منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

انتهاكات السجون في تركيا.. عزلة قسرية واكتظاظ وشكاوى حقوقية تهدد معايير العدالة

11 يوليو 2026
جانب من أحد السجون في تركيا
جانب من أحد السجون في تركيا

تواجه أوضاع السجون في تركيا خلال السنوات الأخيرة جدلا حقوقيا واسعا، مع تصاعد التقارير المحلية والدولية التي ترصد شكاوى تتعلق بظروف الاحتجاز، واستخدام العزل الانفرادي، والاكتظاظ، والقيود المفروضة على بعض فئات السجناء، خاصة المعتقلين في قضايا سياسية أو أمنية، وفي الوقت الذي تؤكد فيه السلطات التركية أن نظام السجون يخضع لإصلاحات مستمرة وأنه يتوافق مع المعايير القانونية، تواصل منظمات حقوق الإنسان المطالبة بمزيد من الشفافية والرقابة المستقلة لضمان حماية حقوق المحتجزين.

وأصدرت لجنة السجون التابعة لفرع إسطنبول في جمعية المحامين من أجل الحرية تقريرا حول أوضاع السجون في تركيا خلال النصف الأول من عام 2026، استنادا إلى زيارات ميدانية نفذتها وفود قانونية إلى عدد من المؤسسات العقابية في منطقة مرمرة.

وأكدت الجمعية، خلال مؤتمر صحفي عقد في إسطنبول، استمرار شكاوى تتعلق بالعزل وتقييد الأنشطة الجماعية وصعوبة الوصول إلى بعض الحقوق الأساسية داخل السجون، مطالبة السلطات التركية بمراجعة السياسات المتبعة في التعامل مع السجناء.

أزمة العزل داخل السجون

وأكد تقرير جمعية المحامين من أجل الحرية أن سياسة العزل تمثل أحد أبرز الملفات المثيرة للقلق في السجون التركية، مشيرا إلى أن بعض المؤسسات الجديدة، خاصة السجون ذات الإجراءات الأمنية المشددة من النوعين S وY، تعتمد على نظام يقوم على تقليص الاحتكاك بين السجناء والحد من استخدام المرافق المشتركة.

وأوضحت الجمعية أن هذه الإجراءات تؤثر على التواصل الاجتماعي والدعم النفسي والأنشطة الثقافية والتعليمية والرياضية، معتبرة أن ظروف الاحتجاز لا يجب أن تقتصر على تنفيذ العقوبة، وإنما يجب أن تراعي أيضا أهداف إعادة التأهيل والإدماج الاجتماعي التي تنص عليها القواعد الدولية الخاصة بمعاملة السجناء.

وأشارت لجنة منع التعذيب التابعة لمجلس أوروبا في تقاريرها الدورية حول تركيا إلى أهمية تجنب الاستخدام المفرط للحبس الانفرادي وضمان أن تكون أي قيود على تواصل السجناء محددة بمدة واضحة ومراجعة بصورة منتظمة، مؤكدة أن العزل المطول يمكن أن يؤدي إلى آثار نفسية خطيرة على المحتجزين.

أرقام تعكس حجم منظومة السجون

وتشير بيانات وزارة العدل التركية إلى أن عدد السجناء والمحتجزين في تركيا ارتفع بصورة كبيرة خلال العقد الأخير، مع توسع شبكة المؤسسات العقابية وزيادة الطاقة الاستيعابية للسجون، ووفقا لإحصاءات المديرية العامة للسجون ومراكز الاحتجاز التابعة لوزارة العدل التركية، تضم البلاد مئات المؤسسات العقابية التي تستقبل أعدادا كبيرة من المدانين والموقوفين على ذمة التحقيق.

وتوضح البيانات الرسمية التركية أن عدد نزلاء السجون تجاوز 300 ألف شخص خلال السنوات الأخيرة، وهو رقم يجعل تركيا من بين الدول ذات أعلى أعداد السجناء في القارة الأوروبية من حيث العدد الإجمالي للمحتجزين، وتقول وزارة العدل التركية إن الزيادة ترتبط بارتفاع عدد الجرائم والإجراءات القضائية، إضافة إلى جهود مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، بينما ترى منظمات حقوقية أن قوانين واسعة التعريف في بعض القضايا أدت إلى ملاحقة أشخاص بسبب أنشطة سياسية أو صحفية.

وأكدت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في عدد من أحكامها المتعلقة بتركيا ضرورة ضمان التوازن بين متطلبات الأمن الوطني وحماية الحقوق الأساسية، خاصة في القضايا التي تتعلق بحرية التعبير والمحاكمات العادلة وظروف الاحتجاز.

