منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

اختبار الديمقراطية.. ملايين المهاجرين في سويسرا خارج الحقوق السياسية رغم عقود من الإقامة

31 مايو 2026
الحصول على الجنسية السويسرية
الحصول على الجنسية السويسرية

يتصاعد الجدل في سويسرا بصورة غير مسبوقة حول قوانين تجنيس الأجانب والمهاجرين، في وقت تكشف فيه أحدث الأرقام الرسمية اتساع الفجوة بين ملايين المقيمين الأجانب وحقوق المشاركة السياسية داخل واحدة من أعرق الديمقراطيات المباشرة في العالم، وبينما تدافع الحكومة والأحزاب اليمينية عن تشديد شروط الحصول على الجنسية باعتباره ضرورة لحماية الهوية الوطنية والتوازن الديموغرافي، تحذر منظمات حقوقية وأممية من تفاقم ما تصفه بأزمة الإقصاء السياسي والتمييز الهيكلي بحق فئات واسعة تعيش وتعمل وتدفع الضرائب داخل البلاد منذ سنوات طويلة دون امتلاك حقوق المواطنة الكاملة.

وأظهرت بيانات المكتب الفيدرالي للإحصاء في سويسرا لعام 2025 أن عدد الأجانب المقيمين بشكل دائم تجاوز 2.5 مليون شخص من أصل نحو 9 ملايين نسمة، أي ما يعادل أكثر من 27 بالمئة من سكان البلاد، وهي واحدة من أعلى النسب في القارة الأوروبية، كما أكدت الحكومة السويسرية أن العمالة الأجنبية تمثل ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني، خاصة في قطاعات الصحة والصناعة والخدمات والتكنولوجيا، في وقت يظل فيه ملايين المقيمين محرومين من حق التصويت في الانتخابات والاستفتاءات الفيدرالية بسبب عدم حصولهم على الجنسية.

مبادرة الديمقراطية تشعل النقاش

وذكرت منصة “سويس إنفو” الحكومية أن الجدل تصاعد بقوة بعد طرح ما يعرف باسم مبادرة الديمقراطية، وهي مبادرة شعبية مدعومة من ناشطين وأحزاب يسارية وخضر وشخصيات من أصول مهاجرة، وتطالب بمنح الأجانب حقاً قانونياً بالحصول على الجنسية السويسرية بعد خمس سنوات من الإقامة القانونية، بشرط عدم ارتكاب جرائم وإتقان إحدى اللغات الوطنية الأربع.

ورفض مجلس النواب السويسري المبادرة بأغلبية واضحة، بعد موقف مماثل من الحكومة الفيدرالية، وسط انقسام سياسي وحقوقي حاد بشأن مستقبل التجنيس والهوية الوطنية، وقالت حركة أربعة أرباع، الداعمة للمبادرة، إن أكثر من ربع سكان سويسرا مستبعدون فعلياً من العملية الديمقراطية رغم إسهاماتهم الكاملة في الاقتصاد والمجتمع.

وتشير بيانات المفوضية الأوروبية إلى أن متوسط مدة الإقامة المطلوبة للتقدم بطلب الجنسية في دول الاتحاد الأوروبي يبلغ نحو 6.9 سنوات، في حين تشترط سويسرا إقامة تمتد لعشر سنوات على الأقل، إضافة إلى اختبارات لغوية وإدارية وشروط اندماج تختلف بين الكانتونات والبلديات.

أكثر الأنظمة تشدداً في أوروبا

وأكدت دراسة رسمية طلبها المجلس الفيدرالي السويسري ونشرت عام 2024 أن سويسرا تعد من أكثر الدول الأوروبية تعقيداً في إجراءات التجنيس، خاصة بالنسبة لأبناء الجيل الثاني والثالث من المهاجرين، وأوضحت الدراسة أن العديد من الدول الأوروبية تمنح الجنسية بصورة شبه تلقائية للمولودين على أراضيها أو تسهل حصولهم عليها، في حين تعتمد سويسرا بصورة شبه كاملة على مبدأ حق الدم وليس حق الأرض.

كما كشفت الدراسة أن معدل التجنيس في سويسرا يبلغ 1.9 بالمئة فقط، مقارنة بمتوسط أوروبي يصل إلى 2.6 بالمئة، ما يعكس حجم القيود المفروضة على الوصول إلى الجنسية السويسرية.

