كشفت مؤشرات سوق العمل في المملكة المتحدة أن الذكاء الاصطناعي بدأ يغير قواعد التوظيف بوتيرة متسارعة، بعدما انتقلت الشركات من مرحلة اختبار التكنولوجيا الجديدة إلى استخدامها داخل العمليات اليومية، لتظهر ملامح سوق عمل جديد يمنح الأفضلية للعاملين الذين يمتلكون مهارات تقنية متقدمة، في حين يواجه الشباب وحديثو التخرج تحديات كبرى للحصول على أول فرصة مهنية.
وأضافت بيانات مكتب الإحصاءات الوطني البريطاني (ONS) أن الشركات البريطانية تستخدم الذكاء الاصطناعي بصورة متزايدة لتحسين العمليات ورفع الكفاءة، حيث تركز غالبية الاستخدامات على تطوير الأداء وتقليل الوقت اللازم لإنجاز المهام، وليس على استبدال الوظائف بالكامل. وأظهرت بيانات المكتب أن نحو 35% من الشركات التي تضم 10 موظفين أو أكثر تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي، في حين ترتفع النسبة إلى نحو 49% لدى الشركات الكبيرة.
وأوضح تقرير حديث لمنصة “إنديد” للتوظيف نقلته وكالة بلومبرغ أن سوق العمل البريطاني بدأ ينقسم بصورة متزايدة إلى مسارين؛ الأول يضم أصحاب الخبرات والمهارات المتخصصة الذين يستفيدون من توسع الطلب على وظائف الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، والثاني يضم الباحثين عن العمل في الوظائف الروتينية أو المبتدئين الذين يواجهون منافسة كبرى مع تغير احتياجات الشركات.
سوق عمل يتباطأ لكنه لا يتحرك بالاتجاه نفسه
قالت بيانات مكتب الإحصاءات الوطني في بريطانيا إن عدد الوظائف الشاغرة في المملكة المتحدة بلغ نحو 712 ألف وظيفة خلال الفترة من أبريل إلى يونيو 2026، بانخفاض قدره 7 آلاف وظيفة مقارنة بالربع السابق، وتراجع سنوي بلغ 18 ألف وظيفة، ما يعكس استمرار تباطؤ سوق العمل، كما وصل عدد الباحثين عن العمل مقابل كل وظيفة شاغرة إلى 2.5 شخص.
وأوضحت بيانات المكتب أن معدل البطالة بين الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 16 عاماً فأكثر وصل إلى 4.9% خلال الفترة من فبراير إلى أبريل 2026، في حين تراجع عدد العاملين المسجلين ضمن قوائم الرواتب بنحو 90 ألف شخص خلال عام واحد.
لكن هذه الأرقام العامة تخفي تغيرات أعمق داخل القطاعات المختلفة؛ إذ لا تتراجع الوظائف بالوتيرة نفسها في جميع المجالات؛ فبعض القطاعات التقنية استعادت قدرتها على النمو، في حين فقدت قطاعات تعتمد على الأعمال المتكررة جزءاً من جاذبيتها لدى أصحاب الأعمال.
الذكاء الاصطناعي يغير طبيعة الوظيفة قبل أن يلغيها
قالت بيانات مكتب الإحصاءات الوطني إن الشركات البريطانية تستخدم الذكاء الاصطناعي بصورة أساسية لتحسين العمليات القائمة، إذ تركز الاستخدامات الأكثر انتشاراً على رفع الإنتاجية وتطوير الأداء الداخلي.
وأضافت هذه البيانات أن الصورة الحالية لا تشير إلى موجة واسعة من الاستغناء عن العمالة بسبب الذكاء الاصطناعي، بل إلى تحول في طبيعة المهام داخل الوظائف نفسها؛ حيث تتولى الأنظمة الذكية تنفيذ الأعمال المتكررة، في حين يحتفظ العامل البشري بالمهام التي تحتاج إلى تحليل وابتكار واتخاذ قرارات معقدة.
وقال خبراء الاقتصاد في دراسات دولية إن التحدي الأساسي لا يتعلق فقط بعدد الوظائف التي قد تختفي، وإنما بقدرة العمال على الانتقال إلى وظائف جديدة تتطلب مهارات مختلفة، خاصة مع ارتفاع أهمية تحليل البيانات، والبرمجة، وإدارة أدوات الذكاء الاصطناعي.
فجوة بين أصحاب الخبرة والمبتدئين
أظهرت التحولات الأخيرة أن أصحاب الخبرة التقنية أصبحوا الفئة الأكثر استفادة من توسع الذكاء الاصطناعي؛ لأن الشركات تبحث عن موظفين يستطيعون دمج التكنولوجيا داخل بيئة العمل وليس مجرد استخدامها بصورة سطحية.
وقال جاك كينيدي، كبير الاقتصاديين في منصة “إنديد”، إن سوق العمل البريطاني يتجه نحو نموذج “بمسارين”؛ حيث يحصل أصحاب الخبرات والمهارات المتخصصة على فرص كبرى، في حين يواجه الداخلون الجدد إلى سوق العمل صعوبة كبرى بسبب ارتفاع متطلبات الوظائف الجديدة.
وأضاف أن المشكلة الكبرى تظهر لدى الشباب وحديثي التخرج؛ لأن كثيراً من الوظائف التي كانت تمثل نقطة البداية المهنية تعتمد على مهام روتينية أصبحت الشركات قادرة على تنفيذ جزء كبير منها باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.
وتتوافق هذه المخاوف مع تحذيرات صندوق النقد الدولي الذي أشار إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يؤثر في نحو 40% من الوظائف عالمياً، وترتفع النسبة في الاقتصادات المتقدمة إلى نحو 60%، بسبب ارتفاع انتشار التكنولوجيا في هذه الدول.
وظائف التكنولوجيا تتقدم
قالت بيانات سوق العمل البريطانية إن تأثير الذكاء الاصطناعي لم يظهر بصورة متساوية بين القطاعات، إذ ارتفع الطلب على الوظائف التي تجمع بين الخبرة المهنية والقدرة على استخدام الأدوات الرقمية، في حين تراجعت جاذبية الوظائف التي تعتمد على تنفيذ مهام متكررة يمكن للأنظمة الذكية إنجازها بسرعة كبرى.
وأوضحت بيانات منصة “إنديد” للتوظيف أن وظائف تطوير البرمجيات استعادت جزءاً من نشاطها بعد فترة من التراجع، مع ارتفاع الطلب على الوظائف المرتبطة بتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي وإدارة الأنظمة الرقمية، لكن الزيادة تركزت بصورة كبرى في الوظائف المتوسطة والعليا، وليس في وظائف المبتدئين التي كانت تمثل بوابة الدخول التقليدية إلى القطاع.
وأضافت المؤشرات أن الشركات لم تعد تبحث فقط عن موظف يجيد البرمجة أو التعامل مع البيانات، بل عن موظف يستطيع دمج الذكاء الاصطناعي داخل العمل اليومي، وتحويل التكنولوجيا إلى أداة لزيادة الإنتاجية واتخاذ قرارات أكثر دقة.
القطاعات الأكثر استفادة
قالت دراسات اقتصادية بريطانية إن بعض القطاعات أصبحت أكثر قدرة على الاستفادة من الذكاء الاصطناعي بسبب طبيعة أعمالها التي تعتمد على البيانات والتحليل، ومن أبرزها: قطاع تكنولوجيا المعلومات والبرمجيات، الخدمات المالية والمصرفية، الأمن السيبراني، الرعاية الصحية وتحليل البيانات الطبية، الخدمات المهنية والاستشارات، والصناعات الهندسية المتقدمة.
وأضافت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أن الوظائف التي تعتمد على مهارات تحليلية وتخصصية ستستفيد بدرجة كبرى من الذكاء الاصطناعي؛ لأن التكنولوجيا تساعد العاملين فيها على إنجاز المهام المعقدة بدلاً من استبدالهم بالكامل.
الوظائف الروتينية تحت الضغط
أظهرت بيانات سوق العمل في بريطانيا أن الوظائف التي تعتمد على الأعمال المتكررة تواجه ضغوطاً كبرى، خصوصاً في المجالات التي يمكن للشركات فيها استخدام الذكاء الاصطناعي لتقليل الوقت والتكاليف.
وشملت هذه المجالات: إدخال البيانات، بعض وظائف الدعم الإداري، خدمة العملاء التقليدية، المحاسبة الروتينية، إعداد التقارير النمطية، وبعض أعمال التسويق الرقمي الأساسية.
