كان القارب الذي حمل 305 مهاجرين من سواحل جيبوتي باتجاه اليمن يغادر نحو رحلة محفوفة بالمخاطر، حين بدأت المياه تتسلل إليه من مؤخرته، وفق روايات ناجين نقلتها المنظمة الدولية للهجرة.
وخلال ليلة الثامن إلى التاسع من أكتوبر/تشرين الأول 2026، انقلب القارب قرب منطقة غوهيريه شمال مدينة أوبوك، تاركاً عشرات الناجين في مواجهة صدمة الغرق، وعائلات تنتظر معرفة مصير أبنائها.
وبحسب حصيلة أعلنتها المنظمة الدولية للهجرة في 11 أكتوبر/تشرين الأول، لقي 139 مهاجراً على الأقل حتفهم، بينهم 15 طفلاً، وفُقد 84 آخرون، في حين نجا نحو 82 شخصاً.
وتضع المأساة الحق في الحياة أمام اختبار يتجاوز عمليات الإنقاذ الطارئة إلى مسؤولية الوقاية من الرحلات الخطرة والكشف عن مصير المفقودين.
وقدمت المنظمة للناجين الرعاية الصحية والغذاء والمأوى والدعم النفسي والاجتماعي، في وقت واصلت فيه السلطات الجيبوتية عمليات البحث وانتشال الجثامين، وفق ما أعلنته المنظمة.

طريق الهجرة الشرقي.. حصيلة تتصاعد
يسلك آلاف المهاجرين من القرن الإفريقي طريقاً يمر عبر جيبوتي وصولاً إلى اليمن؛ أملاً في فرص عمل أو حياة أكثر استقراراً، وغالباً ما يواصل بعضهم رحلته نحو دول الخليج.
وتكشف بيانات المنظمة الدولية للهجرة أن عام 2025 شهد تسجيل 922 وفاة وحالة اختفاء على طريق الهجرة الشرقي، مقابل 558 خلال عام 2024، في أعلى حصيلة سنوية رصدها مشروع المهاجرين المفقودين منذ إطلاقه عام 2014.
كما أوردت بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين مغادرة نحو 94 ألف لاجئ ومهاجر من ساحل أوبوك باتجاه اليمن بين يناير/كانون الثاني وسبتمبر/أيلول 2025، بزيادة بلغت 23% مقارنة بإجمالي عام 2024.
وتكشف هذه الأرقام اتساع المخاطر على مسار تتداخل فيه القوارب غير الآمنة مع أنشطة التهريب والاستغلال والاحتجاز، في حين تبقى بعض الوفيات وحالات الاختفاء خارج نطاق التوثيق.

