت فرص الحصول على الرعاية.

وكشف وزير الصحة أمين التهراوي أمام البرلمان أن المستعجلات المغربية استقبلت أكثر من ستة ملايين استشارة عام 2024، في ظل ضغط كبير على الخدمات. كما أقر في أكتوبر/تشرين الأول 2025 بنقص يناهز 83 ألف مهني صحي، بينهم أكثر من 27 ألف طبيب.

وأشارت دراسة لصندوق النقد الدولي نُشرت في أبريل/نيسان 2026 إلى محدودية كثافة العاملين الصحيين والأسرة الاستشفائية، استناداً إلى بيانات سنوات سابقة.

وتصاعد النقاش الوطني بشأن الخدمات الصحية خلال احتجاجات «جيل زد 212» في سبتمبر/أيلول 2025، بعد وقائع أثارت غضباً عاماً، بينها وفيات نساء حوامل في أكادير. وخصصت الحكومة في موازنة 2026 نحو 140 مليار درهم للصحة و التعليم معاً.

وعالمياً، حذرت منظمة الصحة العالمية والبنك الدولي في ديسمبر/كانون الأول 2025 من حرمان نحو 4.6 مليار شخص من الخدمات الصحية الأساسية، في حين أكد مدير المنظمة تيدروس أدهانوم غيبريسوس ارتباط التغطية الصحية الشاملة بالحق في الصحة.

القانون يحمي المريض والمساءلة تتطلب إثبات الوقائع

يؤكد المحامي والأكاديمي المتخصص في القانون العام وحقوق الإنسان أحمد حمدي، في تصريح خاص لـ«صفر»، أن المؤسسات الصحية ملزمة بتقديم الرعاية اللازمة، خصوصاً في الحالات الطارئة، وأن الامتناع أو التأخير دون مبرر طبي قد يرتب مسؤولية مدنية أو تأديبية أو جنائية، بحسب ظروف الواقعة وثبوت الإخلال والضرر.

ويكفل الفصل 31 من الدستور المغربي الحق في العلاج والعناية الصحية، في حين تحظر اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة الحرمان التمييزي من الخدمات الصحية.

كما يعاقب الفصل 431 من القانون الجنائي المغربي على الامتناع العمدي عن مساعدة شخص في خطر، متى توافرت شروط الجريمة. وسبق للقضاء المغربي، عام 2007، أن تناول مسؤولية مسؤول بمصحة أصدر تعليمات بعدم استقبال المرضى قبل الدفع، حتى في حالات الخطر.

ودعا المجلس الوطني لحقوق الإنسان، أمام مجلس حقوق الإنسان الأممي في يونيو/حزيران 2026، إلى تعزيز الموارد وحكامة القطاع وضمان وصول الفئات الهشة إلى خدمات صحية جيدة، مستنداً إلى القانون الإطار 06.22 الذي يؤكد احترام كرامة المرتفقين.

غير أن تحديد المسؤولية في واقعة سوق السبت يتطلب التحقق من طبيعة التعليمات، ومدى خطورة حالة المريض، والتدخل الذي احتاجه، ومدة التأخير، وما إذا كانت هناك مبررات طبية أو تنظيمية مشروعة.

بالنسبة إلى المسن الذي انتظر تخفيف ألمه، انتهت الواقعة بتدخل ممرض، لكن الأسئلة التي أثارتها لم تنتهِ. فالمساءلة لا تقتصر على تحديد ما حدث في ذلك اليوم، بل تشمل مراجعة التعليمات التي تنظم استقبال المرضى، وإعلان نتائج الشكاوى والتحقيقات، وتوفير بيانات عن التأخير في المستعجلات.