في جنوب لبنان، لم يعد الأطفال ينتظرون أجراس المدارس أو عطلات الصيف، بل باتوا يعيشون على وقع صفارات الإنذار وأصوات الغارات والانفجارات، وبين القصف المتواصل والانهيار الاقتصادي والفقر والنزوح، تتحول طفولة آلاف اللبنانيين إلى رحلة يومية من الخوف والحرمان، وسط تحذيرات أممية وحقوقية متصاعدة من ضياع جيل كامل تحت وطأة العنف والأزمات المتشابكة.
وأعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف”، في بيان صدر من جنيف أن 11 طفلا يسقطون بين قتيل وجريح كل 24 ساعة في لبنان خلال الأسبوع الأخير فقط، نتيجة الغارات الإسرائيلية المتواصلة رغم إعلان وقف إطلاق النار في أبريل الماضي، بحسب ما نقلته وكالة رويترز، وأكد المتحدث باسم يونيسف ريكاردو بيريس أن المنظمة وثّقت خلال الأيام السبعة الماضية سقوط 77 طفلا بين قتيل وجريح، فيما بلغ إجمالي الضحايا الأطفال منذ بدء الهدنة 55 قتيلا و212 مصابا.
تصعيد يعصف بالمدنيين
ووفقا لوزارة الصحة اللبنانية، فقد شهد جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت خلال الأسابيع الأخيرة تصعيدا عسكريا واسعا، شمل غارات على بلدات مأهولة بالسكان ومبان سكنية ومناطق مدنية، وأكدت الوزارة أن الأطفال يشكّلون نسبة متزايدة من الضحايا المدنيين، مع اتساع رقعة الاستهداف واستمرار القصف رغم المساعي الدولية لاحتواء المواجهات.
وأشار مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” إلى أن العمليات العسكرية الأخيرة أدت إلى موجات نزوح جديدة داخل الجنوب اللبناني، حيث اضطرت آلاف العائلات إلى مغادرة منازلها، وأوضح المكتب الأممي أن الأطفال يمثلون نسبة كبيرة من النازحين الذين يعيشون حاليا في ظروف إنسانية صعبة داخل مراكز الإيواء أو لدى أقاربهم، وسط نقص في الغذاء والخدمات الأساسية والرعاية الصحية.
وأكدت منظمة إنقاذ الطفولة الدولية أن كثيرا من الأطفال النازحين يعانون من صدمات نفسية حادة بسبب مشاهد القصف وفقدان الأمان، فيما ينام عدد كبير منهم في مدارس أو مبانٍ غير مجهزة للإقامة الطويلة.
أزمة تتجاوز الحرب
لكن الحرب ليست سوى وجه واحد من معاناة الأطفال في لبنان، فمنذ الانهيار الاقتصادي الذي بدأ أواخر عام 2019، دخلت البلاد في واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية عالميا، بحسب البنك الدولي، الذي وصف الأزمة اللبنانية بأنها من بين أشد ثلاث أزمات مالية شهدها العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر.
وأكدت يونيسف في أحدث تقاريرها أن أكثر من 80 بالمئة من الأطفال في لبنان يعيشون حاليا في أسر تعاني من الفقر متعدد الأبعاد، فيما باتت آلاف العائلات عاجزة عن تأمين الغذاء والرعاية الصحية والتعليم.
وأظهرت بيانات برنامج الأغذية العالمي أن أكثر من نصف الأسر اللبنانية اضطرت إلى تقليص الوجبات الغذائية اليومية بسبب ارتفاع الأسعار والانهيار المستمر في القدرة الشرائية، كما أكدت المنظمة أن معدلات انعدام الأمن الغذائي بين الأطفال ارتفعت بصورة خطيرة خلال العامين الأخيرين.
وأشارت وزارة الشؤون الاجتماعية اللبنانية إلى أن الطلب على برامج المساعدات الغذائية والنقدية المخصصة للأطفال تضاعف عدة مرات منذ بداية الأزمة الاقتصادية، بينما تعاني المؤسسات الحكومية من ضعف التمويل وشلل الخدمات الأساسية.