السجناء السياسيون في دائرة الجدل

يشكل ملف السجناء السياسيين أحد أكثر الجوانب حساسية في النقاش الحقوقي داخل تركيا، حيث تتهم منظمات محلية ودولية السلطات باستخدام قوانين مكافحة الإرهاب بشكل واسع ضد معارضين وصحفيين ونشطاء، بينما تؤكد الحكومة التركية أن الإجراءات القضائية تستهدف فقط الأشخاص المتورطين في جرائم أو تهديدات أمنية.

وأكدت منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، في تقارير متعددة، أن عددا من القضايا في تركيا أثارت مخاوف بشأن استقلال القضاء واستخدام تهم أمنية ضد شخصيات سياسية ومدنية، وطالبت المنظمتان بضمان محاكمات عادلة، ومراجعة الإجراءات التي قد تؤدي إلى احتجاز أشخاص بسبب ممارستهم السلمية لحقوقهم الأساسية.

وأشارت جمعية المحامين من أجل الحرية إلى أن السجناء السياسيين يواجهون، بحسب وصفها، أشكالا من التمييز داخل النظام العقابي، مطالبة بتطبيق أي تعديلات قانونية أو إصلاحات قضائية على جميع السجناء دون استثناء.

الاكتظاظ يفاقم التحديات

أكدت وزارة العدل التركية أن عدد المؤسسات العقابية شهد توسعا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة بهدف استيعاب الزيادة المستمرة في أعداد السجناء، كما أعلنت الوزارة تنفيذ برامج لإنشاء سجون جديدة وتطوير البنية التحتية للمؤسسات القائمة، ورغم هذه التوسعات، تشير الإحصاءات الرسمية إلى استمرار ارتفاع أعداد المحتجزين، وهو ما يفرض ضغوطا متزايدة على الخدمات الصحية والإدارية وبرامج التأهيل داخل السجون.

وأوضح مجلس أوروبا، استنادا إلى البيانات الرسمية للدول الأعضاء، أن تركيا ما زالت من بين الدول الأوروبية التي تضم أكبر عدد من السجناء، سواء من حيث العدد الإجمالي أو معدل السجناء مقارنة بعدد السكان.

ويرى المجلس أن الارتفاع المستمر في أعداد النزلاء يستدعي تعزيز بدائل العقوبات السالبة للحرية، وتوسيع برامج إعادة التأهيل، وتقليل اللجوء إلى الحبس الاحتياطي عندما تسمح الظروف القانونية بذلك.

الرعاية الصحية تحت المجهر

سلّطت جمعية المحامين من أجل الحرية الضوء على شكاوى تتعلق بصعوبة حصول بعض السجناء على الرعاية الصحية في الوقت المناسب، وخاصة المرضى وكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة.

وأشارت الجمعية إلى أن بعض السجون تعاني بطئا في نقل المرضى إلى المستشفيات أو تأخر مواعيد الفحوص والعلاج، مطالبة بتطوير الخدمات الطبية داخل المؤسسات العقابية.

وأكدت لجنة منع التعذيب التابعة لمجلس أوروبا في تقاريرها الدورية أن الرعاية الصحية تمثل أحد المعايير الأساسية لتقييم أوضاع السجون، ودعت إلى ضمان استقلالية الطواقم الطبية، وتوفير العلاج دون تمييز، وإجراء الفحوص الطبية بصورة منتظمة، مع احترام خصوصية السجناء أثناء تلقي الرعاية.

كما شدد المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة على أن حرمان المحتجزين من الرعاية الصحية المناسبة أو تأخير العلاج قد يرقى، في بعض الحالات، إلى معاملة تتعارض مع الالتزامات الدولية للدول إذا تسبب في معاناة جسيمة يمكن تجنبها.

العزلة وتأثيرها الإنساني

تواصل المنظمات الحقوقية المحلية والدولية إبداء القلق من استخدام الحبس الانفرادي لفترات طويلة داخل بعض السجون التركية، وأكدت لجنة السجون التابعة لجمعية المحامين من أجل الحرية أن أنظمة السجون الجديدة ذات الحراسة المشددة تقلص بصورة كبيرة فرص التواصل الإنساني والأنشطة الجماعية، وهو ما ينعكس على الحالة النفسية للسجناء.

وأشار مجلس أوروبا إلى أن قواعد السجون الأوروبية تنص على ضرورة قصر اللجوء إلى العزل على الحالات الاستثنائية، وأن يخضع هذا الإجراء لمراجعة دورية من السلطات المختصة، مع تحديد مدته وتوفير الضمانات القانونية للمحتجزين.

