أعاد حلول الذكرى السبعين لإصدار مجلة الأحوال الشخصية في تونس فتح ملف قانوني واجتماعي يتجاوز حدود الزواج إلى أسئلة أوسع عن مكانة المرأة، وتغير بنية الأسرة، وتأخر سن الزواج، وانخفاض الخصوبة، وتسارع الشيخوخة السكانية.
ففي 13 أغسطس 1956، وبعد أشهر قليلة من استقلال البلاد، صدر قانون وضع حداً لتعدد الزوجات وأرسى قواعد جديدة للزواج والطلاق والأسرة، قبل أن يدخل حيز التنفيذ في الأول من يناير 1957.
وأكدت وزارة العدل التونسية أن المجلة شكّلت أحد أبرز التشريعات التي صدرت في أعقاب الاستقلال، ونصت إلى جانب منع التعدد على اشتراط رضا الزوجين لصحة الزواج، وتحديد سن قانونية للزواج، وإقرار الطلاق أمام القضاء.
قرار مفصلي
أوضح الفصل 18 من مجلة الأحوال الشخصية أن تعدد الزوجات محظور في تونس، وقرر عقوبة تصل إلى السجن لمدة عام والغرامة أو إحدى العقوبتين لمن يعقد زواجاً ثانياً قبل إنهاء الزواج الأول، كما امتدت العقوبات إلى حالات محددة من التحايل على المنع.
وأكدت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، في عرضها للنص القانوني التونسي، أن التشريع لم يكتفِ بمنع التعدد وإنما جعل مخالفة الحظر جريمة قانونية.
ولم يكن منع التعدد إصلاحاً منفصلاً عن بقية بنية الأسرة، إذ ربطت مجلة الأحوال الشخصية الزواج بالرضا المتبادل، وألغت الطلاق بإرادة منفردة خارج القضاء، وأقرت إجراءات قضائية للطلاق.
واعتبرت هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن قانون 1956 مثّل بداية مسار طويل لتحسين الوضع القانوني للمرأة التونسية، فيما وصفته بأنه تشريع ألغى تعدد الزوجات وأدخل الموافقة المتبادلة في الزواج وحدد سناً أدنى للزواج وأقر الطلاق القضائي.
مكسب حقوقي
أكدت لجنة الأمم المتحدة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة أن حظر تعدد الزوجات يمثل جانباً من الإصلاحات المبكرة التي دعمت المساواة داخل الأسرة في تونس.
وفي ملاحظاتها الختامية بشأن التقرير الدوري السابع لتونس عام 2023، رحبت اللجنة صراحة باستمرار حظر تعدد الزوجات في مجلة الأحوال الشخصية، لكنها دعت في الوقت نفسه إلى تعديل أو إلغاء مواد أخرى اعتبرتها تمييزية، خصوصاً في مجالات الميراث وبعض جوانب المساواة داخل الزواج.
وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن تونس امتلكت منذ 1956 واحداً من أكثر قوانين الأحوال الشخصية تقدماً في المنطقة، خصوصاً في تجريم تعدد الزوجات وإقرار حقوق متساوية للزوجين في الطلاق. لكنها سجلت استمرار أشكال أخرى من التمييز القانوني، بينها عدم المساواة في الميراث وبعض القيود المتعلقة بالولاية والحضانة، ما يعني أن المنجز التاريخي لم ينهِ جميع الأسئلة الحقوقية المتعلقة بالأسرة.
مسار دولي
ارتبط التطور التونسي لاحقاً بالتزامات دولية أوسع، خصوصاً اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وأكدت هيومن رايتس ووتش أن تونس أبلغت الأمم المتحدة في 2014 بسحب تحفظاتها المحددة على عدد من مواد الاتفاقية، بينها المواد المتعلقة بحقوق المرأة في الزواج والأسرة والطلاق، في خطوة اعتبرتها المنظمة تقدماً مهماً نحو الاعتراف بالمساواة داخل الأسرة.
ودخلت تونس خلال العقود التالية في مسار إصلاحي أوسع شمل قانون مكافحة العنف ضد المرأة عام 2017، الذي أقر حماية قانونية أوسع للنساء وجرّم أشكالاً متعددة من العنف، بما فيها العنف الاقتصادي والنفسي والجنسي. وأكدت هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن القانون جاء امتداداً لمسار بدأ بمجلة الأحوال الشخصية عام 1956، وأن منظمات المجتمع المدني التونسية لعبت دوراً مهماً في الدفع نحو الإصلاحات.