تعليم على حافة الانهيار
ويواجه قطاع التعليم في لبنان انهيارا غير مسبوق انعكس بصورة مباشرة على الأطفال، فقد أكدت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة يونسكو أن مئات آلاف الأطفال معرضون لخطر التسرب المدرسي نتيجة الفقر والإضرابات المتكررة وتراجع قدرة الأسر على تحمل تكاليف التعليم والنقل.
وأوضحت وزارة التربية اللبنانية أن المدارس الرسمية عانت خلال السنوات الأخيرة من توقفات متكررة بسبب الإضرابات ونقص التمويل وتراجع قيمة رواتب المعلمين، ما تسبب في اضطراب العملية التعليمية بشكل مستمر.
كما وثّقت يونيسف ارتفاع معدلات عمالة الأطفال بصورة مقلقة، خاصة في المناطق الأكثر فقرا ومجتمعات النازحين، وأكدت المنظمة أن عددا متزايدا من الأطفال اضطروا إلى ترك الدراسة والعمل في مهن شاقة أو غير آمنة لمساعدة أسرهم على البقاء.
وتحذر منظمات حقوقية لبنانية من أن استمرار هذا الواقع سيؤدي إلى نشوء جيل محروم من التعليم والفرص الأساسية، ما يهدد الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي مستقبلا.
صدمة نفسية جماعية
ولا تقتصر معاناة الأطفال اللبنانيين على الخسائر الجسدية أو الفقر، بل تمتد إلى آثار نفسية عميقة قد تستمر لسنوات طويلة.
وأكدت منظمة الصحة العالمية أن الأطفال في مناطق النزاع أكثر عرضة للإصابة بالقلق والاكتئاب واضطرابات النوم والصدمات النفسية، خاصة عند التعرض المتكرر للقصف أو النزوح أو فقدان أفراد من الأسرة.
وأشارت منظمة إنقاذ الطفولة إلى أن كثيرين من أطفال جنوب لبنان يعيشون حالة خوف دائم بسبب أصوات الطائرات والانفجارات، فيما أظهرت فرق الدعم النفسي التابعة للمنظمة ارتفاعا كبيرا في أعراض الصدمة النفسية والسلوك العدواني والانطواء لدى الأطفال.
وقالت المنظمة إن بعض الأطفال أصبحوا غير قادرين على النوم بصورة طبيعية أو التركيز في الدراسة، بينما يعاني آخرون من نوبات هلع متكررة نتيجة الخوف المستمر من الغارات.
وتؤكد جمعيات لبنانية متخصصة في الصحة النفسية أن الخدمات المقدمة للأطفال لا تزال محدودة جدا مقارنة بحجم الأزمة، خاصة مع نقص التمويل وهجرة عدد كبير من الأطباء والأخصائيين النفسيين خارج البلاد.
العنف داخل المنازل
ومع تفاقم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، ارتفعت أيضا معدلات العنف الأسري ضد الأطفال، بحسب تقارير محلية ودولية.
وأكدت منظمة الأمم المتحدة للطفولة أن الضغوط المعيشية الحادة أدت إلى ارتفاع ملحوظ في مستويات التوتر داخل الأسر اللبنانية، ما تسبب في زيادة العنف الجسدي والنفسي ضد الأطفال.
كما أظهرت تقارير منظمة كفى اللبنانية ومنظمات حماية الطفل ارتفاع البلاغات المتعلقة بالإيذاء الأسري والاستغلال والزواج المبكر وعمالة الأطفال منذ بداية الانهيار الاقتصادي.
وحذّرت هذه المنظمات من أن الأطفال في البيئات الفقيرة والنازحة هم الأكثر عرضة للاستغلال والانتهاكات، في ظل ضعف شبكات الحماية الاجتماعية وتراجع قدرة الدولة على التدخل.
