تحوّلت موجات الحر القياسية التي اجتاحت أوروبا خلال صيف 2026 إلى اختبار غير مسبوق لأنظمة السجون في عدد من الدول الأوروبية، بعدما كشفت هشاشة البنية التحتية في العديد من المؤسسات العقابية، وأعادت إلى الواجهة أزمة الاكتظاظ المزمنة التي حذّرت منها منظمات حقوق الإنسان والهيئات الأوروبية على مدى سنوات.
ولم تعد درجات الحرارة المرتفعة تمثل تحدياً بيئياً فحسب، بل أصبحت عاملاً يفاقم المخاطر الصحية والإنسانية داخل السجون، خاصة في المباني القديمة التي تفتقر إلى أنظمة التهوية والتبريد، وتضم أعداداً من النزلاء تتجاوز طاقتها الاستيعابية.
وذكرت وكالة رويترز، بعد جولة ميدانية شملت فرنسا وإيطاليا وبلجيكا، أن عشرات السجناء ومديري السجون والأطباء والنقابيين والحقوقيين وصفوا أوضاع الاحتجاز خلال موجات الحر بأنها امتداد لأزمة أعمق ترتبط بالاكتظاظ وتقادم المنشآت العقابية.
وأظهرت الجولة أن السجناء في عدد من المؤسسات الإصلاحية اضطروا إلى استخدام وسائل بدائية للتخفيف من الحرارة، بينما اتخذت الحكومات إجراءات طارئة مثل زيادة فترات الاستحمام وتوفير المياه والمراوح والواقيات الشمسية، دون أن تعالج الأسباب الهيكلية للأزمة.
تجاوز حدود الطاقة الاستيعابية
أظهر مجلس أوروبا في تقريره السنوي لإحصاءات السجون الأوروبية لعام 2025 أن مشكلة الاكتظاظ ازدادت حدة خلال العام الماضي، إذ ارتفع متوسط عدد السجناء إلى 95.2 سجين لكل 100 مكان متاح في السجون الأوروبية، مقارنة بـ94.7 في العام السابق. وسجلت تسع إدارات للسجون مستويات اكتظاظ شديدة، بعد أن كان عددها ست إدارات فقط قبل عام، في مؤشر يعكس اتساع الأزمة على مستوى القارة.
وأوضح التقرير أن فرنسا وتركيا سجلتا أعلى معدلات الاكتظاظ بين الدول الكبرى بواقع 131 سجيناً لكل 100 مكان، تلتها كرواتيا وإيطاليا ومالطا وقبرص والمجر وبلجيكا وإيرلندا، بينما اقتربت عدة دول أخرى من الحد الأقصى للطاقة الاستيعابية، الأمر الذي يزيد الضغوط التشغيلية ويؤثر في ظروف الاحتجاز والرعاية الصحية والخدمات الأساسية.
فرنسا.. حرارة مرتفعة وشكاوى متزايدة
قالت كبيرة مفتشي السجون في فرنسا، دومينيك سيمونو، إن مكتبها تلقى خلال موجة الحر التي شهدها شهر يونيو عدداً غير مسبوق من شكاوى السجناء، ما اضطر الهيئة إلى تعزيز كوادرها للتعامل مع الاتصالات الواردة. وأكدت أن المشكلة لا ترتبط بارتفاع درجات الحرارة وحده، بل بوجود ثلاثة أو أربعة سجناء داخل زنزانة لا تتجاوز مساحتها تسعة أمتار مربعة في مبان قديمة تفتقر إلى التهوية المناسبة.
وأوضحت وزارة العدل الفرنسية أنها اتخذت إجراءات عاجلة شملت توفير فترات إضافية للاستحمام وتوزيع مستحضرات الوقاية من الشمس وزيادة كميات المياه داخل المؤسسات العقابية، إلا أن بيانات الوزارة أظهرت في الوقت نفسه أن معدل الإشغال في السجون الفرنسية بلغ 141.3 في المئة مطلع يوليو، وهو من أعلى المعدلات في أوروبا.
إيطاليا.. حلول إسعافية أمام أزمة مزمنة
أكدت وزارة العدل الإيطالية تخصيص 800 ألف يورو لشراء مراوح وثلاجات لمواجهة موجات الحر داخل السجون، كما أعلنت خطة لإضافة عشرة آلاف مكان جديد قبل نهاية العام، غير أن التنفيذ لم يبدأ حتى الآن، بينما استمرت المؤسسات العقابية في العمل فوق طاقتها الاستيعابية.
وأضافت الوزارة أن السلطات وافقت كذلك على إزالة الحواجز الشفافة من نوافذ أحد السجون في مدينة كوزنسا، بعدما تبين أنها تحد من حركة الهواء داخل الزنازين، رغم أنها ركبت سابقاً لأسباب أمنية تتعلق بمنع تهريب الهواتف المحمولة بواسطة الطائرات المسيرة.