السؤال الديموغرافي
لكن الذكرى السبعين تأتي في مجتمع مختلف جذرياً عن تونس الخمسينيات، إذ تكشف البيانات الرسمية عن تحول ديموغرافي عميق يتراجع فيه عدد المواليد وتتقدم الشيخوخة وتتأخر سن الزواج، وأظهر المعهد الوطني للإحصاء أن عدد سكان تونس بلغ 11 مليوناً و972 ألفاً و169 نسمة في تعداد 2024، بينما بلغ متوسط النمو السنوي بين 2014 و2024 نحو 0.87%، وهو أدنى معدل نمو بين الفترات التعدادية منذ الاستقلال.
وأظهر المعهد الوطني للإحصاء أن نسبة السكان الذين تقل أعمارهم عن 20 عاماً هبطت إلى 30.4% في 2024، بعدما كانت تقترب من نصف السكان عام 1980، بينما ارتفعت حصة من تبلغ أعمارهم 60 عاماً فأكثر إلى 17%، مقابل 5.5% في أعقاب الاستقلال. كما بلغ مؤشر الشيخوخة 73.9 مسناً لكل 100 طفل دون 15 عاماً، في حين وصل معدل الاعتماد الديموغرافي لكبار السن إلى 28%. وتربط الهيئة هذه التحولات أساساً بتراجع الخصوبة وارتفاع متوسط العمر.
وتكشف بيانات المعهد الوطني للإحصاء في تونس عن انكماش مستمر في المواليد منذ منتصف العقد الماضي، فقد بلغ عدد المواليد 225 ألفاً و887 مولوداً عام 2014، بينما سجلت الفترة بين 2020 و2024 انخفاضاً سنوياً متوسطاً يقارب 13 ألف ولادة.
وبلغ معدل الخصوبة 1.7 طفل للمرأة وفق بيانات الحالة المدنية التي يستند إليها المعهد، وهو مستوى أدنى بكثير من عتبة إحلال الأجيال المقدرة بنحو 2.1 طفل للمرأة.
تأخر الزواج
وسجلت تونس في الوقت نفسه تغيراً واضحاً في توقيت الزواج، وأظهر المعهد الوطني للإحصاء أن متوسط سن الزواج الأول لدى النساء ارتفع من 20.9 عام عام 1966 إلى 28.9 عام في 2024، بينما ارتفع لدى الرجال من 27.1 عام إلى 35.3 عام خلال الفترة نفسها. وبلغ عدد الزيجات 72 ألفاً و953 زواجاً عام 2023، مقارنة بـ108 آلاف و453 زواجاً عام 2015، وفق بيانات المعهد الوطني للإحصاء.
وأظهرت بيانات تعداد 2024 أن 57.7% من السكان الذين تبلغ أعمارهم 15 عاماً فأكثر متزوجون، مقابل 34% عازبون، و6.1% أرامل، و2.1% مطلقون.
كما سجل المعهد اختلافاً كبيراً بين الجنسين في العزوبية، خصوصاً خلال سنوات تكوين الأسرة، حيث بلغت نسبة الرجال العازبين بين 30 و34 عاماً 64.8%، مقابل 28% بين النساء في الفئة العمرية نفسها.
خصوبة بلا تفسير واحد
ولا تقدم هذه الأرقام أساساً علمياً للقول إن منع تعدد الزوجات تسبب في انخفاض الخصوبة التونسية. فالمعهد الوطني للإحصاء يربط التراجع الديموغرافي بمجموعة عوامل، بينها تقلص حجم السكان من النساء في سن الإنجاب، وتأثيرات جائحة كورونا، إلى جانب التحولات طويلة الأمد في السلوك الديموغرافي.
وأظهرت دراسة أكاديمية منشورة في دورية “بي إم سي للحمل والولادة” أن الخصوبة التونسية هبطت من مستويات تقارب ثمانية أطفال للمرأة في بداية الستينيات إلى 1.8 طفل عام 2021، وربطت التحول أيضاً بتغير سن الزواج واستخدام وسائل تنظيم الأسرة والتحولات الاجتماعية والقانونية.
وأضاف المعهد الوطني للإحصاء أن التراجع لا يرتبط بالمواليد وحدهم، إذ تراجع عدد النساء في سن الإنجاب نفسه، بينما تغير توقيت الإنجاب باتجاه الفئات العمرية الأكبر.
وأشار المعهد في أحدث إسقاطاته السكانية إلى أن مستويات الخصوبة المستقبلية يمكن أن تتراوح بين 1.3 و1.7 طفل للمرأة، مع احتمال تحسن مؤقت في بعض السيناريوهات إلى 1.8 أو 1.9 طفل.