وفي السياق نفسه، تؤكد قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء، المعروفة باسم قواعد نيلسون مانديلا، أن الحبس الانفرادي المطول الذي يتجاوز خمسة عشر يوما يمثل ممارسة يجب تجنبها، كما تحظر استخدامه إذا أدى إلى معاملة قاسية أو لا إنسانية أو مهينة.

المحكمة الأوروبية وأحكام متكررة

أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان خلال السنوات الماضية عددا من الأحكام المتعلقة بتركيا في قضايا ارتبطت بظروف الاحتجاز وحقوق السجناء والمحاكمات العادلة، وألزمت المحكمة السلطات التركية في بعض القضايا بدفع تعويضات لمتضررين بعد ثبوت وقوع انتهاكات للاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، بينما طالبت بتنفيذ إجراءات تصحيحية تمنع تكرار المخالفات.

وتؤكد المحكمة باستمرار أن الدول تمتلك الحق في حماية أمنها القومي ومكافحة الإرهاب، إلا أنها تلتزم في الوقت نفسه بضمان احترام الحقوق الأساسية للمحتجزين، وفي مقدمتها الحق في المحاكمة العادلة، والحق في التواصل مع المحامين، والحق في ظروف احتجاز تتوافق مع الكرامة الإنسانية.

رد الحكومة التركية

ترفض الحكومة التركية بصورة متكررة الاتهامات التي تتحدث عن وجود انتهاكات ممنهجة داخل السجون، وتؤكد أن جميع المؤسسات العقابية تخضع لرقابة وزارة العدل والقضاء، وأن التشريعات التركية توفر ضمانات قانونية للمحتجزين.

كما تؤكد وزارة العدل التركية أن برامج الإصلاح شملت تحديث البنية التحتية، وزيادة الطاقة الاستيعابية، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، وإتاحة برامج التدريب المهني وإعادة التأهيل، بما ينسجم مع أهداف السياسة العقابية الحديثة.

وتشدد الحكومة أيضا على أن الإجراءات الأمنية المشددة داخل بعض السجون ترتبط بطبيعة الجرائم المنسوبة إلى بعض النزلاء، ولا تستهدف حرمانهم من الحقوق التي يكفلها القانون.

الإطار القانوني الدولي

ينظم القانون الدولي معاملة السجناء من خلال مجموعة من الاتفاقيات والمواثيق الدولية، وفي مقدمتها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية مناهضة التعذيب، والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، إضافة إلى قواعد نيلسون مانديلا التي تعد المرجع الدولي الأبرز في تنظيم أوضاع الاحتجاز.

وتنص هذه المرجعيات على ضرورة احترام الكرامة الإنسانية لجميع المحتجزين دون تمييز، وضمان حصولهم على الرعاية الصحية، والتواصل مع ذويهم ومحاميهم، وتوفير ظروف احتجاز ملائمة، مع حظر التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.

اكتسب ملف السجون في تركيا زخما متزايدا منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016، عندما شنت السلطات حملات أمنية وقضائية واسعة شملت عشرات الآلاف من العسكريين والقضاة والموظفين والصحفيين والأكاديميين والسياسيين، استنادا إلى اتهامات تتعلق بالإرهاب أو الانتماء إلى تنظيمات محظورة.

وأدى ارتفاع أعداد الموقوفين خلال تلك المرحلة إلى زيادة الضغوط على المؤسسات العقابية، بينما بدأت منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية في إصدار تقارير دورية ترصد أوضاع السجون وظروف الاحتجاز، وفي المقابل، تؤكد الحكومة التركية أن الإجراءات التي اتخذتها جاءت في إطار حماية الأمن القومي ومواجهة التهديدات الإرهابية، مشيرة إلى أن القضاء التركي ينظر في جميع القضايا وفقا للقانون.

ولا يزال ملف السجون يشكل أحد أبرز القضايا المطروحة في تقارير الاتحاد الأوروبي ومجلس أوروبا والأمم المتحدة بشأن أوضاع حقوق الإنسان في تركيا، حيث تدعو هذه المؤسسات إلى مواصلة الإصلاحات وتعزيز الرقابة المستقلة وضمان التوازن بين متطلبات الأمن واحترام الحقوق الأساسية للمحتجزين.

وتجمع التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة ومجلس أوروبا والمنظمات الحقوقية الدولية والمحلية على أن تحسين أوضاع السجون لا يرتبط فقط بتطوير المباني أو زيادة الطاقة الاستيعابية، بل يتطلب أيضا ترسيخ الضمانات القانونية، وتعزيز الشفافية، وتوسيع الرقابة المستقلة، وضمان حصول جميع السجناء على حقوقهم الأساسية وفقا للمعايير الدولية، بما يعزز الثقة في منظومة العدالة وسيادة القانون.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية