منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

نزيف الكفاءات يضغط على اقتصاد نيوزيلندا وسط موجة هجرة غير مسبوقة

15 يونيو 2026
نيوزيلندا
نيوزيلندا

تواجه نيوزيلندا واحدة من أكبر موجات هجرة الكفاءات في تاريخها الحديث، مع تزايد أعداد الشباب والمتخصصين الذين يغادرون البلاد بحثاً عن فرص أفضل في الخارج، وتتصدر أستراليا قائمة الوجهات المفضلة للمهاجرين النيوزيلنديين، في ظاهرة أعادت إلى الواجهة النقاش حول قدرة البلاد على الاحتفاظ بمواهبها وكوادرها المؤهلة.

واستندت المخاوف المتصاعدة إلى أحدث بيانات هيئة الإحصاء النيوزيلندية “ستاتس نيوزيلندا”، التي أظهرت تسجيل خسارة صافية بلغت 47.1 ألف مواطن نيوزيلندي خلال عام 2024.

ويعد هذا الرقم الأعلى على الإطلاق في سنة تقويمية كاملة، كما غادر نحو 72 ألف مواطن نيوزيلندا خلال العام نفسه، مقابل عودة 24.9 ألفاً فقط.

أرقام قياسية

تكشف البيانات الرسمية عن اتساع حجم الظاهرة بصورة لافتة، وسجلت نيوزيلندا خسارة صافية بلغت 30 ألف شخص لصالح أستراليا خلال عام 2024 وحده. وغادر 47.3 ألف شخص نيوزيلندا متجهين إلى أستراليا، بينما انتقل 17.3 ألف شخص فقط في الاتجاه المعاكس.

وأكدت هيئة الإحصاء النيوزيلندية أن المواطنين النيوزيلنديين شكلوا القوة الرئيسية وراء هذه الهجرة. وبلغت نسبتهم 85 بالمئة من إجمالي المغادرين إلى أستراليا خلال عام 2024.

وتظهر الأرقام أن أكثر الفئات مشاركة في هذه الهجرة تنتمي إلى الأعمار الشابة. وشكلت الفئة العمرية بين 20 و39 عاماً نحو 51 بالمئة من إجمالي المواطنين النيوزيلنديين الذين غادروا البلاد خلال عام 2024.

جاذبية خاصة

تتمتع أستراليا بجاذبية خاصة بالنسبة للنيوزيلنديين منذ عقود. غير أن الفجوة الاقتصادية المتزايدة بين البلدين عززت هذه الجاذبية خلال السنوات الأخيرة.

وفقا لتحليل نشرته صحيفة “الغارديان” البريطانية، تمثل الرواتب الأعلى أحد أبرز عوامل الجذب، كما توفر أستراليا سوق عمل أكبر وأكثر تنوعاً مقارنة بنيوزيلندا. وتتيح قطاعات مثل التكنولوجيا والهندسة والرعاية الصحية فرصاً مهنية أوسع ومسارات أسرع للتقدم الوظيفي.

ويستفيد المواطنون النيوزيلنديون أيضاً من تسهيلات قانونية فريدة، إذ تسمح الترتيبات القائمة بين البلدين للنيوزيلنديين بالعمل والإقامة في أستراليا بسهولة نسبية مقارنة بمهاجرين من دول أخرى، كما سهلت كانبيرا خلال السنوات الأخيرة حصول المقيمين النيوزيلنديين على الجنسية الأسترالية.

ضغوط اقتصادية داخلية

تزامنت موجة الهجرة مع تحديات اقتصادية متزايدة داخل نيوزيلندا. وواجهت البلاد تباطؤاً اقتصادياً خلال الأعوام الأخيرة، إلى جانب ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع فرص العمل في بعض القطاعات.