انتهاكات وقانون دولي
وأكدت منظمة هيومن رايتس ووتش أن القانون الدولي الإنساني يفرض على جميع أطراف النزاع حماية المدنيين، وخاصة الأطفال، ويحظر الهجمات العشوائية أو غير المتناسبة التي تستهدف المناطق السكنية.
كما شددت منظمة العفو الدولية على ضرورة إجراء تحقيقات مستقلة في الهجمات التي أسفرت عن سقوط أطفال، ومحاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات محتملة للقانون الدولي.
وأشارت لجنة حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة إلى أن لبنان، بوصفه طرفا في اتفاقية حقوق الطفل، ملزم بضمان حماية الأطفال من العنف وتوفير التعليم والرعاية الصحية والحماية الاجتماعية لهم حتى في أوقات النزاعات.
كما أكدت المفوضية السامية لحقوق الإنسان أن استمرار استهداف المدنيين وتعريض الأطفال للخطر يمثل انتهاكا خطيرا للمعايير الدولية المتعلقة بحماية الطفولة أثناء النزاعات المسلحة.
أطفال اللاجئين في دائرة الخطر
وتزداد الأزمة تعقيدا بالنسبة للأطفال اللاجئين السوريين في لبنان، الذين يعيش كثير منهم في مخيمات ومناطق فقيرة تفتقر إلى الخدمات الأساسية.
ووفقا للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، يستضيف لبنان أكثر من مليون لاجئ سوري، يشكل الأطفال نسبة كبيرة منهم. وأكدت المفوضية أن الأطفال اللاجئين يواجهون مخاطر مضاعفة تشمل الفقر والتسرب المدرسي وعمالة الأطفال والزواج المبكر وسوء التغذية.
كما أشارت تقارير أممية إلى أن الأسر اللاجئة غالبا ما تكون الأكثر تضررا من ارتفاع الأسعار وانهيار الخدمات، ما يدفع الأطفال إلى العمل أو التسول أو التخلي عن التعليم.
فشل الاستجابة الدولية
ورغم التحذيرات المتكررة، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية للأزمة اللبنانية ما تزال أقل بكثير من الاحتياجات الفعلية.
وأوضح مكتب أوتشا أن خطط الاستجابة الإنسانية في لبنان تعاني من فجوات تمويلية كبيرة، ما يحد من قدرة المنظمات على توفير الغذاء والرعاية الصحية والدعم النفسي للأطفال والأسر المتضررة.
كما حذّرت يونيسف من أن استمرار نقص التمويل قد يؤدي إلى تقليص برامج التغذية والتعليم والحماية، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الإنسانية بوتيرة متسارعة.
وقالت المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة إن تداخل التصعيد العسكري مع الانهيار الاقتصادي الحاد في لبنان أدى إلى تفاقم المخاطر التي يتعرض لها الأطفال، خاصة في مجالات الحماية والتعليم والصحة والدعم النفسي، وسط تراجع قدرة المؤسسات الرسمية على الاستجابة للاحتياجات الإنسانية المتزايدة.
أزمات متكررة
ومنذ الحرب الأهلية اللبنانية بين عامي 1975 و1990، عاش لبنان موجات متكررة من الصراعات السياسية والعسكرية التي انعكست بصورة مباشرة على الأطفال والبنية الاجتماعية. وشهد البلد مواجهات متكررة مع إسرائيل، أبرزها حرب يوليو 2006، إضافة إلى تداعيات الحرب السورية والانهيار الاقتصادي غير المسبوق منذ عام 2019.
لكن الأزمة الحالية تبدو الأكثر تعقيدا، لأنها تجمع بين الحرب والانهيار المالي والشلل السياسي وتراجع الخدمات الأساسية في وقت واحد.
وتؤكد الأمم المتحدة أن الأطفال اللبنانيين باتوا اليوم من بين أكثر الفئات هشاشة في المنطقة، وسط مخاوف متزايدة من أن يتحول العنف والفقر والحرمان إلى واقع دائم يطبع مستقبل جيل كامل لم يعرف الاستقرار منذ سنوات طويلة.

