منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

لبنان.. أطفال يعيلون أسرهم على حساب حقهم في التعليم

30 أكتوبر 2026
لبنان.. أطفال يعيلون أسرهم على حساب حقهم في التعليم (1)
لبنان.. أطفال يعيلون أسرهم على حساب حقهم في التعليم (1)

“إذا لم نعمل فلن نأكل”. بهذه الكلمات يختصر حسين جمال -البالغ 15 عاماً- السبب الذي أبعده عن المدرسة إلى الحقول الزراعية في سهل البقاع اللبناني، كان يساعد أسرته في زراعة البصل والثوم على أرض مستأجرة، ويحاول التوفيق بين العمل والدراسة، قبل أن تدفعه تداعيات الحرب وتدهور الأوضاع المعيشية إلى ترك مقعده الدراسي والتفرغ للعمل، خصوصاً مع معاناة والده من مشكلات في القلب.

وثقت منظمة العمل الدولية شهادة حسين في تقرير نشرته خلال يوليو/تموز 2026، ضمن قصص أطفال دفعتهم الأزمات الاقتصادية والنزوح إلى العمل المبكر.

وتكشف تجربته وجهاً من أزمة تتجاوز حاجة الأسر إلى الدخل، لتطرح مسؤولية الدولة عن حماية الأطفال من الاستغلال الاقتصادي وضمان استمرار تعليمهم، في بلد تتداخل فيه آثار الحرب والنزوح مع تراجع القدرة على تأمين الاحتياجات الأساسية.

1-عمالة الأطفال في لبنان.. أرقام تكشف التفاوت

حين يصبح العمل بديلاً عن المدرسة

لا يحدث التسرب المدرسي دائماً بقرار مفاجئ؛ فقد يبدأ بغياب متكرر لتأمين دخل إضافي، أو بعجز الأسرة عن تحمل تكاليف التعليم، قبل أن يتحول إلى انقطاع دائم. وفي الزراعة والبناء وغيرهما من القطاعات غير الرسمية، قد يواجه الأطفال ساعات عمل طويلة ومهامَّ شاقة ومخاطر صحية، في حين تتراجع فرصهم في اكتساب التعليم والمهارات التي تساعدهم على الخروج من دائرة الفقر.

وبحسب تقرير وزارة العمل الأميركية عن أسوأ أشكال عمل الأطفال في لبنان لعام 2024، أشارت بيانات أممية إلى أن 22% من الأطفال المشمولين بإحدى الفئات التي تناولها التقرير كانوا يعملون بدلاً من الالتحاق بالتعليم، وغالبيتهم من السوريين، إلى جانب أطفال من العراق والسودان ودول أخرى.

كما تأثر نحو 20 ألف طالب بإغلاق كلي أو جزئي لـ72 مدرسة في جنوب لبنان خلال عام 2024، نتيجة تصاعد الأعمال العدائية.

وفي دراسة نشرتها منظمة العمل الدولية في ديسمبر/كانون الأول 2025، بلغ معدل عمل الأطفال 7% في بيروت، مقابل 23% في تجمعات النازحين السوريين، في حين انخرط 40% من الأطفال العاملين الذين شملتهم الدراسة في أعمال خطرة.

وتعكس هذه المؤشرات تفاوتاً بين الفئات والمناطق، ولا تمثل جميعها قياساً وطنياً موحداً لعمالة الأطفال.

2-التعليم تحت الضغط.. أطفال خارج مقاعد الدراسة

حماية قانونية أمام ضغوط الفقر

تكفل اتفاقية حقوق الطفل الحماية من الاستغلال الاقتصادي والعمل الذي يهدد صحة الطفل أو يعوق تعليمه. كما تحدد اتفاقيتا منظمة العمل الدولية رقم 138 و182 التزامات تتعلق بالحد الأدنى لسن الاستخدام والقضاء على أسوأ أشكال عمل الأطفال.

وينظم القانون اللبناني تشغيل الأحداث، ويحظر الأعمال التي تعرضهم للأخطار أو تتعارض مع الضمانات القانونية المقررة لحمايتهم. ويؤكد القانوني اللبناني والخبير في حقوق الإنسان حسن خليل، في حديث لـ«صفر»، أن حماية الأطفال من الاستغلال الاقتصادي التزام قانوني على الدولة، لا مجرد مسؤولية اجتماعية.

ويقول إن الظروف المعيشية القاسية لا تبرر تحميل الأطفال أعباء إعالة أسرهم على حساب تعليمهم وصحتهم، مشدداً على ضرورة تعزيز التفتيش على أماكن العمل، ومساءلة الجهات التي تستغل الأطفال، وتوسيع الحماية الاجتماعية للأسر الأكثر احتياجاً.

