منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

زيورخ وواقع المهمشين.. معركة الحقوق الإنسانية للمهاجرين تصطدم بجدار القانون

31 يوليو 2026
مهاجرون
مهاجرون

فتحت قضية المساعدات المالية للمهاجرين غير النظاميين في مدينة زيورخ نقاشا واسعا حول حدود المسؤولية الاجتماعية للبلديات السويسرية تجاه الأشخاص الذين يعيشون داخل المجتمع من دون وضع قانوني مستقر، بعدما رفضت المحكمة الإدارية في كانتون زيورخ خطة المدينة لتقديم مساعدات انتقالية وأساسية لهذه الفئة، معتبرة أن المشروع يتعارض مع التشريعات الفيدرالية والكانتونية المنظمة للهجرة والرعاية الاجتماعية.

وأوضحت المحكمة الإدارية في كانتون زيورخ، في حكم نشرته خلال شهر يوليو 2026 أن البلدية لا تملك صلاحية إنشاء نظام دعم مالي خاص لتأمين سبل العيش للمهاجرين غير النظاميين، مشيرة إلى أن مثل هذه الإجراءات قد تتعارض مع الالتزامات القانونية المتعلقة بإبلاغ سلطات الهجرة.

وأكدت المحكمة أن حماية النظام القانوني للهجرة تقع ضمن اختصاص السلطات الفيدرالية والكانتونية في سويسرا، وليس المجالس البلدية.

وأكدت مدينة زيورخ أن هدف المبادرة كان التعامل مع واقع إنساني قائم داخل المدينة، حيث يعيش أشخاص لا يملكون إقامة قانونية لكنهم يعملون أو يدرسون أو يتلقون خدمات أساسية، ويواجهون صعوبات في الوصول إلى الدعم الاجتماعي بسبب وضعهم القانوني.

أزمة إنسانية خلف الأرقام

كشفت بيانات مكتب الإحصاء الفيدرالي السويسري أن سويسرا تضم أكثر من مليوني شخص من حملة الجنسيات الأجنبية، يمثلون نحو ربع السكان، ما يجعل قضايا الاندماج والهجرة من الملفات الأساسية في السياسات العامة.

وأوضح مكتب الإحصاء الفيدرالي السويسري أن عدد السكان المقيمين بصورة دائمة في البلاد تجاوز 9 ملايين نسمة خلال السنوات الأخيرة، مع استمرار ارتفاع نسبة السكان ذوي الخلفيات المهاجرة، خاصة في المدن الكبرى مثل زيورخ وجنيف وبازل.

وأشار مكتب الإحصاء الفيدرالي إلى أن كانتون زيورخ يعد أكبر كانتونات سويسرا من حيث عدد السكان، ويضم أكثر من مليون ونصف المليون نسمة، كما يمثل مركزا اقتصاديا يجذب العمالة الأجنبية بسبب قوة سوق العمل وارتفاع الطلب في قطاعات الخدمات والصحة والبناء والتكنولوجيا.

لكن خلف هذه المؤشرات الاقتصادية توجد فئة تعيش خارج شبكات الحماية القانونية والاجتماعية، وهم المهاجرون غير النظاميين الذين لا يمتلكون تصاريح إقامة، سواء بسبب انتهاء صلاحية إقاماتهم أو رفض طلبات اللجوء أو دخولهم البلاد دون وثائق رسمية.

المهاجرون غير النظاميين

أوضحت المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة أن مصطلح المهاجرين غير النظاميين يشير إلى الأشخاص الذين يوجدون في دولة ما دون استيفاء شروط الدخول أو الإقامة القانونية، مؤكدة أن هذا الوضع لا يلغي حقوقهم الأساسية باعتبارهم بشرا.

وأكدت دراسات سويسرية مستقلة صعوبة تحديد رقم دقيق لعدد المهاجرين غير النظاميين بسبب طبيعة هذه الفئة التي تتجنب الاتصال بالسلطات خوفا من الترحيل أو فقدان فرص العمل.

وأكدت أمانة الدولة السويسرية للهجرة أن السلطات تتعامل مع ملف الإقامة غير النظامية عبر إجراءات قانونية تشمل العودة الطوعية أو الترحيل عند صدور قرارات نهائية، مع مراعاة الالتزامات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان وعدم الإعادة القسرية.

أسباب تقديم المساعدات 

قال مجلس مدينة زيورخ إن المبادرة جاءت استجابة لمشكلات اجتماعية وصحية تواجه أشخاصا يعيشون داخل المدينة لكنهم لا يستطيعون الوصول إلى برامج الدعم التقليدية.

وأوضحت سلطات المدينة أن بعض المهاجرين غير النظاميين يعملون في قطاعات منخفضة الأجور مثل التنظيف ورعاية كبار السن والعمل المنزلي، لكنهم يواجهون مخاطر الاستغلال بسبب خوفهم من اللجوء إلى المؤسسات الرسمية.

وأكدت تقارير منظمة العمل الدولية أن العمال المهاجرين غير النظاميين حول العالم يكونون أكثر عرضة لانتهاكات العمل، مثل انخفاض الأجور وساعات العمل الطويلة وغياب الحماية الاجتماعية، بسبب ضعف قدرتهم على المطالبة بحقوقهم.