وربطت منظمات حقوقية إيطالية، من بينها منظمة أنتيجوني، بين الاكتظاظ وارتفاع المخاطر الصحية والنفسية داخل السجون، مؤكدة أن معدل الإشغال بلغ نحو 139.7 في المئة في نهاية يوليو، وهو ما يجعل أي موجة حر استثنائية أكثر خطورة على السجناء والعاملين في المؤسسات العقابية.
بلجيكا.. بنية قديمة وأعداد متزايدة
قال المجلس المركزي لمراقبة السجون في بلجيكا إن معدل الإشغال في المؤسسات العقابية وصل إلى 121 في المئة خلال أغسطس، بينما كشف مدير أحد السجون أن منشأته تضم 447 سجيناً رغم أن قدرتها الاستيعابية لا تتجاوز 260 شخصاً، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على جودة الرعاية الصحية والخدمات اليومية.
وأضافت وزيرة العدل البلجيكية أنيليس فيرلندن أن الحكومة زادت كميات المياه المخصصة للنزلاء ووسعت فرص الاستحمام خلال موجات الحر، كما خففت بعض القيود المتعلقة بالتهوية داخل عدد من المؤسسات العقابية، في محاولة للحد من الآثار الصحية الناجمة عن ارتفاع درجات الحرارة.
تغير المناخ يفرض تحدياً جديداً
أكدت منظمة الصحة العالمية أن موجات الحر الشديدة أصبحت أكثر تكراراً وحدّة نتيجة تغير المناخ، وأن الأشخاص الموجودين في أماكن مغلقة أو مزدحمة، ومن بينهم السجناء، يواجهون مخاطر أعلى للإصابة بالإجهاد الحراري والجفاف والمضاعفات الصحية، خاصة كبار السن والمصابين بأمراض مزمنة أو اضطرابات نفسية.
وأشارت تقارير مجلس أوروبا إلى أن ارتفاع نسبة السجناء المسنين والنساء داخل المؤسسات العقابية يضيف تحديات جديدة لأنظمة السجون، ويستلزم تطوير البنية التحتية والخدمات الصحية بما يتناسب مع الاحتياجات المتزايدة لهذه الفئات، في ظل استمرار مشكلة الاكتظاظ في عدد كبير من الدول الأوروبية.
حقوق الإنسان أمام اختبار صعب
أكدت اللجنة الأوروبية لمنع التعذيب التابعة لمجلس أوروبا أن الاكتظاظ المزمن في السجون لا يمثل مشكلة إدارية فحسب، بل يعد أحد أبرز العوامل التي تؤدي إلى تدهور ظروف الاحتجاز وانتهاك الكرامة الإنسانية.
وأوضحت اللجنة في تقاريرها الدورية أن الزنازين المزدحمة تقلل فرص الحصول على الرعاية الصحية، وتحد من الحركة اليومية، وتزيد التوتر والعنف بين النزلاء، كما تجعل التعامل مع الظروف المناخية القاسية أكثر صعوبة، خاصة خلال موجات الحر التي تشهدها القارة الأوروبية بوتيرة متزايدة.
وقالت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في عدد من أحكامها السابقة إن الدول الأعضاء في مجلس أوروبا تتحمل مسؤولية قانونية عن توفير ظروف احتجاز تتوافق مع المادة الثالثة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، التي تحظر المعاملة اللاإنسانية أو المهينة. وأكدت المحكمة أن الاكتظاظ الشديد، إلى جانب سوء التهوية وارتفاع درجات الحرارة ونقص الرعاية الصحية، قد يشكل انتهاكاً لالتزامات الدول بموجب الاتفاقية عندما تصل الظروف إلى مستوى يمس الكرامة الإنسانية.
منظمات حقوقية تدعو إلى إصلاحات عاجلة
قالت منظمة العفو الدولية إن الحكومات الأوروبية مطالبة بالنظر إلى السجون باعتبارها جزءاً من منظومة حقوق الإنسان، وليس مجرد مؤسسات أمنية، مؤكدة أن تحسين أوضاع الاحتجاز يتطلب استثمارات في البنية التحتية، وتوسيع استخدام العقوبات البديلة، وضمان حصول جميع المحتجزين على الرعاية الصحية والخدمات الأساسية دون تمييز.
وأكدت منظمة هيومن رايتس ووتش أن موجات الحر الأخيرة أظهرت مدى هشاشة أوضاع الاحتجاز داخل عدد من السجون الأوروبية، خاصة تلك التي تعمل فوق طاقتها الاستيعابية.
وأضافت المنظمة أن تغير المناخ يفرض على الحكومات إعادة تقييم جاهزية المؤسسات العقابية للتعامل مع الظواهر المناخية المتطرفة، بما يحفظ صحة السجناء والعاملين على حد سواء.
تغير المناخ يفرض واقعاً جديداً
قالت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إن أوروبا تعد من أسرع قارات العالم ارتفاعاً في درجات الحرارة، وإن موجات الحر أصبحت أكثر تكراراً وشدة خلال السنوات الأخيرة نتيجة تغير المناخ.
