لا تقتصر مسؤولية الدول على تنظيم البرامج التدريبية الرسمية على تحقيق أهدافها الإدارية أو التنموية، بل تمتد إلى ضمان حماية الحق في الحياة والسلامة الجسدية للمشاركين. فالمعايير الدولية لحقوق الإنسان تلزم السلطات باتخاذ جميع التدابير الوقائية اللازمة لتوفير بيئة تدريب آمنة، خاصة عندما يكون المشاركون مدنيين يخضعون لبرامج تشرف عليها مؤسسات الدولة.
ومن هذا المنطلق، أثارت وفاة خمسة مشاركين خلال برنامج تدريب عسكري مخصص لمديري التعاونيات القروية في إندونيسيا نقاشا حقوقيا واسعا حول مدى توافق إخضاع موظفين مدنيين لتدريبات ذات طابع عسكري مع مبادئ الضرورة والتناسب، وحدود مسؤولية الدولة في حماية المشاركين وضمان سلامتهم.
ولا يرتبط الجدل بعدد الوفيات وحده، وإنما بطبيعة البرنامج نفسه، إذ يجمع بين أهداف تنموية مدنية وتدريب ذي طابع عسكري، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى ملاءمة هذا النوع من التدريبات للوظائف المدنية، وما إذا كانت الوسائل المستخدمة تتناسب مع طبيعة المهام التي سيضطلع بها المشاركون بعد انتهاء البرنامج.
وتزداد أهمية هذه التساؤلات في ضوء التزامات الدول بحماية الحق في الحياة، وضمان بيئة تدريب آمنة، وعدم تعريض الأفراد لمخاطر يمكن تجنبها أثناء تنفيذ البرامج الحكومية.
دعوات للتحقيق في الوفيات
دعت اللجنة الوطنية الإندونيسية لحقوق الإنسان إلى الوقف الفوري لبرنامج التدريب العسكري الأساسي المخصص لمديري برنامج تنمية القرى والتعاونيات، بعد وفاة خمسة مشاركين خلال الأيام العشرة الأولى من التدريب.
وطالبت بإجراء تحقيق حكومي مستقل، وإخضاع الجثامين للتشريح الجنائي، بهدف تحديد أسباب الوفاة بصورة دقيقة، وضمان المساءلة والشفافية، والكشف عما إذا كانت الإجراءات الوقائية المعتمدة كافية لحماية المشاركين.
ويأتي البرنامج ضمن مبادرة حكومية لإنشاء نحو 80 ألف تعاونية قروية في مختلف أنحاء إندونيسيا، بهدف تعزيز التنمية المحلية وخلق فرص العمل، في إطار خطة حكومية تستهدف رفع معدل النمو الاقتصادي إلى 8% بحلول عام 2029.
ويلزم البرنامج نحو 35 ألف مدير مستقبلي للتعاونيات بالخضوع لدورة تدريب عسكري أساسي تستمر 45 يوما، بدأت في 14 يونيو/ حزيران وتستمر حتى 31 يوليو داخل مراكز تدريب عسكرية موزعة على عدد من الأقاليم.
انتقادات حقوقية لطبيعة التدريب
ترى اللجنة الوطنية الإندونيسية لحقوق الإنسان أن تطوير قدرات مديري التعاونيات ينبغي أن يركز على الإدارة والقيادة والحوكمة والإدارة المالية، باعتبارها المهارات المرتبطة بطبيعة عملهم، وليس على التدريب العسكري.
واعتبرت منظمات حقوقية وائتلافات من المجتمع المدني أن ربط الكفاءة المهنية بالانضباط العسكري يوسع دور المؤسسة العسكرية في البرامج المدنية، ويثير تساؤلات حول احترام مبادئ الإدارة المدنية والحوكمة الديمقراطية، فضلاً عن مدى توافق بيئة التدريب مع حقوق المشاركين وسلامتهم.
وفي المقابل، أكدت وزارة الدفاع الإندونيسية أن الوفيات الخمس وقعت بين 17 و26 يونيو وأرجعتها إلى أسباب صحية مختلفة، شملت السكتة القلبية، وضربة الشمس، والسل، والالتهاب الرئوي، مشيرة إلى أن جميع المشاركين خضعوا لفحوص طبية قبل بدء البرنامج.
وأعلنت الوزارة أنها ستجري مراجعة شاملة لإجراءات السلامة، تشمل تعزيز الرقابة الصحية، والكشف المبكر عن الحالات الأكثر عرضة للمضاعفات، وتعديل شدة الأنشطة التدريبية، بالتنسيق مع وزارة الصحة، مع استمرار تنفيذ البرنامج في الوقت الراهن.