وفي السياق السويسري، ترى منظمات حقوقية أن حرمان الأشخاص من بعض أشكال الدعم الأساسي قد يدفعهم إلى ظروف معيشية صعبة، خاصة فيما يتعلق بالسكن والرعاية الصحية والغذاء.

القضاء يضع حدودا أمام المبادرة

أكدت المحكمة الإدارية في كانتون زيورخ أن النوايا الإنسانية لا تغير الاختصاصات القانونية، مشددة على أن البلديات لا يمكنها إنشاء نظام موازٍ للرعاية الاجتماعية يتجاوز القواعد المعمول بها في القانون الفيدرالي والكانتوني.

وأشارت المحكمة إلى أن منح مساعدات مالية منتظمة للأشخاص غير النظاميين قد يؤثر على آليات الرقابة المتعلقة بقوانين الهجرة، لأن السلطات المختصة ملزمة قانونيا بالتعامل مع حالات الإقامة غير القانونية.

ويمثل القرار ثاني انتكاسة قضائية لمدينة زيورخ في هذا الملف، بعدما واجهت محاولة سابقة خلال جائحة كوفيد-19 لإطلاق برنامج دعم مشابه، لكنها لم تستكمل إجراءات الطعن ضمن المهلة القانونية المحددة.

المنظمات الحقوقية تدافع عن الحماية الأساسية

أثارت قضية مساعدات مدينة زيورخ للمهاجرين غير النظاميين اهتمام منظمات حقوق الإنسان التي ترى أن الوضع القانوني للأشخاص لا يجب أن يحرمهم من الحقوق الإنسانية الأساسية، خصوصا في مجالات الصحة والسكن والحماية من الاستغلال.

وأكدت منظمة العفو الدولية أن الدول الأوروبية، ومنها سويسرا، مطالبة بضمان احترام حقوق جميع الأشخاص الموجودين على أراضيها، بغض النظر عن وضعهم القانوني، مشيرة إلى أن قوانين الهجرة لا تلغي الالتزامات الدولية المتعلقة بالحقوق الأساسية والكرامة الإنسانية.

وقالت منظمة العفو الدولية إن المهاجرين غير النظاميين غالبا ما يعيشون في ظروف هشة بسبب الخوف من الترحيل، الأمر الذي قد يمنعهم من الإبلاغ عن الانتهاكات التي يتعرضون لها، سواء في أماكن العمل أو في السكن أو عند الحاجة إلى الرعاية الصحية.

وأوضحت المنظمة أن توفير الخدمات الأساسية لا يعني بالضرورة منح إقامة قانونية، وإنما يمثل إجراء لحماية حقوق الإنسان ومنع تعرض الأشخاص للفقر المدقع أو الاستغلال أو المخاطر الصحية.

الأمم المتحدة: الحقوق لا تسقط بسبب وضع الإقامة

أكدت الأمم المتحدة أن حقوق الإنسان تنطبق على جميع الأشخاص دون تمييز، بما في ذلك المهاجرون الذين لا يحملون وضعا قانونيا مستقرا، مشددة على أن حماية الكرامة الإنسانية يجب أن تظل مبدأ أساسيا في إدارة سياسات الهجرة.

وأوضحت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن الدول لها الحق في تنظيم دخول وإقامة الأجانب، لكنها ملزمة في الوقت نفسه باحترام الحقوق الأساسية للمهاجرين وفقا للقانون الدولي.

وأكدت المفوضية أن المهاجرين غير النظاميين يواجهون مخاطر متزايدة تتمثل في الاستغلال الاقتصادي، والعمل في ظروف غير آمنة، وصعوبة الوصول إلى الرعاية الصحية، والخوف من الإبلاغ عن الانتهاكات بسبب احتمال تعرضهم لإجراءات الترحيل.

كما شددت المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة على أن معالجة الهجرة غير النظامية لا يمكن أن تعتمد فقط على الإجراءات الأمنية، بل تحتاج أيضا إلى سياسات تقلل عوامل الضعف وتحمي الأشخاص من الاستغلال.

القانون الدولي أمام معادلة الهجرة

تستند النقاشات الحقوقية حول أوضاع المهاجرين غير النظاميين إلى مجموعة من المواثيق الدولية، بينها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وتنص هذه المواثيق على حق كل إنسان في مستوى معيشي مناسب يشمل الغذاء والسكن والرعاية الصحية، كما تؤكد اتفاقيات منظمة العمل الدولية ضرورة حماية العمال من الاستغلال، بغض النظر عن وضعهم القانوني.

وأكدت لجنة الأمم المتحدة المعنية بحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم أن العمال المهاجرين، بمن فيهم غير النظاميين، يتمتعون بحقوق أساسية لا يجوز انتهاكها، خصوصا فيما يتعلق بالأجور العادلة وظروف العمل الآمنة والحماية من المعاملة المهينة.

