منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

نزيف الكفاءات العربية.. من يدفع ثمن هجرة الأطباء والمهندسين والعلماء؟

20 أغسطس 2026
هجرة الكفاءات العربية
هجرة الكفاءات العربية

حين تتحول الشهادة الجامعية والخبرة المهنية إلى تذكرة سفر، لا تخسر الدول العربية موظفاً أو طبيباً أو مهندساً فقط، بل تفقد سنوات من التعليم والتدريب والاستثمار في الإنسان، وفي المقابل، لا تعني الهجرة دائماً خسارة صافية؛ إذ يمكن للكفاءات العربية في الخارج أن تتحول إلى مصدر للتحويلات والاستثمار ونقل المعرفة وبناء شبكات علمية ومهنية عابرة للحدود، وبين هذين الوجهين، تكشف الأرقام أن هجرة الكفاءات العربية أصبحت نتيجة لتشابك البطالة وضعف الفرص وتفاوت الأجور والأزمات الاقتصادية والسياسية والصراعات، أكثر من كونها مجرد اختيار فردي لتحسين مستوى المعيشة.

أوضحت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن دول جنوب المتوسط تشهد ضغوطاً متزايدة للهجرة نتيجة ارتفاع معدلات بطالة الشباب وعدم التوافق بين مؤهلات المتعلمين واحتياجات أسواق العمل، بالتزامن مع انتقال دول الخليج إلى استقطاب مزيد من أصحاب المهارات المتوسطة والعالية، وقالت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إن عدد المهاجرين من دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى دول مجلس التعاون الخليجي ارتفع من نحو 1.4 مليون عام 2000 إلى 3.9 مليون عام 2024، في حين ارتفع عدد المصريين في دول الخليج من نحو 1.2 مليون عام 1990 إلى 3.2 مليون عام 2024.

وبيّنت منظمة العمل الدولية أن سوق العمل العربي يواجه ضغطاً كبيراً يدفع قطاعات من الشباب المتعلم إلى البحث عن فرص خارج الحدود؛ إذ بلغ معدل بطالة الشباب في الدول العربية 27.7% عام 2025، مقابل 12.8% عالمياً، في حين ارتفع معدل بطالة الشابات العربيات إلى 39.3%. وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة في منطقة تضم أكثر من 110 ملايين شاب وشابة بين 15 و29 عاماً، أي نحو 30% من السكان، بحسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

ولفتت الأمم المتحدة إلى أن الهجرة الدولية وصلت إلى مستوى تاريخي؛ إذ بلغ عدد المهاجرين الدوليين نحو 304 ملايين شخص في منتصف 2024، وفق أحدث تقديرات منظمة الهجرة الدولية، في حين أظهرت بيانات الأمم المتحدة أن مخزون المهاجرين يتفاوت بصورة كبيرة بين الدول العربية، مع تسجيل السعودية نحو 13.7 مليون مهاجر دولي في 2024، والإمارات نحو 8.2 مليون، وقطر نحو 2.3 مليون، في حين بلغ عدد المهاجرين في لبنان نحو 1.4 مليون. وتعكس هذه الأرقام ضخامة سوق العمل الإقليمي الذي يستقبل الكفاءات العربية إلى جانب العمالة الأخرى.

الأزمة ليست رقماً واحداً

أظهر تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن اتجاهات الهجرة أن نسبة المهاجرين المولودين خارج دول المنظمة والحاصلين على تعليم جامعي ارتفعت من 28% عام 2000/2001 إلى 38% في 2020/2021، في مؤشر على تزايد الوزن التعليمي للكفاءات ضمن حركة الهجرة الدولية، وأكدت المنظمة أن معدلات الهجرة بين ذوي التعليم العالي أصبحت من المؤشرات الأساسية لقياس استنزاف رأس المال البشري، مع وجود فروق كبيرة بين الدول والمهن ومراحل الهجرة.

وأوضحت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة أن قضية استبقاء الكفاءات العربية ليست جديدة، فقد نصت الاتفاقية العربية المنقحة للاعتراف بالدراسات والشهادات والدرجات العلمية على ضرورة توفير بيئة محفزة للأساتذة والباحثين تحترم الحرية الأكاديمية واستقلال المؤسسات التعليمية، بهدف الحد من هجرة العقول من الدول العربية. كما دعت الاتفاقية إلى تسهيل انتقال الأكاديميين والباحثين والاعتراف بالمؤهلات وتيسير إعادة اندماج العائدين.

الهجرة الطبية الأكثر حساسية

أكدت منظمة الصحة العالمية أن هجرة العاملين الصحيين يمكن أن تضعف الأنظمة الصحية عندما تستنزف الدول التي تعاني أصلاً من نقص في الكوادر، ولذلك وضعت المنظمة قائمة دعم وضمانات تضم 55 دولة تعاني أكثر أزمات القوى العاملة الصحية إلحاحاً، بينها ست دول في إقليم شرق المتوسط هي أفغانستان وجيبوتي وباكستان والصومال والسودان واليمن، وتشترط القائمة انخفاض كثافة الأطباء والتمريض والقبالة عن المتوسط العالمي البالغ 49 عاملاً صحياً لكل 10 آلاف نسمة، إلى جانب انخفاض مؤشر تغطية الخدمات الصحية الشاملة.