حقوق لم تكتمل
ورغم المكانة التاريخية لمجلة الأحوال الشخصية، تؤكد المنظمات الحقوقية أن ملف المرأة التونسية لم يصل إلى المساواة الكاملة.
وقالت هيومن رايتس ووتش إن القانون لا يزال يتضمن تمييزاً في الميراث، فيما أشارت إلى أوجه قصور في تطبيق قانون مكافحة العنف ضد المرأة وتوفير الحماية والخدمات للضحايا.
كما سجلت منظمة العفو الدولية في أجندتها الحقوقية الخاصة بتونس ضرورة مراجعة الأحكام التمييزية المتبقية في قوانين الأحوال الشخصية والأسرة بما يتوافق مع التزامات البلاد الدولية.
وأكدت لجنة الأمم المتحدة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة في ملاحظاتها لعام 2023 أن حظر تعدد الزوجات يمثل مكسباً يجب الحفاظ عليه، لكنها دعت تونس إلى مراجعة الأحكام التي لا تزال تميز ضد النساء في الأسرة.
ويضع هذا الموقف الدولي القضية في إطار أوسع: حماية ما تحقق للمرأة قانونياً، مع استكمال الإصلاحات التي تضمن المساواة في الزواج والأسرة والميراث والعمل والحماية من العنف.
أسرة تتغير
وبعد سبعة عقود، تبدو تونس أمام مفارقة ديموغرافية واضحة: قانون أسهم في إعادة تعريف العلاقة القانونية داخل الأسرة ما زال قائماً، بينما تتغير الأسرة نفسها بفعل تأخر الزواج، وتراجع الإنجاب، وارتفاع التعليم، وتبدل مشاركة المرأة في الاقتصاد، وتزايد تكاليف تكوين الأسرة.
وأظهر المعهد الوطني للإحصاء أن عدد السكان في سن العمل، بين 15 و59 عاماً، يمثل 60.3% من السكان في 2024، لكنه بدأ يتراجع بنحو خمس نقاط مقارنة بعام 2014، في إشارة إلى أن التحول الديموغرافي أصبح يمس بنية القوة العاملة وليس عدد المواليد فقط.
ويؤكد صندوق الأمم المتحدة للسكان أن تونس تمر بمرحلة متقدمة من التحول الديموغرافي، مع ارتفاع متوسط العمر وتراجع الخصوبة، بينما يركز عمله في البلاد على الصحة الإنجابية وتوفير المعلومات والخدمات، خصوصاً للشباب والمناطق الأقل حصولاً على الخدمات.
ويعني ذلك أن النقاش حول مستقبل الأسرة والخصوبة لا ينفصل عن الحق في الصحة الإنجابية، والحق في اختيار توقيت وعدد الأطفال، وتوفير الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تسمح للأسر باتخاذ قراراتها بحرية.
سبعون عاماً من التحول
وتمنح الذكرى السبعون لمنع تعدد الزوجات في تونس المناسبة بعداً يتجاوز الاحتفاء بتشريع تاريخي؛ فهي تكشف انتقال المجتمع من معركة تأسيس حقوق المرأة داخل الأسرة إلى تحديات جديدة تتعلق باستدامة الأسرة نفسها وبنية السكان ومستقبل الأجيال.
وبينما تؤكد المرجعية الحقوقية أهمية حماية المساواة التي أرستها مجلة الأحوال الشخصية، تظهر الأرقام الرسمية أن تونس تحتاج في الوقت ذاته إلى التعامل مع أسباب انخفاض الزواج والإنجاب والشيخوخة من دون تحميل تشريع واحد مسؤولية تحول ديموغرافي تشارك فيه عوامل اقتصادية واجتماعية وصحية وثقافية متعددة.
وتبقى مجلة الأحوال الشخصية، بعد 70 عاماً من صدورها، واحدة من أكثر العلامات رسوخاً في التجربة القانونية التونسية الحديثة. فقد بدأ مسارها بمنع تعدد الزوجات وتنظيم الزواج والطلاق، ثم امتد إلى إصلاحات لاحقة في حقوق المرأة والحماية من العنف، بينما يواجه المجتمع اليوم أسئلة مختلفة عن شكل الأسرة وعدد أفرادها ومستقبل سكانه.
وتظهر أحدث بيانات المعهد الوطني للإحصاء أن التحدي لم يعد فقط كيف تحمي الأسرة حقوق أفرادها، بل أيضاً كيف تتعامل الدولة والمجتمع مع تحول ديموغرافي يعيد رسم تونس على مهل، من مجتمع شاب إلى مجتمع تتزايد فيه الشيخوخة وتتقلص فيه قاعدة الأجيال الجديدة.