ولا تعني هذه المبادئ الدولية، وفقا للأمم المتحدة، منح حق الإقامة تلقائيا، لكنها تؤكد ضرورة الفصل بين إجراءات الهجرة وبين ضمان الحد الأدنى من الحقوق الإنسانية.

العمل الخفي ومخاطر الاستغلال

أظهرت تقارير منظمة العمل الدولية أن العمال المهاجرين غير النظاميين يمثلون إحدى أكثر الفئات عرضة للاستغلال في سوق العمل، بسبب عدم امتلاكهم وسائل قانونية كافية للدفاع عن حقوقهم.

وأوضحت منظمة العمل الدولية أن الخوف من الترحيل يدفع بعض العمال إلى قبول أجور منخفضة أو ظروف عمل غير عادلة، كما يحد من قدرتهم على تقديم شكاوى ضد أصحاب العمل المخالفين.

وفي سويسرا، تشير تقارير منظمات المجتمع المدني إلى أن بعض المهاجرين غير النظاميين يعملون في قطاعات مثل التنظيف والرعاية المنزلية والزراعة والمطاعم، وهي قطاعات تعتمد بدرجات مختلفة على العمالة الأجنبية.

وأكدت مراكز اجتماعية في مدن سويسرية كبرى أن غياب الوضع القانوني يجعل الوصول إلى الخدمات الصحية أو الاستشارات القانونية أكثر صعوبة، رغم أن بعض الكانتونات توفر آليات محدودة للمساعدة وفقا للظروف الإنسانية.

زيورخ بين الاقتصاد والهجرة

تُعد زيورخ واحدة من أهم المراكز الاقتصادية في سويسرا وأوروبا، حيث تستضيف مقار شركات عالمية ومؤسسات مالية كبرى، وهو ما جعلها وجهة رئيسية للعمالة الأجنبية.

وأوضح مكتب الإحصاء الفيدرالي السويسري أن المدن الاقتصادية الكبرى تستقطب نسبة كبيرة من السكان ذوي الخلفيات المهاجرة، بسبب فرص العمل والتعليم والخدمات.

لكن النمو الاقتصادي لا يلغي التحديات الاجتماعية المرتبطة بالهجرة، إذ تواجه المدن الكبرى معضلة تحقيق التوازن بين احترام قوانين الإقامة وبين التعامل مع أشخاص يعيشون فعليا داخل المجتمع.

وترى منظمات اجتماعية سويسرية أن وجود مهاجرين غير نظاميين داخل المدن هو واقع لا يمكن تجاهله، لأن هؤلاء الأشخاص يستخدمون وسائل النقل ويعملون ويعيشون في الأحياء نفسها، حتى وإن لم يمتلكوا وضعا قانونيا معترفا به.

سياسة الهجرة السويسرية

اعتمدت سويسرا تاريخيا على الهجرة لتلبية احتياجات سوق العمل، خصوصا بعد الحرب العالمية الثانية، عندما استقدمت أعدادا كبيرة من العمال من دول أوروبية مختلفة للمساهمة في قطاعات الصناعة والبناء والخدمات.

وأدت التحولات الاقتصادية والاجتماعية خلال العقود الماضية إلى تغير طبيعة الهجرة، حيث أصبحت سويسرا تستقبل مهاجرين من مناطق أوسع حول العالم، إضافة إلى طالبي اللجوء والأشخاص الفارين من النزاعات والأزمات الاقتصادية.

وشهدت البلاد نقاشات سياسية متكررة حول تشديد قوانين الهجرة، كان أبرزها الاستفتاءات الشعبية المتعلقة بالحد من الهجرة وتنظيم إقامة الأجانب.

وفي المقابل، أكدت منظمات حقوق الإنسان أن سياسات ضبط الهجرة يجب ألا تؤدي إلى تقويض الحقوق الأساسية أو خلق فئات تعيش خارج مظلة الحماية القانونية.

مستقبل القضية بعد حكم المحكمة

يمثل قرار المحكمة الإدارية في كانتون زيورخ محطة جديدة في الجدل حول مسؤولية السلطات المحلية تجاه المهاجرين غير النظاميين، إذ يمكن للمدينة الطعن في الحكم أمام المحكمة الفيدرالية السويسرية.

وأكد الحُكم أن تنظيم المساعدات الاجتماعية المرتبطة بالإقامة يخضع لتسلسل قانوني محدد، وأن البلديات لا يمكنها تجاوز الصلاحيات الممنوحة لها.

وفي المقابل، أعاد القرار تسليط الضوء على سؤال إنساني واسع حول كيفية التعامل مع الأشخاص الذين يعيشون داخل المدن الأوروبية دون وضع قانوني، في ظل التزام الدول بحماية حقوق الإنسان من جهة، وحرصها على تطبيق قوانين الهجرة من جهة أخرى.

وتبقى قضية مهاجري زيورخ جزءا من نقاش أوروبي أوسع حول مستقبل سياسات الهجرة، حيث تحاول الحكومات التوفيق بين حماية الحدود، واحترام القانون، وضمان ألّا يتحول غياب الوضع القانوني إلى سبب لفقدان الإنسان حقوقه الأساسية.