منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

كندا تعيد رسم سياسة الهجرة باستقطاب الكفاءات وتوسيع فرص الإقامة الدائمة

14 يوليو 2026
مهاجرون في كندا
مهاجرون في كندا

تواصل كندا تعزيز مكانتها بوصفها واحدة من أكثر الدول انفتاحًا على الهجرة، مع اعتماد سياسة تستهدف استقطاب المهاجرين لدعم الاقتصاد وسد النقص المتزايد في سوق العمل، بالتزامن مع مواجهة تحديات الشيخوخة السكانية التي أصبحت تمثل أحد أبرز الملفات الديموغرافية في البلاد، وفي الوقت نفسه، تتجه الحكومة إلى تطبيق نهج أكثر انتقائية يمنح الأولوية لأصحاب المهارات والخبرات التي تتوافق مع احتياجات القطاعات الاقتصادية، بما يضمن تحقيق التوازن بين متطلبات النمو واستدامة الخدمات العامة.

وتوضح البيانات الرسمية الصادرة عن الحكومة الكندية أن سياسة الهجرة تمثل أحد المحاور الرئيسية لدعم الاقتصاد الوطني، إذ تخطط السلطات لاستقبال أعداد كبيرة من المهاجرين خلال السنوات المقبلة مع التركيز على الكفاءات المهنية التي تحتاج إليها سوق العمل.

كما تستهدف الحكومة استقبال نحو 380 ألف مقيم دائم بحلول عام 2028، في إطار رؤية تسعى إلى المواءمة بين احتياجات التنمية الاقتصادية والضغوط المتزايدة على الإسكان والخدمات الاجتماعية، بعد سنوات شهدت مستويات مرتفعة من استقبال المهاجرين.

تنوع ثقافي يعزز قوة المجتمع

تضم كندا أكثر من 450 مجموعة عرقية وثقافية مختلفة، ويعيش على أراضيها ما يقارب 40 مليون نسمة، الأمر الذي يجعلها من أكثر المجتمعات تنوعًا على مستوى العالم، ويستند هذا التنوع إلى السكان الأصليين الذين يمثلون أقل من خمسة في المئة من إجمالي السكان، إلى جانب المواطنين من أصول أوروبية، وموجات متعاقبة من المهاجرين القادمين من مختلف القارات.

وأصبحت التعددية الثقافية جزءًا من الهوية الكندية، إذ تنتهج الحكومات المتعاقبة سياسات تشجع على اندماج المهاجرين في المجتمع مع الحفاظ على خصوصياتهم الثقافية والدينية واللغوية، وهو ما أسهم في بناء مجتمع يقوم على التعايش والتنوع بوصفهما عنصرين رئيسيين في التنمية والاستقرار.

الجالية العربية حضور متنام

يبرز أبناء الجالية العربية باعتبارهم أحد المكونات المهمة داخل المجتمع الكندي، إذ يقترب عددهم من مليون شخص، ويتمركز معظمهم في مقاطعتي كيبيك وأونتاريو، ولا سيما في مدينتي تورونتو وميسيساغا، حيث نجحوا في بناء حضور اقتصادي واجتماعي وثقافي واضح.

وأسهمت الجالية العربية في تنشيط قطاعات التجارة والاستثمار والخدمات، كما انتشرت المؤسسات والمحال التجارية التي تحمل أسماء عربية، الأمر الذي يعكس حجم الاستقرار الذي حققته هذه الجالية، ويساعد الوافدين الجدد على الاندماج بصورة أسرع داخل المجتمع.

لا يقتصر التنوع في كندا على تعدد الخلفيات الثقافية، بل يمتد أيضًا إلى طبيعة التفاعل مع القضايا الإنسانية والدولية. وتعبر شرائح مختلفة من المجتمع عن مواقف داعمة لقضايا حقوق الإنسان، انطلاقًا من القيم التي تقوم عليها السياسة الكندية في احترام التعددية والحريات.

منظومة متكاملة لدعم الوافدين

توفر الحكومة الكندية شبكة واسعة من الخدمات التي تساعد المهاجرين منذ وصولهم إلى البلاد، وتشمل خدمات الترجمة والإرشاد القانوني والتوجيه المهني والمساعدة في استكمال الإجراءات الرسمية، إضافة إلى برامج التدريب والتأهيل التي تسهل دخولهم إلى سوق العمل.