وقال تقرير لمنظمة العمل الدولية إن الذكاء الاصطناعي التوليدي لا يركز تأثيره فقط على إلغاء الوظائف، بل يغير توزيع المهام داخل الوظيفة الواحدة، حيث تنتقل الأعمال المتكررة إلى الأنظمة الرقمية، في حين يحتفظ الإنسان بالمهام التي تحتاج إلى التواصل والحكم المهني والإبداع.
التصنيع بين التكنولوجيا ونقص العمالة
قالت بيانات منصة “إنديد” إن قطاع التصنيع البريطاني واجه تراجعاً ملحوظاً في الوظائف المعلنة مقارنة بالسنوات السابقة، حيث انخفضت الوظائف الشاغرة في القطاع بنسبة كبيرة مقارنة بمستويات عام 2022.
لكن هذا التراجع لا يرتبط فقط بالذكاء الاصطناعي، إذ يواجه قطاع التصنيع البريطاني عوامل أخرى، منها ارتفاع تكاليف الطاقة، وتباطؤ الطلب العالمي، ونقص بعض المهارات الفنية.
وأضافت تقارير اقتصادية أن المصانع التي تستخدم الروبوتات والأنظمة الذكية لا تستغني بالضرورة عن جميع العاملين، لكنها تغير طبيعة الوظائف، إذ يرتفع الطلب على فنيي الصيانة الرقمية، ومهندسي الأتمتة، ومشغلي الأنظمة الذكية، مقابل انخفاض الحاجة إلى بعض المهام اليدوية المتكررة.
المهارات أصبحت العملة الجديدة في سوق العمل
قالت تحليلات سوق العمل إن أكبر تحول أحدثه الذكاء الاصطناعي لا يتمثل فقط في اختفاء بعض الوظائف، وإنما في تغير معايير الاختيار لدى أصحاب الأعمال.
فالشركات أصبحت تبحث عن العامل الذي يجمع بين: الخبرة المهنية والقدرة على تحليل البيانات واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي والتفكير النقدي وحل المشكلات والتواصل البشري.
وأوضح المنتدى الاقتصادي العالمي في تقاريره حول مستقبل الوظائف أن المهارات التقنية والقدرة على التعلم المستمر أصبحت من أهم العوامل التي تحدد قدرة العامل على المنافسة في الاقتصاد الجديد.
فجوة الأجور تتسع
قالت مؤشرات سوق العمل إن العاملين الذين يمتلكون مهارات الذكاء الاصطناعي والبيانات يحصلون غالباً على فرص ورواتب أعلى من العاملين في الوظائف التقليدية، وهو ما يثير مخاوف من اتساع الفجوة الاقتصادية بين فئات العمال.
وأضافت دراسات اقتصادية أن التكنولوجيا لا توزع مكاسبها بالتساوي؛ إذ يحصل أصحاب المهارات العالية على فوائد كبرى من ارتفاع الإنتاجية، في حين يواجه أصحاب المهارات المحدودة خطر انخفاض الطلب على وظائفهم إذا لم يحصلوا على تدريب مناسب.
وتشير هذه التحولات إلى أن المنافسة في سوق العمل البريطاني لم تعد تعتمد فقط على الشهادة الجامعية، بل على قدرة العامل على تطوير مهاراته واستخدام التكنولوجيا داخل تخصصه.
الشباب أمام اختبار جديد
قالت مؤشرات سوق العمل إن الشباب وحديثي التخرج يواجهون تحدياً خاصاً؛ لأن العديد من الوظائف التي كانت توفر لهم خبرة أولية أصبحت تتغير بسرعة بسبب الأتمتة.
وأضافت بيانات بنك إنجلترا أن سوق العمل البريطاني يمر بمرحلة من ضعف التوظيف، مع تباطؤ انتقال العمال بين الوظائف، ما يجعل دخول الشباب إلى سوق العمل أكثر صعوبة.
وقال آندي بيرنهام، رئيس الوزراء البريطاني، في تصريحات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إن الذكاء الاصطناعي “قد يكون قادراً على كتابة مقال، لكنه لا يستطيع قيادة قطار”، في إشارة إلى استمرار الحاجة إلى الإنسان في كثير من المهن العملية.