الحق في الحياة
تسلط القضية الضوء على التزامات الدول بحماية الحق في الحياة والسلامة الجسدية، ولا سيما عندما يتعلق الأمر ببرامج تدريبية تشرف عليها مؤسسات حكومية وتستهدف موظفين مدنيين.
فالمعايير الدولية لا تكتفي بإلزام السلطات بالامتناع عن تعريض الأفراد للخطر، بل تفرض عليها أيضاً اتخاذ جميع التدابير الوقائية اللازمة لمنع المخاطر المتوقعة، وضمان أن تكون طبيعة البرامج التدريبية متناسبة مع المهام الوظيفية التي يؤديها المشاركون.
وفي هذا السياق، يرى الباحث القانوني أحمد أبو هزيم، أن الدولة تتحمل التزاما إيجابيا بحماية الحق في الحياة والسلامة الجسدية لكل شخص يخضع لسلطتها، خاصة عندما يكون مشاركا في برنامج تنظمه أو تشرف عليه جهة حكومية.
ويؤكد أبو هزيم، في حديثه لـ”صفر”، أن هذا الالتزام يشمل إجراء تقييم مسبق للمخاطر، ووضع معايير واضحة للسلامة، وتوفير الرعاية الطبية والإشراف الصحي المناسب، إلى جانب إجراء تحقيق سريع ومستقل وفعال إذا وقعت وفيات أو إصابات جسيمة أثناء تنفيذ البرامج الحكومية.
ويشير إلى أن إخضاع موظفين مدنيين لتدريبات ذات طابع عسكري يجب أن يخضع لمبدأي الضرورة والتناسب، اللذين يشكلان أحد الأسس المعتمدة في تقييم مشروعية الإجراءات التي قد تمس الحقوق الأساسية.
المعايير الدولية للتدريب
يوضح أبو هزيم أن المعايير الدولية لا تمنع اعتماد تدريبات بدنية أو انضباطية في البرامج الحكومية من حيث المبدأ، لكنها تشترط أن تكون مرتبطة بطبيعة الوظيفة، وأن تحقق هدفا مشروعا، وألا تفرض على المشاركين مخاطر تتجاوز ما تقتضيه الحاجة الفعلية.
ويضيف أن واجب العناية الواجبة يقتضي أيضاً مراعاة الحالة الصحية للمشاركين، وتصميم البرامج بما يتناسب مع قدراتهم البدنية، وتوفير آليات فعالة للاستجابة الطبية، ووقف أي نشاط يثبت أنه ينطوي على مخاطر غير مبررة.
ويستند هذا الالتزام، بحسب أبو هزيم، إلى المادة الثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي تكفل الحق في الحياة والأمن الشخصي، وإلى المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، إضافة إلى التعليق العام رقم (36) الصادر عن لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، والذي يؤكد أن حماية الحق في الحياة تتطلب من الدول اتخاذ تدابير إيجابية لمنع الأخطار التي قد تنشأ عن الأنشطة أو البرامج التي تشرف عليها السلطات العامة.
ويرى أن أي تحقيق في هذه الحادثة ينبغي ألا يقتصر على تحديد الأسباب الطبية للوفيات، بل يجب أن يشمل تقييم مدى كفاية التدابير الوقائية، ومدى ملاءمة طبيعة التدريب للمشاركين المدنيين، وما إذا كانت الجهات المنظمة قد أوفت بواجبها القانوني في حماية حياتهم وسلامتهم.
الحماية معيار لنجاح البرامج
تكشف الحادثة أن نجاح البرامج الحكومية لا يقاس فقط بقدرتها على تحقيق أهدافها التنموية أو الإدارية، وإنما أيضاً بمدى احترامها للحقوق الأساسية للأفراد الذين يشاركون فيها.
وفي حالة البرامج التدريبية التي تنظمها الدولة، تظل حماية الحق في الحياة والسلامة الجسدية جزءاً من مسؤولياتها القانونية، وهو ما يفرض مراجعة مستمرة لمعايير السلامة، وآليات تقييم المخاطر، وطبيعة التدريبات المفروضة على المشاركين، بما يضمن توافقها مع طبيعة وظائفهم المدنية.
وفي هذا الإطار، يمثل التحقيق المستقل والشفاف في أسباب الوفيات، ومراجعة مدى تناسب التدريب العسكري مع الأهداف التنموية للبرنامج، خطوة أساسية لتعزيز المساءلة، وترسيخ الثقة بالمؤسسات العامة، وضمان ألا تتحول البرامج الحكومية إلى مصدر خطر على المشاركين بدلاً من أن تكون وسيلة لبناء قدراتهم.