فالمشكلة، وفق خليل، لا تُعالج بملاحقة حالات العمل وحدها، بل بمعالجة الأسباب الاقتصادية والتعليمية التي تدفع الأطفال إليه.

3-حماية الأطفال من العمل المبكر.. خمسة التزامات

برامج للحماية.. ونتائج تحتاج إلى قياس

توضح سناء عواضة، المساعدة الاجتماعية في وزارة الشؤون الاجتماعية اللبنانية، في تصريح لـ«صفر»، أن الوزارة تتعامل مع الأطفال المعرضين للخطر من خلال المؤسسات المتعاقدة معها وبرامج إدارة الحالات التي يشرف عليها اختصاصيون لتقييم احتياجات الأطفال وأسرهم وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي.

وتشير إلى أن الأسر المستفيدة من برنامج «أمان» تحصل على مساعدات نقدية، إلى جانب دعم تعليمي وبرامج استدراكية تستهدف إعادة الأطفال المنقطعين إلى التعليم الأساسي.

أما الأطفال الأكبر سناً الذين يصعب إعادتهم إلى التعليم النظامي، فتوضح إمكانية توجيههم إلى التدريب المهني، ضمن الضوابط التي تحميهم من الأعمال الخطرة والاستغلال.

وتضيف أن نحو 12 إلى 13 ألف طفل من ذوي الإعاقة يستفيدون من المساعدات النقدية، مؤكدة أهمية التنسيق بين وزارات الشؤون الاجتماعية والتربية والعمل، وتخفيف الضغوط الاقتصادية عن الأسر.

لكن أعداد المستفيدين من برامج المساعدة العامة لا تكشف بالضرورة عدد الأطفال العاملين الذين عادوا إلى المدارس، أو مدى استمرارهم في التعليم بعد تلقي الدعم.

وهنا تظهر فجوة أساسية بين توفير الخدمات وقياس أثرها الفعلي في الحد من عمالة الأطفال.

العودة إلى المدرسة لا تكفي وحدها

يشير تقرير وزارة العمل الأميركية لعام 2024 إلى صعوبات تواجه التفتيش في أماكن العمل غير الرسمية، وعدم كفاية البرامج الاجتماعية قياساً بحجم التحديات.

ويرى أنس غيث، الخبير والمستشار في صون الطفل وحمايته وبناء البيئات الآمنة، في تصريح لـ«صفر»، أن إعادة الطفل إلى المدرسة لا تعني بالضرورة انتهاء خطر التسرب.

ويؤكد ضرورة توفير بيئة تعليمية شاملة تساعد الأطفال على تعويض الفاقد التعليمي والاندماج مجدداً، مع تقديم الدعم النفسي والاجتماعي ومتابعة أوضاعهم بصورة منتظمة.

ويربط غيث نجاح هذه التدخلات بتمكين الأسر اقتصادياً، من خلال فرص الدخل والتدريب المهني وإتاحة الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية، حتى لا يعود الطفل إلى العمل تحت ضغط الحاجة.

ويشدد على أن الحماية الحقيقية تستلزم متابعة طويلة الأمد لظروف الطفل ورفاهه، وتعزيز الروابط الأسرية والمجتمعية، بدلاً من الاكتفاء بمساعدة مؤقتة أو إعادة شكلية إلى مقاعد الدراسة.

الحق في التعليم يحتاج إلى ضمانات مستمرة

تكشف تجربة حسين أن الطفل قد يجد نفسه مسؤولاً عن تأمين طعام أسرته في عمر يفترض أن يكون فيه التعليم أولويته، وفي غياب بيانات وطنية حديثة ومفصلة، يصعب تحديد عدد الأطفال الذين انقطعوا عن الدراسة بسبب العمل، أو معرفة من وصلتهم برامج الحماية ومن ظلوا خارجها.

ولا تكتمل الاستجابة بتوفير مساعدات نقدية أو مقاعد دراسية وحدها، بل تتطلب ربط الدعم الاقتصادي للأسرة باستمرار تعليم الطفل، وتعزيز الرقابة على العمل الخطر، وتوفير مسارات آمنة لإعادة المنقطعين إلى المدارس. وتبقى المساءلة الأهم مرتبطة بنتائج هذه السياسات: كم طفلاً عاد إلى التعليم؟ وكم منهم بقي فيه بعد انتهاء المساعدة؟ وكم أسرة استطاعت الاستغناء عن دخل أطفالها؟

فحق حسين في التعليم لن يتحقق بمجرد فتح باب المدرسة أمامه، بل حين تصبح أسرته قادرة على تأمين احتياجاتها دون أن تضطر إلى إغلاق ذلك الباب في وجهه مرة أخرى.