ووفقاً للمكتب الفيدرالي للهجرة، حصل نحو 41 ألف شخص على الجنسية السويسرية خلال عام 2024، وهو رقم يعد منخفضاً مقارنة بعدد المقيمين الأجانب وطول فترات الإقامة المطلوبة، كما تختلف الرسوم والإجراءات بشكل كبير بين الكانتونات، حيث قد تصل تكلفة التجنيس في بعض المناطق إلى آلاف الفرنكات السويسرية، إضافة إلى مقابلات واختبارات متعلقة بالثقافة والاندماج.

الأمم المتحدة تدق ناقوس الخطر

وحذرت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في تقارير مرتبطة بمراجعة سجل سويسرا الحقوقي من استمرار الفجوة بين الاندماج الاقتصادي والحرمان السياسي للمهاجرين، وأكدت المفوضية أن الحق في المشاركة السياسية يمثل جزءاً أساسياً من مبادئ الإدماج والاستقرار المجتمعي.

كما ذكرت لجنة الأمم المتحدة المعنية بالقضاء على التمييز العنصري أن تعقيد إجراءات التجنيس وترك القرار النهائي أحياناً للسلطات المحلية يفتح الباب أمام ممارسات تمييزية غير مباشرة، خاصة ضد بعض الفئات العرقية والدينية.

من جانبها، قالت منظمة العفو الدولية إن النظام السويسري الحالي يسهم في خلق حالة من الإقصاء المؤسسي لفئات واسعة من السكان الذين يعيشون في البلاد منذ سنوات طويلة دون تمثيل سياسي حقيقي، معتبرة أن استمرار هذا الوضع يثير تساؤلات جدية حول شمولية الديمقراطية السويسرية.

أما منظمة هيومن رايتس ووتش، فأشارت في تقارير حديثة إلى أن أبناء المهاجرين المولودين في سويسرا يواجهون أحياناً شعوراً متزايداً بالعزلة والانفصال نتيجة غياب الاعتراف القانوني الكامل بانتمائهم للمجتمع السويسري.

اليمين الشعبوي يربط التجنيس بالهوية

في المقابل، يواصل حزب الشعب السويسري اليميني المتشدد حملته الرافضة لتسهيل قوانين التجنيس، ويرى أن الجنسية ليست مجرد إجراء إداري، بل تمثل جوهر الهوية الوطنية السويسرية.

وقال باسكال شميد، رئيس لجنة الهجرة في الحزب، خلال جلسات البرلمان الأخيرة، إن الجنسية السويسرية يجب أن تبقى امتيازاً قائماً على الاندماج الكامل والولاء الثقافي والسياسي للبلاد، كما دعت النائبة تيريز شلابفر إلى وقف ما وصفته بتحويل الجنسية إلى حق تلقائي، معتبرة أن ذلك قد يؤدي إلى فقدان سويسرا لخصوصيتها الثقافية والديمقراطية.

كما طرح الحزب اليميني نقاشاً واسعاً حول ازدواج الجنسية، مطالباً مستقبلاً بعدم السماح للمتجنسين بالاحتفاظ بجنسيات أخرى، في خطوة أثارت مخاوف كبيرة لدى الجاليات المهاجرة وحتى السويسريين المقيمين في الخارج.

مفارقة السويسريين في الخارج

وتكشف بيانات وزارة الخارجية السويسرية لعام 2025 أن عدد السويسريين المقيمين خارج البلاد بلغ نحو 840 ألف شخص، يحمل ثلاثة أرباعهم جنسية مزدوجة، ويتمتعون بحقوق التصويت الكاملة في الانتخابات والاستفتاءات الوطنية حتى بعد عقود من الإقامة خارج سويسرا.

وأثارت هذه المسألة جدلاً واسعاً داخل النقاش الدائر حول التجنيس، إذ يتساءل سياسيون وحقوقيون عن أسباب منح أجيال متعاقبة من السويسريين في الخارج حقوقاً سياسية كاملة، في حين يحرم أجانب ولدوا وعاشوا وعملوا داخل سويسرا لعقود من الحقوق ذاتها.

وقال السياسي السويسري أليك فون غرافنريد، المنتمي لحزب الخضر، إن استمرار هذا التناقض يطرح أسئلة عميقة حول مفهوم المواطنة والانتماء في سويسرا الحديثة.

أزمة اندماج وهوية

ولا يقتصر تأثير قوانين التجنيس على الجانب القانوني والسياسي فقط، بل يمتد إلى أبعاد اجتماعية ونفسية متزايدة التعقيد، وأظهرت دراسات صادرة عن جامعة لوتسرن أن أبناء المهاجرين في سويسرا يعانون أحياناً من شعور بالهوية المعلقة، فهم يرتبطون ثقافياً واجتماعياً بالمجتمع السويسري لكنهم يظلون قانونياً خارج دائرة المواطنة الكاملة.

وأكدت الجامعة في دراسة موسعة أن سويسرا تحتل مرتبة متأخرة أوروبياً في إشراك المهاجرين بالحياة السياسية، ووصفت الوضع بأنه يمثل عجزاً ديمقراطياً مقلقاً داخل واحدة من أبرز الديمقراطيات المباشرة في العالم.

كما حذر المجلس الأوروبي لمناهضة العنصرية والتمييز من أن استمرار تعقيد مسارات التجنيس قد يؤدي إلى اتساع مشاعر التهميش، خاصة بين أبناء الجيلين الثاني والثالث، ما ينعكس سلباً على فرص الاندماج والاستقرار الاجتماعي.

الأبعاد الاقتصادية للأزمة

وتؤكد الحكومة السويسرية أن الاقتصاد الوطني يعتمد بصورة متزايدة على العمالة الأجنبية في ظل الشيخوخة السكانية ونقص اليد العاملة في قطاعات حيوية، ووفقاً لأرقام أمانة الدولة للشؤون الاقتصادية، يشكل الأجانب نسبة كبيرة من العاملين في قطاعات الرعاية الصحية والفنادق والبناء والخدمات التقنية.

وأكدت أمانة الدولة السويسرية للشؤون الاقتصادية أن العمالة الأجنبية تمثل عنصراً أساسياً في قطاعات حيوية مثل الرعاية الصحية والصناعة والخدمات والتكنولوجيا، في ظل تزايد اعتماد سوق العمل السويسري على الكفاءات واليد العاملة القادمة من الخارج. وفي هذا السياق، حذر باحثون في جامعة لوتسرن السويسرية، ضمن دراسات متعلقة بالاندماج والمشاركة السياسية، من اتساع الفجوة بين الإسهامات الاقتصادية الكبيرة للمقيمين الأجانب وحرمان نسبة واسعة منهم من الحقوق السياسية الكاملة، خاصة مع استمرار نمو عدد الأجانب بوتيرة أسرع من نمو المواطنين السويسريين.

وفي الوقت نفسه، يناقش الشارع السويسري مبادرات سياسية تهدف إلى الحد من النمو السكاني والهجرة، أبرزها مبادرة سويسرا لا تصل إلى 10 ملايين نسمة التي يدعمها حزب الشعب السويسري اليميني، وتسعى إلى فرض سقف سكاني بحلول عام 2050، وهو ما يعكس تصاعد المخاوف السياسية والشعبية المرتبطة بالتحولات الديموغرافية والهوية الوطنية، وفقاً لبيانات المجلس الفيدرالي السويسري ومنصة سويس إنفو الحكومية.

ويبدو أن ملف التجنيس سيبقى واحداً من أكثر القضايا حساسية في سويسرا خلال السنوات المقبلة، في ظل استمرار الانقسام بين تيارين متعارضين، الأول يعد تسهيل الجنسية خطوة ضرورية لتعزيز الديمقراطية والاندماج والاستقرار الاجتماعي، والثاني يرى أن تخفيف القيود يهدد الخصوصية الوطنية ويغير ملامح البلاد الثقافية والسياسية.

وفي بلد يقوم نظامه السياسي على الديمقراطية المباشرة والمشاركة الشعبية الواسعة، تتزايد الأسئلة حول قدرة النموذج السويسري على الاستمرار، في حين يبقى أكثر من ربع السكان خارج العملية السياسية، رغم عقود من الإقامة والعمل ودفع الضرائب والإسهام في بناء الاقتصاد والمجتمع.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية