منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

معركة الأولويات

الحق في السكن في مواجهة الذكاء الاصطناعي.. مراكز البيانات تثير جدلاً حقوقياً في لندن

01 أغسطس 2026
طفرة في إنشاء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي
طفرة في إنشاء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي

فرضت الطفرة في إنشاء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي نقاشاً متصاعداً في لندن حول الحق في السكن والبيئة والخدمات الأساسية، بعدما بدأت هذه المنشآت تنافس مشروعات الإسكان على الكهرباء والأراضي والموارد المائية، في وقت تتعهد فيه الحكومة البريطانية ببناء 1.5 مليون منزل بحلول عام 2029.

ووفقاً لصحيفة “فايننشيال تايمز” في حين تصنف الحكومة مراكز البيانات ضمن البنية التحتية الوطنية الحيوية لما توفره من استثمارات ووظائف، يحذر سكان وخبراء من أن التوسع المتسارع يفرض مفاضلة بين احتياجات السكان ومتطلبات الاقتصاد الرقمي في بريطانيا.

احتجاجات وأزمات

بدأت المواجهة في منطقة بوترز بار شمال لندن، حيث احتج السكان على مشروع تعتزم شركة إكوينكس إقامته فوق مساحة تمتد إلى 85 فداناً من الحزام الأخضر، وقادت مؤسسة رابطة سكان مجموعة المصالح الخاصة في بوترز بار روز نايلور حملة استمرت أكثر من عام، شملت عريضة وقعها أكثر من 4600 شخص، محذرة من الضوضاء وزيادة حركة المرور وفقدان المساحات البيئية، ومؤكدة أن الكهرباء التي سيستهلكها المشروع يمكن أن تخدم مئات الآلاف من المنازل.

ومن جانبها أشارت “الغارديان” إلى ان الاعتراضات امتدت إلى شارع بريك لين شرق لندن، حيث يعارض السكان إنشاء مركز بيانات على موقع مصنع “ترومان برويري” السابق.

وأكد عضو حملة “إنقاذ بريك لين” جوناثان موبرلي أن الموقع كان أولى بتوفير مساكن ميسرة، مشيراً إلى أن المشروع مخصص أساساً لخدمة التداول المالي عالي التردد في الحي المالي المجاور.

وأضاف أن ذروة استهلاك المركز ستبلغ 5.2 ميجاواط، وهي كمية تكفي -بحسب الناشطين- لتزويد نحو 15 ألف منزل بالكهرباء، في حين يثير المشروع أيضاً مخاوف من الضوضاء المستمرة.

وكشف تقرير صادر عن جمعية لندن أن الطلب المتزايد على الكهرباء من مراكز البيانات أدى إلى تعطيل مشروعات الإسكان منذ عام 2022، بعدما بلغت شبكات الكهرباء في هيلينغدون وهونسلو وإيلينغ كامل طاقتها، وهي المناطق المرتبطة بالشبكة التي تخدم تجمعاً يضم ما بين 30 و40 مركز بيانات حول سلاو ومطار هيثرو، ما تسبب في تأخير توصيل الكهرباء لبعض مشروعات الإسكان الجديدة لمدة وصلت إلى 15 عاماً.

وأكد رئيس لجنة التخطيط والتجديد العمراني جيمس سمول-إدواردز ضرورة تحقيق التوازن بين التنمية التكنولوجية وتوفير الإسكان، في حين أدرجت هيئة لندن الكبرى سياسة جديدة ضمن مشروع “خطة لندن” تدعو إلى اختيار مواقع تتوافر فيها القدرة الكهربائية الكافية ومراعاة احتياجات الإسكان والاستدامة.

في المقابل، حذر المدير التنفيذي لاتحاد بناة المنازل في المملكة المتحدة ستيف تيرنر من أن شبكة الكهرباء لا تمتلك السعة الكافية لاستيعاب الطلب المتزايد، خاصة مع التوسع في استخدام الكهرباء لتحقيق مستهدفات الحياد الكربوني.

ووفقاً للمشغل الوطني لنظام الطاقة (NESO)، ارتفع الطلب من مراكز البيانات إلى 7.6 تيراواط/ساعة عام 2025، وقد يصل إلى 71 تيراواط/ساعة بحلول 2050.

ضغوط على البيئة

حذر مدير المناصرة في منظمة فوكسغلوف دونالد كامبل من أن مركز بيانات فائق الحجم واحد في ساوثهول يعادل استهلاكه السنوي للكهرباء استهلاك نحو 530 ألف منزل، مطالباً بإلزام المطورين بتوفير قدرات جديدة للطاقة المتجددة.

كما تمتد المخاوف إلى الانبعاثات، إذ توقعت تقارير أن يطلق مشروع جوجل في ثوروك أكثر من نصف مليون طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً، في حين تخطط مشروعات أخرى لإنشاء محطات تعمل بالغاز.

وأثارت المياه بدورها جدلاً متزايداً، إذ قد تستهلك بعض مراكز البيانات أكثر من مليون لتر يومياً، في وقت تؤكد فيه الأمم المتحدة أن استهلاك المياه المرتبط بالذكاء الاصطناعي قد يعادل بحلول نهاية العقد الاحتياجات المنزلية الأساسية لنحو 1.3 مليار شخص، في حين تعد لندن وجنوب شرق إنجلترا بالفعل من أكثر مناطق بريطانيا تعرضاً للإجهاد المائي.

وأكدت شركات التكنولوجيا اتخاذ إجراءات للحد من آثارها البيئية، مشيرة إلى الاعتماد على الطاقة المتجددة أو أنظمة تبريد لا تستخدم المياه أو استعادة الحرارة المهدرة، إلا أن هذه التعهدات لم تبدد مخاوف المجتمعات المحلية.

واتجهت مدن ودول أخرى إلى تشديد القيود؛ إذ أكد نائب عمدة أمستردام ألكسندر شولتس أن المدينة أعطت الأولوية للإسكان وفرضت وقفاً جديداً لمدة خمس سنوات على مراكز البيانات.

كما فرضت أيرلندا سابقاً وقفاً مماثلاً، قبل اعتماد لوائح تلزم المراكز الجديدة بتوفير احتياجاتها الكهربائية عبر أنظمة توليد أو بطاريات داخل الموقع، وأن يأتي ما لا يقل عن 80% من استهلاكها من مصادر متجددة.

ودعا رئيس لجنة التخطيط والتجديد العمراني جيمس سمول-إدواردز إلى الاستفادة من التجربة الأيرلندية، في حين طالب مدير المناصرة في منظمة فوكسغلوف دونالد كامبل بوضع شروط ملزمة تحمي موارد المياه والطاقة والبيئة، مؤكداً أنه إذا تعذر ضمان ذلك فينبغي عدم السماح بإقامة مشروعات جديدة.

واختتم المدير التنفيذي لاتحاد بناة المنازل في المملكة المتحدة ستيف تيرنر التحذيرات بتأكيد أن استمرار الضغوط على البنية التحتية سيهدد تنفيذ خطط الإسكان، رغم إعلان الحكومة أن توفير المساكن يمثل إحدى أولوياتها.