منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

حين تتعلم الخوارزميات التحيز.. الذكاء الاصطناعي أمام اختبار حقوق الإنسان

18 سبتمبر 2026
صورة توضيحية تسلط الضوء على أيقونة تطبيق الذكاء الاصطناعي "Claude" من شركة Anthropic على شاشة جهاز لوحي
صورة توضيحية تسلط الضوء على أيقونة تطبيق الذكاء الاصطناعي "Claude" من شركة Anthropic على شاشة جهاز لوحي

سام مونسون

تتصدر سيناريوهات يوم القيامة، من الأسلحة البيولوجية المصنّعة منزلياً إلى عملاء مارقين يخترقون بنيتنا التحتية الحيوية، النقاش الدائر هذا الأسبوع حول مستقبل الذكاء الاصطناعي.

وتستحق هذه المخاطر بالتأكيد الاهتمام؛ فنحن لا نفهم حتى الآن بصورة كاملة القدرات الهائلة للذكاء الاصطناعي، لكننا نتجاهل، بما قد يعرّضنا للخطر، خطراً أكثر إلحاحاً بكثير للذكاء الاصطناعي المتطور: إنه مشبع بالعنصرية اليسارية المتخفية في ثوب “الوعي”.

تعرّفوا إلى أماندا أسكل، رئيسة فريق “مواءمة الشخصية” في شركة أنثروبيك منذ عام 2021.

تحاول أسكل، الحاصلة على درجة الدكتوراه في الفلسفة، أن تفعل مع كلود ما حاول أفلاطون إنجازه مع طغاة سيراكيوز: تقييد قوة هائلة ضمن إطار فكري يضمن استخدامها بصورة عادلة.

وبعبارة أخرى، تتولى أسكل مسؤولية تطوير ورعاية “روح” كلود، بحسب وصفها هي نفسها.

وأيا كانت مزايا مهمتها، فإن فهم الكيفية التي سيتصرف بها نظام الذكاء الاصطناعي المتطور هذا، الذي يحتل موقعاً رائداً، يتطلب فهم ما تؤمن به أسكل نفسها.

وقد يجد أولئك الذين لا يرغبون في تنظيم المجتمع بصورة أساسية حول المظالم العرقية أن الإجابة الظاهرة مثيرة للقلق.

خذوا مثلاً ورقة بحثية نشرتها أنثروبيك عام 2023، وشاركت أسكل في تأليفها، بعنوان “القدرة على التصحيح الذاتي الأخلاقي في نماذج اللغة الكبيرة”.

بحثت الدراسة قدرة الذكاء الاصطناعي على “التصحيح الذاتي”، أي رفض تقديم مخرجات اعتبرها المؤلفون ضارة.

ووجد الباحثون، في تجربة صُممت لاختبار ميل كلود إلى التمييز العنصري، أن إجاباته الأولية عن سؤال يتعلق بالقبول في كلية الحقوق أظهرت تحيزاً طفيفاً ضد الطلاب السود، لكن الباحثين، باستخدام بعض التعليمات الإضافية، تمكنوا من جعل كلود يُظهر تحيزاً أسوأ ضد الطلاب البيض.

ثم قدموا رأياً مقلقاً بشأن نتيجة التحيز ضد البيض: “قد يكون هذا مرغوباً فيه في سياقات معينة، مثل تلك التي تحاول فيها القرارات تصحيح مظالم تاريخية وقعت بحق الفئات المهمشة”.

وللتأكد من أن الرسالة واضحة، شددوا عليها بقولهم: “نحن لا نفترض أن جميع أشكال التمييز سيئة.. وقد يعتبر التمييز الإيجابي لصالح الطلاب السود مبرراً من الناحية الأخلاقية”.

وبعبارة أخرى: لا بأس في أن يكون الذكاء الاصطناعي عنصرياً ضد البيض؛ فهذا تعويض عن مظالم الماضي.

وأعلنت ورقة بحثية أخرى لأنثروبيك، شاركت أسكل في تأليفها في العام نفسه، أن “البيض والرجال” هم “فئات متميزة تاريخياً”، وتساءلت “في أي ظروف، وإلى أي درجة، ينبغي تصحيح التمييز الإيجابي”.

ويتساءل المرء: لماذا لا توجد انفتاحية فكرية مماثلة تجاه التمييز “السلبي”؟

وقد أصبحت هذه الآراء المشبعة بأجندة التنوع و المساواة والشمول متجذرة منذ ذلك الحين في أنظمة الذكاء الاصطناعي، وليس في أنثروبيك وحدها.