وكشفت منظمة الصحة العالمية أن تجنيد العاملين الصحيين من الدول منخفضة ومتوسطة الدخل لتغطية النقص في الدول الغنية قد يؤدي، إذا جرى من دون ضوابط، إلى تعميق الاختلالات في الدول المصدرة، في حين أكدت أن الهجرة المنظمة يمكن أن تحقق مكاسب مشتركة عندما ترتبط بتخطيط القوى العاملة والاستثمار في التعليم وظروف العمل والاتفاقات الثنائية. وأكدت المنظمة في تقريرها عن تمريض العالم 2025 أن الاستثمار المستدام في التعليم والوظائف وتحسين ظروف العمل يمثل أحد الأدوات الأساسية لإدارة الهجرة الدولية للتمريض والحد من آثار النقص.

وأظهرت دراسة منشورة في مجلة خدمات الصحة البريطانية حول لبنان أن الأزمة الاقتصادية منذ 2019 تسببت في نزيف واضح للقطاع الطبي؛ إذ أفادت بيانات نقابة الأطباء اللبنانية بخروج نحو 3,500 طبيب من البلاد حتى 2022، في حين غادر نحو 400 طبيب خلال 2021 وحده، وأدى ذلك إلى فجوات في تخصصات دقيقة مثل التخدير والأشعة التداخلية والجراحة الترميمية. وقالت منظمة الصحة العالمية في ديسمبر 2024 إن آلاف العاملين الصحيين اللبنانيين نزحوا أو هاجروا، في حين كانت المستشفيات تعاني نقصاً في الكوادر والقدرة التشغيلية.

الأزمات تدفع إلى الرحيل

أوضحت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن ضعف قدرة اقتصادات جنوب المتوسط على خلق وظائف تتناسب مع ارتفاع أعداد خريجي الجامعات يمثل عاملاً أساسياً في استمرار ضغوط الهجرة، في حين أسهمت الإصلاحات الاقتصادية والتحولات التقنية ومشروعات الطاقة الجديدة في دول الخليج في رفع الطلب على المهارات المتخصصة، خصوصاً في الهندسة وتكنولوجيا المعلومات والمالية والتعليم والرعاية الصحية. وبذلك أصبحت المنطقة تشهد حركة مزدوجة بين دول عربية تخسر جزءاً من كفاءاتها، ودول عربية أخرى تستقطبها لتلبية احتياجات اقتصاداتها المتنامية.

وأضافت الأمم المتحدة أن النزاعات والأزمات الممتدة تزيد هذه المشكلة تعقيداً؛ لأن خروج الكفاءات من الدول المتضررة لا يرتبط فقط بالأجر أو المسار المهني، بل أحياناً بالحاجة إلى حماية الأسرة وتأمين التعليم والخدمات الصحية والاستقرار.

الخسارة التي لا تظهر في الحسابات

أوضحت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة أن خسارة الكفاءات لا تقتصر على تكلفة إعداد الطبيب أو المهندس أو الباحث، وإنما تمتد إلى فقدان الإنتاج العلمي والخبرة المؤسسية والقدرة على تدريب الأجيال الجديدة. وتكتسب هذه الخسارة وزناً أكبر عندما يغادر أصحاب التخصصات الدقيقة التي تحتاج الدول سنوات طويلة لإعداد بدائل محلية لها. ولهذا ربطت الاتفاقية العربية للتعليم العالي بين تحسين جودة البيئة الأكاديمية والحد من هجرة العقول وتعزيز عودة الباحثين والكفاءات.

وبيّنت منظمة الصحة العالمية أن نقص البيانات يمثل تحدياً رئيسياً أمام قياس حجم الهجرة الصحية وتأثيرها الفعلي، وهو ما ينطبق بدرجات مختلفة على ظاهرة هجرة الكفاءات العربية عموماً؛ فلا توجد حتى الآن قاعدة بيانات عربية موحدة ومحدثة تقيس عدد الأطباء والمهندسين والعلماء والباحثين الذين غادروا بلدانهم، ونسبة من استقروا نهائياً، ومن عادوا، وقيمة الاستثمارات الحكومية التي أنفقت على تعليمهم. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن تحسين جمع البيانات جزء أساسي من إدارة هجرة العاملين الصحيين بصورة عادلة وفعالة.

مكاسب بالمليارات

فيما يتعلق بمكاسب الهجرة أظهر البنك المركزي المصري أن تحويلات المصريين العاملين بالخارج سجلت مستوى قياسياً بلغ نحو 41.5 مليار دولار خلال عام 2025، بزيادة 40.5% عن نحو 29.6 مليار دولار في 2024. كما بلغت التحويلات نحو 43.1 مليار دولار خلال الفترة من يوليو 2025 إلى مايو 2026، بزيادة 31.2% على أساس سنوي، وتوضح هذه الأرقام أحد أهم المكاسب المباشرة للهجرة بالنسبة إلى الدول العربية؛ إذ تتحول أجور العاملين في الخارج إلى مصدر للعملة الأجنبية ودعم دخل الأسر وتمويل الاستهلاك والتعليم والسكن والاستثمار.

وأوضحت الأمم المتحدة أن مساهمة المهاجرين لا تتوقف عند التحويلات المالية؛ إذ يمكن للجاليات أن تنقل المعرفة والمهارات والاستثمارات والعلاقات التجارية إلى دول المنشأ. وينص الهدف 19 من الميثاق العالمي للهجرة على تعظيم إسهامات المهاجرين والجاليات، ومنها تسهيل العمل والاستثمار ونقل المعرفة والمهارات بين دول الأصل والمقصد، في حين يدعو الهدف 20 إلى جعل تحويلات المهاجرين أسرع وأكثر أماناً وأقل تكلفة.

العودة من نزيف إلى مكسب

أكدت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن الهجرة قد تحقق مكاسب تنموية من خلال التحويلات واستثمارات الجاليات، لكنها في الوقت نفسه يمكن أن تقلل عرض العمالة والمهارات في الأسواق المحلية. ويعني ذلك أن أثر الهجرة لا يتحدد بعدد المغادرين وحده، بل بمدى قدرة الدولة على تحويل الاغتراب إلى شراكة معرفية واقتصادية، عبر برامج للعودة المؤقتة والدائمة، والمشروعات المشتركة، والتعليم عن بعد، وربط الباحثين والمهندسين والأطباء في الخارج بالمؤسسات الوطنية.

وقالت الأمم المتحدة في أحدث نقاشاتها حول الميثاق العالمي للهجرة خلال فبراير 2026 إن سياسات الهجرة الفعالة تحتاج إلى مسارين متوازيين: توسيع قنوات الهجرة النظامية، والاستثمار في التعليم والمهارات وخلق وظائف لائقة في بلدان المنشأ. ويضع هذا التوجه قضية هجرة العقول في إطار أوسع من فكرة منع الرحيل، بحيث يصبح الهدف معالجة العوامل التي تجعل الهجرة ضرورة بدلاً من أن تكون خياراً مهنياً طبيعياً.

الحق في الهجرة وحق الدولة في التنمية

أكد مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان أن القانون الدولي لحقوق الإنسان لا يمنح الدول حقاً مطلقاً في منع مواطنيها من المغادرة؛ فالمادة 13 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تقر حق كل شخص في مغادرة أي بلد، حتى بلده، والعودة إليه. كما تنص المادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على الحق في مغادرة أي بلد، مع السماح بقيود محددة يقررها القانون وتكون ضرورية لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو حقوق الآخرين.

وأوضحت الأمم المتحدة أن الميثاق العالمي للهجرة المعتمد عام 2018 لا يمثل معاهدة ملزمة، لكنه يوفر إطاراً للتعاون الدولي يقوم على حقوق الإنسان والسيادة الوطنية وتحسين إدارة الهجرة وتعظيم إسهامات المهاجرين في التنمية. ويشدد الميثاق على معالجة العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تدفع الناس إلى مغادرة بلدانهم، وعلى الاعتراف بالمهارات ونقلها والاستفادة من إسهامات الجاليات.

المعادلة العربية الصعبة

تكشف المعطيات المتاحة أن هجرة العقول العربية ليست خسارة خالصة ولا مكسباً صافياً، فهي تمنح ملايين الأفراد فرصة للوصول إلى أجور عليا وتدريب أفضل واستقرار أكبر، وتوفر لبلدان المنشأ تحويلات مالية وشبكات استثمار ومعرفة، لكنها تصبح نزيفاً عندما تفقد الدول أصحاب التخصصات النادرة من دون قدرة على تعويضهم أو استعادة خبراتهم.

ويظهر التحدي الأكبر في الدول التي تواجه أزمات اقتصادية أو حروباً، حيث يمكن لخروج الكفاءات أن يتزامن مع انهيار الخدمات التي تحتاج أصلاً إلى هؤلاء المتخصصين.

وتشير البيانات الحديثة إلى أن معالجة الظاهرة لا تتطلب إغلاق الحدود أمام الكفاءات، بل بناء بيئة تجعل البقاء والعودة خياراً قابلاً للحياة، من خلال تحسين الأجور وظروف العمل، وتوسيع فرص البحث العلمي، وحماية الاستقلال الأكاديمي، وربط التعليم باحتياجات الاقتصاد، وإنشاء قواعد بيانات دقيقة للكفاءات المهاجرة، وتطوير برامج تستفيد من خبرات الجاليات.

وتنسجم هذه المقاربة مع توصيات منظمة الصحة العالمية بشأن القوى العاملة الصحية، ومع اتفاقية اليونسكو العربية، ومع أهداف الميثاق العالمي للهجرة، بحيث تتحول حركة العقول من مسار أحادي الاتجاه إلى دائرة مستمرة من التعلم والعمل والاستثمار ونقل المعرفة بين الداخل والخارج.