قوارب مكتظة وفرص نجاة تتضاءل
يفسر الضابط البحري طارق أبو عليان خطورة هذه الرحلات بأن نقل أعداد كبيرة من الأشخاص في قوارب غير مهيأة يؤدي إلى اختلال توازنها وانخفاض قدرتها على مقاومة الأمواج، خصوصاً عند سوء الأحوال البحرية أو توزيع الركاب والأمتعة بصورة غير متوازنة.
ويقول أبو عليان لـ«صِفر» إن سلامة الرحلة لا تتعلق بعدد الركاب وحده، بل بالحالة الفنية للقارب وتوافر سترات النجاة وأجهزة الاتصال ووسائل الاستغاثة، محذراً من أن غياب هذه التجهيزات قد يحول أي عطل إلى كارثة، مشدداً على ضرورة توفير فرق إنقاذ مدربة وقوارب مجهزة وتعزيز الرقابة على وسائل النقل البحري غير الآمنة.
ويؤكد أن الدقائق الأولى بعد انقلاب القارب تكون حاسمة في تحديد فرص النجاة، ما يجعل سرعة تلقي نداءات الاستغاثة والاستجابة لها جزءاً أساسياً من حماية الأرواح.
السلطات الجيبوتية.. عمليات بحث وأسئلة مفتوحة
أفادت المنظمة الدولية للهجرة بأن السلطات الجيبوتية واصلت عمليات البحث وانتشال الجثامين عقب الحادثة، بالتزامن مع تقديم المساعدة الإنسانية للناجين. كما أشارت تصريحات لمسؤول المنظمة في جيبوتي إلى عمل فرقها إلى جانب السلطات المحلية.
ويمثل ذلك موقفاً مؤسسياً موثقاً بشأن الاستجابة للحادثة، لكنه لا يجيب عن جميع الأسئلة المتعلقة بملابسات الغرق، فالمعلومات المنشورة لا توضح على نحو كاف توقيت تلقي أول بلاغ استغاثة، والمدة التي استغرقتها الاستجابة، والإجراءات المتخذة للتحقيق في صلاحية القارب وظروف إبحاره، أو الآليات المعتمدة لإبلاغ أسر المفقودين.
ولا يكفي غياب هذه التفاصيل لإثبات وقوع تقصير، لكنه يجعل إتاحتها للرأي العام ولعائلات الضحايا مطلباً مرتبطاً بالشفافية والمساءلة.
الحق في الحياة.. التزام يتجاوز الإنقاذ
يؤكد الدكتور صلاح سعود، أستاذ القانون العام والمتخصص في القانون الدولي وحقوق الإنسان، أن وضع المهاجر القانوني لا يسقط حقه في الحياة والحماية، وأن التزامات الدول المتعلقة بإنقاذ الأرواح في البحر لا تقتصر على الأشخاص الموجودين داخل أراضيها.
ويوضح لـ«صِفر» أن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار والاتفاقية الدولية للبحث والإنقاذ البحري تضعان قواعد للمساعدة والتنسيق في حالات الخطر، ما يستوجب الاستجابة الفعالة للحوادث ضمن نطاق الالتزامات والاختصاصات القانونية المعنية.
ويضيف أن مسؤولية الحماية تمتد إلى معاملة الناجين بكرامة وتقديم الرعاية الطبية والإنسانية لهم، والعمل على تحديد هوية المتوفين والكشف عن مصير المفقودين، وتمكين عائلاتهم من الحصول على المعلومات.
ويشدد سعود على أن الهجرة غير النظامية لا تبرر التمييز في الإنقاذ أو حرمان الأشخاص من المساعدة، داعياً إلى تعزيز التدابير الوقائية، ومكافحة شبكات تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر، والتحقيق في الانتهاكات ومساءلة المسؤولين عنها.
ويرى أن الاكتفاء بالاستجابة بعد وقوع الكارثة يترك أسباب الخطر قائمة، في حين تتطلب حماية الحق في الحياة تعاوناً بين الدول المعنية بمسار الهجرة وتطوير قدرات البحث والإنقاذ وإتاحة بدائل أكثر أماناً للتنقل.

المفقودون.. حق العائلات في المعرفة
تتجاوز آثار الغرق حصيلة القتلى والناجين، فكل اسم لا يزال في عداد المفقودين يمثل عائلة تنتظر خبراً، وقد تواجه صعوبات في الوصول إلى المعلومات أو التعرف على الجثامين أو استعادة رفات أحبائها.
وبينما تتواصل الجهود الإنسانية، تبرز الحاجة إلى إجراءات واضحة لتوثيق هويات الضحايا، وحفظ المعلومات المتعلقة بالمفقودين، والتواصل مع أسرهم وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للمتضررين.
وتفتح مأساة جيبوتي ملفاً حقوقياً لا ينبغي إغلاقه بانتهاء عمليات البحث: كيف تُراجع أسباب الغرق، ومن يضمن استمرار البحث عن المفقودين، وما الإجراءات التي تحول دون تكرار الرحلات القاتلة؟ فحماية الحق في الحياة لا تُقاس بعدد من يُنتشلون من البحر وحده، بل بقدرة المؤسسات على منع الأخطار الممكن تجنبها، وكشف مصير من غابوا، وضمان ألا تبقى عائلاتهم معلقة بين الانتظار والصمت.