وأوضحت المنظمة أن استمرار هذا الاتجاه يفرض على الحكومات تحديث البنية التحتية للمرافق العامة، بما فيها السجون، حتى تتمكن من مواجهة الظروف المناخية القاسية.
وأضافت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ أن المؤسسات المغلقة التي تضم أعداداً كبيرة من الأشخاص، مثل السجون، تحتاج إلى خطط تكيف خاصة، تشمل تحسين التهوية، ورفع كفاءة المباني، ووضع بروتوكولات صحية للاستجابة لموجات الحر، لأن الفئات الموجودة داخل هذه المنشآت تكون أكثر عرضة للمخاطر الصحية.
الاكتظاظ يضغط على الخدمات الصحية
قالت منظمة الصحة العالمية إن ارتفاع الكثافة داخل أماكن الاحتجاز يزيد من احتمالات انتشار الأمراض المعدية ويصعب تقديم الرعاية الطبية بصورة مناسبة، كما يرفع مخاطر الإصابة بالإجهاد الحراري والجفاف خلال فترات ارتفاع درجات الحرارة، خاصة بين كبار السن والمصابين بأمراض القلب والجهاز التنفسي والاضطرابات النفسية.
وأكدت المنظمة أن توفير المياه الصالحة للشرب، والتهوية الكافية، والرعاية الصحية العاجلة، يمثل الحد الأدنى من التدابير المطلوبة لحماية المحتجزين أثناء موجات الحر، مشيرة إلى أن هذه الإجراءات لا تغني عن معالجة الأسباب الهيكلية المرتبطة بالاكتظاظ.
العقوبات البديلة على طاولة النقاش
قال مجلس أوروبا إن العديد من الدول الأوروبية بدأت خلال السنوات الأخيرة توسيع استخدام العقوبات البديلة للحبس في الجرائم البسيطة، مثل المراقبة الإلكترونية، والعمل للمصلحة العامة، والإفراج المشروط، بهدف الحد من أعداد النزلاء وتخفيف الضغط على المؤسسات العقابية.
وأضاف المجلس أن هذه السياسات لا تستهدف فقط خفض معدلات الاكتظاظ، بل تسهم أيضاً في تحسين فرص إعادة الإدماج الاجتماعي وتقليل معدلات العودة إلى الجريمة، شريطة أن تطبق وفق معايير قانونية واضحة وضمانات قضائية كافية.
البنية التحتية بين التقادم والحاجة إلى التحديث
أظهرت بيانات مجلس أوروبا ووزارات العدل في عدد من الدول أن نسبة كبيرة من السجون الأوروبية شيدت قبل عقود طويلة، ولم تصمم للتعامل مع موجات الحر المتكررة أو مع الزيادة المستمرة في أعداد النزلاء. وأدى هذا الواقع إلى تفاقم مشكلات التهوية والعزل الحراري وتوفير الخدمات الأساسية، خاصة في المؤسسات التي تجاوزت طاقتها الاستيعابية بفارق كبير.
وأكد خبراء إدارة السجون أن الحلول الطارئة، مثل توزيع المراوح أو زيادة ساعات الاستحمام، تخفف الآثار المباشرة للحرارة، لكنها لا تعالج جذور الأزمة المرتبطة بالاكتظاظ وتقادم المباني وارتفاع أعداد السجناء.
شهدت السجون الأوروبية خلال العقدين الماضيين تزايداً في الضغوط الناتجة عن ارتفاع أعداد السجناء في عدد من الدول، بالتزامن مع بطء تحديث البنية التحتية للمؤسسات العقابية. وأظهرت تقارير مجلس أوروبا أن الاكتظاظ أصبح من أبرز التحديات التي تواجه إدارات السجون، خاصة في فرنسا وإيطاليا وبلجيكا وعدد من الدول الأخرى.
وتزامن ذلك مع تصاعد تأثيرات تغير المناخ، إذ سجلت أوروبا خلال الأعوام الأخيرة درجات حرارة قياسية وموجات حر أطول وأكثر شدة، ما دفع المنظمات الحقوقية والأممية إلى التحذير من انعكاس هذه الظروف على أوضاع المحتجزين، ولا سيما داخل السجون القديمة التي تفتقر إلى التهوية والتبريد المناسبين.
وتؤكد الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، والقواعد النموذجية الدنيا للأمم المتحدة لمعاملة السجناء المعروفة باسم قواعد نيلسون مانديلا، أن الحرمان من الحرية لا يعني الحرمان من الكرامة الإنسانية أو الحق في الصحة والرعاية المناسبة.
لذلك، تواصل المؤسسات الأوروبية والمنظمات الحقوقية الدعوة إلى إصلاحات هيكلية تشمل تحديث السجون، وتقليل الاكتظاظ، وتوسيع البدائل للعقوبات السالبة للحرية، حتى تتمكن أنظمة العدالة من التوفيق بين متطلبات الأمن واحترام حقوق الإنسان في ظل التحديات المناخية المتزايدة.