لكن هذه الرؤية لا تلغي الحاجة إلى تطوير هذه الوظائف نفسها؛ لأن القطاعات العملية بدأت تعتمد أيضاً على التكنولوجيا، سواء في الصيانة الذكية أو إدارة المعدات أو تحليل البيانات التشغيلية.
التعليم والتدريب أمام مسؤولية جديدة
قالت الحكومة البريطانية إن تطوير التعليم الفني والتدريب المهني يمثل جزءاً أساسياً من مواجهة التحول التكنولوجي، خصوصاً مع حاجة الاقتصاد إلى عمال يمتلكون مهارات رقمية إلى جانب المهارات العملية.
وتتجه السياسات الجديدة إلى تعزيز برامج التدريب وإعادة التأهيل المهني لمساعدة العمال الذين تتغير طبيعة وظائفهم بسبب التكنولوجيا.
وأضافت منظمة العمل الدولية أن الانتقال العادل إلى الاقتصاد الرقمي يحتاج إلى استثمارات في التعليم والتدريب، حتى لا يتحول الذكاء الاصطناعي إلى عامل يزيد الفوارق بين العمال.
التكنولوجيا بين زيادة الإنتاجية واتساع الفجوة
قالت المؤشرات الاقتصادية إن الذكاء الاصطناعي يفتح فرصاً كبيرة أمام الاقتصاد البريطاني من خلال رفع الإنتاجية، وتسريع إنجاز الأعمال، وتحسين كفاءة الشركات، لكنه في الوقت نفسه يفرض تحديات اجتماعية تتعلق بقدرة جميع فئات المجتمع على الاستفادة من هذا التحول.
وأضاف صندوق النقد الدولي أن الاقتصادات المتقدمة تواجه تأثيراً أكبر للذكاء الاصطناعي بسبب ارتفاع انتشار التكنولوجيا واعتماد الشركات على الأنظمة الرقمية، موضحاً أن جزءاً كبيراً من الوظائف قد يتأثر بهذه التقنيات، لكن التأثير يختلف حسب طبيعة الوظيفة ومستوى المهارات المطلوبة.
وأوضح الصندوق أن الذكاء الاصطناعي قد يعزز إنتاجية بعض العاملين، خصوصاً أصحاب المهارات العالية، في حين يواجه العاملون في الوظائف الأكثر اعتماداً على المهام المتكررة خطر تراجع الطلب على مهاراتهم إذا لم يحصلوا على فرص مناسبة لإعادة التدريب.
وتكشف هذه المعادلة تحدياً رئيساً أمام بريطانيا: كيف تحقق الاستفادة الاقتصادية من الذكاء الاصطناعي دون أن يتحول التطور التقني إلى عامل يزيد الفوارق بين المواطنين؟
الحق في العمل أمام اختبار رقمي جديد
قالت منظمات حقوقية وعمالية دولية إن التحول الرقمي يفرض على الحكومات مسؤولية حماية الحق في العمل وضمان تكافؤ الفرص؛ لأن امتلاك المهارات الرقمية أصبح عاملاً مؤثراً في قدرة الفرد على الوصول إلى الوظائف الجديدة.
وأضافت منظمة العمل الدولية أن التحول التكنولوجي يحتاج إلى سياسات تضمن “انتقالاً عادلاً” للعمال، من خلال توفير التدريب وإعادة التأهيل والحماية الاجتماعية للفئات التي تتأثر بتغير طبيعة الوظائف.
ويرتبط هذا التحدي بالمادة 23 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تنص على حق كل شخص في العمل، وحرية اختيار مهنته، والحصول على شروط عمل عادلة ومرضية.
وتشير اتجاهات سوق العمل إلى أن الشركات لا تبحث فقط عن موظف يمتلك شهادة أو خبرة تقليدية، بل عن شخص يستطيع استخدام التكنولوجيا لزيادة الإنتاجية وحل المشكلات، وهو ما قد يضع العمال الذين لا يحصلون على تدريب رقمي أمام معوقات إضافية.
مسؤولية الحكومة والشركات
قالت حكومة رئيس الوزراء آندي بيرنهام إن تطوير المهارات وتعزيز التدريب المهني يمثلان محوراً أساسياً في مواجهة التحولات التي يشهدها سوق العمل.