ويؤكد مهاجرون أن هذه المنظومة أسهمت في تخفيف التحديات التي تواجه الوافدين خلال مراحل الاستقرار الأولى، كما ساعدتهم على بناء حياة جديدة والاندماج في المجتمع بصورة أكثر سرعة وفاعلية.

سياسة أكثر انتقائية

شهدت سياسة الهجرة الكندية تحولًا ملحوظًا خلال الفترة الأخيرة، إذ بدأت الحكومة تطبيق نهج أكثر انتقائية في اختيار المهاجرين، بعدما استهدفت خلال السنوات الثلاث الماضية استقبال أكثر من مليون ونصف المليون مقيم دائم.

ويركز هذا النهج على استقطاب أصحاب المؤهلات العلمية والخبرات المهنية التي تحتاج إليها القطاعات الحيوية، بما يضمن تلبية احتياجات سوق العمل، مع الحد من الضغوط التي تواجه قطاع الإسكان والخدمات الصحية والبنية التحتية.

دوافع اقتصادية وديموغرافية

ترجع الحكومة الكندية استمرار اعتمادها على الهجرة إلى عوامل متعددة، أبرزها اتساع مساحة البلاد، وانخفاض الكثافة السكانية التي لا تتجاوز أربعة أشخاص لكل كيلومتر مربع، إضافة إلى ارتفاع متوسط أعمار السكان، وتزايد أعداد المتقاعدين، والحاجة المستمرة إلى توفير كوادر جديدة تدعم الإنتاج والنمو الاقتصادي وتوسع القاعدة الضريبية.

وتوفر الحكومة الفيدرالية برامج هجرة متنوعة تراعي احتياجات المقاطعات المختلفة، إذ تحدد كل مقاطعة أولوياتها وفقًا لطبيعة سوق العمل والقطاعات التي تعاني نقصًا في العمالة، وهو ما يمنح نظام الهجرة مرونة كبيرة في تلبية المتطلبات الاقتصادية على مستوى البلاد.

مؤسسات تدعم الاندماج

تلعب المؤسسات المجتمعية دورًا مهمًا في إنجاح تجربة المهاجرين، ومن بينها وكالة سكيلز فور تشينج في مدينة تورونتو، التي تقدم خدمات مجانية للمهاجرين واللاجئين والباحثين عن عمل قبل وصولهم إلى كندا وبعد الاستقرار فيها، من خلال برامج التدريب والإرشاد والتأهيل المهني.

وتؤكد الوكالة أن مؤسسات عديدة تقدم خدمات مشابهة في مختلف أنحاء البلاد، بما يعكس اهتمام الحكومة بتوفير بيئة تساعد الوافدين على الاندماج والمشاركة في سوق العمل، كما تشيد بالدور المتنامي للجالية العربية التي أصبحت جزءًا أصيلًا من النسيج الاجتماعي والاقتصادي الكندي.

ورغم التحديات التي يواجهها المهاجرون، مثل برودة الطقس، واتساع الرقعة الجغرافية، وارتفاع الضرائب وتكاليف المعيشة، يرى كثير منهم أن كندا ما زالت توفر فرصًا حقيقية لبناء مستقبل أفضل، في ظل منظومة تقوم على احترام التنوع، وتكافؤ الفرص، والاستفادة من الكفاءات القادمة من مختلف أنحاء العالم.

يذكر أن كندا اعتمدت سياسة التعددية الثقافية رسميًا عام 1971، لتصبح أول دولة في العالم تتبنى هذا النهج ضمن سياساتها الوطنية.

ويستند نظام الهجرة الكندي إلى عدة برامج تشمل الهجرة الاقتصادية، ولم شمل الأسر، واستقبال اللاجئين، وبرامج ترشيح المقاطعات، ونظام الدخول السريع الذي يمنح الأفضلية لأصحاب المؤهلات العلمية والخبرات المهنية وإجادة اللغتين الإنجليزية أو الفرنسية.

وأسهمت هذه السياسات في جعل الهجرة أحد أهم محركات النمو السكاني والاقتصادي، إذ يعتمد الاقتصاد الكندي بصورة متزايدة على استقطاب الكفاءات لسد النقص في العمالة، ودعم قطاعات الرعاية الصحية والهندسة وتكنولوجيا المعلومات والصناعات المتقدمة، مع استمرار تطوير سياسات الهجرة بما يحقق التوازن بين احتياجات التنمية وقدرة البنية التحتية والخدمات العامة على استيعاب الزيادة السكانية.