وأشارت تقارير اقتصادية إلى أن ارتفاع أسعار السكن والمواد الأساسية شكل ضغطاً كبيراً على الشباب والأسر حديثة التكوين، كما دفعت إجراءات خفض الإنفاق الحكومي وتسريح موظفين في بعض المؤسسات العامة كثيرين إلى البحث عن فرص خارج البلاد.

وأظهرت بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن متوسط الأجور في أستراليا يتجاوز نظيره في نيوزيلندا، ما يعزز جاذبية سوق العمل الأسترالية أمام الكفاءات النيوزيلندية.

هجرة الأدمغة أم هجرة الفرص؟

لا تقتصر الظاهرة على العمالة العادية فقط، بل تشمل أصحاب المهارات والخبرات العالية. ويثير ذلك مخاوف بشأن فقدان قطاعات حيوية لكفاءات يصعب تعويضها سريعاً.

وتعتمد نيوزيلندا على العمالة الماهرة في مجالات التكنولوجيا والطب والهندسة والتعليم. ويؤدي خروج أعداد متزايدة من هذه الفئات إلى زيادة الضغوط على المؤسسات والشركات المحلية.

وتشير بيانات هيئة الإحصاء إلى أن أكثر من نصف المغادرين ينتمون إلى الفئات العمرية المنتجة اقتصادياً. ويعني ذلك أن البلاد تخسر شريحة تمثل العمود الفقري لسوق العمل والإنتاج والابتكار.

حتى أرديرن غادرت

أعادت رئيسة الوزراء السابقة جاسيندا أرديرن النقاش حول هذه القضية بعد انتقالها للإقامة والعمل في أستراليا. وأصبحت أرديرن أبرز شخصية عامة تنضم إلى موجة الانتقال عبر بحر تاسمان خلال الفترة الأخيرة.

ورغم أن انتقالها ارتبط بظروف مهنية وشخصية، فإن الخطوة حملت دلالات رمزية واسعة داخل نيوزيلندا. وأعادت خطوة أرديرن النقاش العام حول موجة انتقال النيوزيلنديين إلى أستراليا، بعدما سجلت البلاد أعلى خسارة صافية للمواطنين في تاريخها الحديث وفق بيانات هيئة الإحصاء النيوزيلندية.

تحديات المستقبل

تواجه الحكومة النيوزيلندية معضلة معقدة. فمن جهة تحتاج البلاد إلى الحفاظ على الكفاءات المحلية، ومن جهة أخرى تعتمد على الهجرة الدولية لتعويض النقص في بعض القطاعات.

ورغم أن نيوزيلندا سجلت مكاسب صافية من المهاجرين الأجانب خلال السنوات الأخيرة، فإن فقدان المواطنين المهرة يثير مخاوف مختلفة عن تلك المرتبطة بالأرقام الإجمالية للهجرة.

وأشار تقرير صادر عن بنك الاحتياطي النيوزيلندي إلى أن فقدان العمالة الماهرة يمثل تحدياً لسوق العمل والإنتاجية، خاصة في القطاعات التي تعاني نقصاً في الكفاءات.

عرفت نيوزيلندا موجات متكررة من الهجرة إلى أستراليا خلال العقود الماضية بسبب الروابط التاريخية والاقتصادية بين البلدين، وتظهر بيانات هيئة الإحصاء النيوزيلندية أن صافي الخسارة السنوية لصالح أستراليا بلغ نحو 30 ألف شخص في عام 2024، وهو مستوى قريب من المعدلات المرتفعة المسجلة خلال العقد الأول من الألفية الحالية، كما توجه 58 بالمئة من المواطنين النيوزيلنديين الذين غادروا البلاد إلى أستراليا خلال عام 2024.

وتؤكد البيانات أن الشباب بين 20 و39 عاماً يشكلون الفئة الأكبر بين المهاجرين، ما يجعل قضية هجرة الأدمغة إحدى أبرز التحديات الديموغرافية والاقتصادية التي تواجه نيوزيلندا حالياً.