وتحتاج الحكومة البريطانية إلى توسيع برامج التدريب الرقمي، خصوصاً للفئات الأكثر عرضة للتأثر، ومنها:
الشباب الباحثون عن أول وظيفة، والعمال في القطاعات التي تعتمد على المهام الروتينية، والموظفون الذين يحتاجون إلى تحديث مهاراتهم، والعاملون في المناطق التي لا توفر فرصاً تقنية كافية.
كما تتحمل الشركات مسؤولية مهمة في هذا التحول، إذ لا يكفي أن تستثمر في تقنيات الذكاء الاصطناعي لخفض التكاليف، بل تحتاج أيضاً إلى الاستثمار في العاملين لديها من خلال التدريب وإعادة توزيع المهام.
وأكدت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أن الشركات التي تحقق أكبر استفادة من الذكاء الاصطناعي هي التي تجمع بين الاستثمار في التكنولوجيا والاستثمار في العنصر البشري.
سباق عالمي على وظائف المستقبل
قالت المؤشرات الدولية إن بريطانيا تواجه منافسة قوية من الاقتصادات الكبرى في مجال الذكاء الاصطناعي، خصوصاً الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين، حيث تسعى هذه الدول إلى جذب الاستثمارات التقنية وتطوير الكفاءات المتخصصة.
وأضافت تقارير اقتصادية أن مستقبل المنافسة لا يعتمد فقط على امتلاك أحدث التقنيات، بل على قدرة الدول على بناء منظومة متكاملة تشمل: التعليم الحديث والتدريب المستمر والبحث العلمي ودعم الشركات الناشئة وحماية العمال خلال مراحل التحول.
وتملك بريطانيا مقومات قوية في هذا المجال، بفضل جامعاتها المتقدمة وقطاعها المالي والتكنولوجي، لكنها تواجه تحدياً في ضمان وصول فوائد الثورة الرقمية إلى مختلف شرائح المجتمع وليس فقط العاملين في القطاعات عالية المهارة.
الرابح والخاسر في سوق العمل الجديد
تحولات سوق العمل البريطانية توضح أن الذكاء الاصطناعي لم يخلق حتى الآن سوقاً بلا وظائف، لكنه أعاد ترتيب قيمة المهارات داخل الاقتصاد.
ويبدو أن أكبر الفائزين في المرحلة المقبلة سيكونون العاملين الذين يستطيعون الجمع بين الخبرة المهنية والقدرة على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، مثل المهندسين والمبرمجين والمحللين والمتخصصين في البيانات والقطاعات التي تعتمد على الابتكار.
في المقابل، يواجه العاملون في الوظائف الروتينية تحدياً أكبر؛ لأن جزءاً من مهامهم أصبح قابلاً للأتمتة، ما يجعل التدريب المستمر ضرورة وليس خياراً.
ولا يعني ذلك أن المهن العملية ستختفي، فالكثير من الوظائف التي تعتمد على التواصل البشري والمهارات اليدوية المعقدة سيظل بحاجة إلى الإنسان، لكن طبيعة هذه الوظائف ستتغير مع دخول التكنولوجيا إليها.
مستقبل العمل لن تحدده الآلة وحدها
وتبين التجربة البريطانية أن الذكاء الاصطناعي أصبح قوة اقتصادية يصعب تجاهلها، لكنه لا يحدد وحده شكل المستقبل؛ فالسياسات الحكومية، واستثمارات التعليم، ومسؤولية الشركات، وقدرة المجتمع على التكيف ستحدد ما إذا كان التحول الرقمي سيخلق اقتصاداً أكثر إنتاجية وعدالة، أو سيزيد الفجوة بين من يملكون المهارات الجديدة ومن لا يملكونها.
وأضافت المؤشرات أن التحدي الحقيقي أمام بريطانيا لا يتمثل في منع انتشار الذكاء الاصطناعي، بل في ضمان أن يحصل أكبر عدد ممكن من المواطنين على فرصة المشاركة في الاقتصاد الجديد.
فالمستقبل المهني لن يعتمد فقط على من يستطيع منافسة الآلة، بل على من يستطيع العمل معها، وتحويلها من تهديد محتمل إلى أداة تمنح الإنسان قدرة كبرى على الإبداع والإنتاج.