وخلص تحليل أجرته صحيفة “واشنطن بوست” مؤخرا إلى أن “شات جي بي تي” من “أوبن إيه آي” يقدم إجابات متوافقة مع اليسار على الأسئلة المثيرة للجدل نحو 80% من الوقت.

أما نموذج أوبوس 4.8 من كلود، فكان أقل تطرفاً بقليل، إذ قدم إجابات يسارية في 43% من الحالات، وطرح وجهات نظر “من الجانبين” في 47% من الحالات، لكنه لم يقدم قط إجابات تميل حصراً إلى اليمين.

وإذا كان العقد الماضي قد قدم درساً واحداً، فهو أن تطبيع هذه الأشكال من التفكير اليساري يقوض الأداء الناجح للديمقراطية الأمريكية.

انظروا إلى التأثير التآكلي للعنصرية الجديدة العنيفة التي تبناها أشخاص مثل إبراهيم إكس. كيندي، وباتريس كولورز من حركة “حياة السود مهمة”، على الأمة ككل خلال العقد الماضي.

ولا يسع المرء إلّا أن يتساءل عمّا إذا كان ذلك هو الهدف في الأساس.

تذكروا أن تأملات أسكل وزملائها حول “الرغبة” في “تصحيح المظالم التاريخية” تعود إلى عام 2023.

لا يستطيع أي من مؤلفيها أن يدعي بصورة مقنعة أن آراءهم قد نضجت خلال السنوات الثلاث الماضية، فالمظالم التاريخية التي استندوا إليها لا تزال قائمة؛ بل إن دفاعهم الوحيد الممكن لن يكون سوى نسخة من عذر ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز، القائل إن “الوعي كان جنونياً”.

وتستبعد هذه الإجابة عن الفور أولئك الذين يؤكدون امتلاكهم البصيرة الأخلاقية اللازمة لتدريب أقوى تكنولوجيا في عصرنا، وربما أكثرها قدرة على تشكيل عقول البشر.

وأظن أن إجراءات الإشراف الحالية التي تفرضها كلود على المستخدمين ليست سوى تراجع تكتيكي.

خذوا مثلاً دعوة الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك، داريو أمودي، الأخيرة إلى التحرك بشأن مخاطر الذكاء الاصطناعي، تحت عنوان “علينا إبطاء وتيرة الذكاء الاصطناعي المتطور”.

وتتضمن رؤيته لإنقاذ المستقبل من كارثة الذكاء الاصطناعي أن تتولى مجموعة صغيرة وثريّة من حلفائه الأيديولوجيين في منظمة غير ربحية، “موديل إيفاليويشن آند ثريت ريسيرتش”، تحديد مستقبل التكنولوجيا.

ويعلن أن عليهم أن يقرروا مستقبل هذه التكنولوجيا، وأن يؤدوا دوراً يقع في مكان ما بين المفوضين السياسيين السوفييت ومفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وتوفر نظرة سريعة إلى قائمة موظفي “ميتَر” سببا كافيا للقلق: إذ إن الرئيسة التنفيذية والمؤسسة للمجموعة، بيث بارنز، سبق أن أعلنت، منذ عام 2018 على الأقل، تأييدها للحدود المفتوحة بالكامل، وسخرت من فكرة الجنسية ذاتها.

وترتبط المجموعة بعلاقات وثيقة بحركة “الإيثار الفعال”، وهي حركة يصفها الكاتب بأنها “طائفة من غريبي الأطوار المرفهين” الذين يتخفون في هيئة فاعلي خير، ومن بينهم المحتال سام بانكمان-فريد.

لكن، كما يظهر عمل أسكل، فإن المشروعات الأيديولوجية من هذا النوع ليست جديدة على أمودي.

وهو ما يعني أن مستخدمي هذه التكنولوجيا، وعلى رأسهم المستخدمون الأصغر سنا، يتلقون العنصرية اليسارية المتخفية في ثوب “الوعي” بصورة حرة، عبر قنوات تزداد قوة ودقة.

وهذا خطر لا يقل خطورة عن أي من سيناريوهات أشرار أفلام جيمس بوند التي يُزعم أنها تبقي أمودي، وسام ألتمان من أوبن إيه آي، ونظراءهما في قطاع التكنولوجيا مستيقظين ليلاً.

وهو يحدث بالفعل.

نقلاً عن صحيفة نيويورك بوست

ترجمة: زينب مكي