منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

كارثة البلاستيك تتفاقم.. 52 مليون طن من النفايات تتسرب إلى البيئة سنوياً

07 يوليو 2026
التلوث البلاستيكي
التلوث البلاستيكي

أظهرت أحدث الدراسات العلمية أن العالم يواجه تصاعداً غير مسبوق في أزمة التلوث البلاستيكي، بعدما أصبحت كميات هائلة من النفايات تتسرب سنوياً إلى البر والبحر والأنهار أو تتعرض للحرق العشوائي، في ظل اتساع الإنتاج العالمي وعجز كثير من الدول عن تطوير أنظمة فعالة لإدارة المخلفات، وأكدت الدراسة المرجعية التي نشرتها مجلة “نيتشر” أن أكثر من 52 مليون طن من النفايات البلاستيكية انتهت إلى البيئة أو أحرقت بصورة غير نظامية خلال عام واحد، في مؤشر يعكس اتساع الفجوة بين حجم الإنتاج العالمي وقدرات الدول على إدارة المخلفات بطريقة آمنة.

إنتاج قياسي ونفايات تتضاعف

أوضحت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن إنتاج البلاستيك العالمي ارتفع من نحو مليوني طن فقط عام 1950 إلى أكثر من 460 مليون طن سنوياً في الوقت الحالي، في حين تضاعفت كمية النفايات البلاستيكية بوتيرة أسرع من نمو السكان والاقتصاد العالمي.

وأكدت المنظمة أن العالم ينتج اليوم أكثر من ضعف كمية البلاستيك التي كان ينتجها قبل عقدين، في حين لا تزال أنظمة جمع وإعادة تدوير المخلفات عاجزة عن مواكبة هذا النمو.

52 مليون طن خارج منظومة الإدارة

كشفت دراسة مجلة نيتشر أن أكثر من 52 مليون طن من النفايات البلاستيكية لا تصل إلى أنظمة الجمع أو إعادة التدوير، بل تنتهي في الطبيعة أو تحرق في العراء، وهو ما يرفع مستويات التلوث في التربة والمياه والهواء.

 وأوضحت الدراسة أن الدول منخفضة ومتوسطة الدخل تتحمل النصيب الأكبر من هذه الأزمة؛ نتيجة محدودية البنية التحتية الخاصة بإدارة النفايات، إلا أن الدول مرتفعة الدخل تسهم بصورة كبيرة في إنتاج البلاستيك واستهلاكه، ما يجعل الأزمة مسؤولية عالمية مشتركة.

آسيا وإفريقيا في قلب الأزمة

أظهرت الدراسة المنشورة في مجلة نيتشر أن أكثر من ثلثي النفايات البلاستيكية غير الخاضعة للإدارة تتركز في آسيا وإفريقيا، حيث يفتقر مئات الملايين من السكان إلى خدمات منتظمة لجمع النفايات.

 كما أشارت الدراسة إلى أن النمو السكاني السريع والتوسع الحضري وارتفاع معدلات الاستهلاك يزيد الضغوط على أنظمة إدارة المخلفات، الأمر الذي يؤدي إلى انتشار المكبات العشوائية والحرق المفتوح للنفايات.

أزمة تتجاوز البيئة إلى الصحة

أكدت منظمة الصحة العالمية أن الحرق العشوائي للنفايات البلاستيكية يطلق مواد سامة تشمل الديوكسينات والمعادن الثقيلة والجسيمات الدقيقة، وهي ملوثات ترتبط بزيادة مخاطر الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي والقلب وبعض أنواع السرطان واضطرابات النمو لدى الأطفال.

كما حذرت المنظمة من أن استمرار التعرض لهذه الانبعاثات يمثل تحدياً صحياً متزايداً، خصوصاً في المجتمعات التي تعتمد على الحرق المكشوف للتخلص من النفايات.

البلاستيك في الغذاء والمياه

أوضح برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن الجزيئات البلاستيكية الدقيقة أصبحت موجودة في مياه الشرب والأنهار والبحار والتربة الزراعية والمنتجات الغذائية، بعدما انتقلت عبر سلاسل الغذاء والهواء. كما أكد البرنامج أن الدراسات العلمية رصدت وجود هذه الجزيئات داخل أجسام البشر، الأمر الذي دفع المجتمع العلمي إلى تكثيف الأبحاث لفهم آثارها الصحية طويلة الأمد.

البحار تدفع الثمن

أكد برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن ما بين 9 و14 مليون طن من نفايات البلاستيك تتسرب سنوياً إلى النظم البيئية المائية، ومنها الأنهار والبحيرات والمحيطات.

وتشير تقديرات البرنامج إلى أن استمرار الاتجاه الحالي قد يؤدي إلى تضاعف هذه الكميات خلال العقود المقبلة إذا لم تتخذ الدول إجراءات جذرية للحد من إنتاج البلاستيك أحادي الاستخدام وتحسين إدارة النفايات.

خسائر تهدد التنوع البيولوجي

أوضح الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة أن البلاستيك يؤثر في أكثر من 800 نوع من الكائنات البحرية والساحلية، حيث تتعرض الحيوانات للاختناق أو الابتلاع أو التشابك داخل المخلفات البلاستيكية، كما أكد الاتحاد أن النفايات البلاستيكية أصبحت أحد أبرز مصادر الضغط على النظم البيئية البحرية، إلى جانب تغير المناخ والصيد الجائر.

كما أشارت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن نحو 9 في المئة فقط من النفايات البلاستيكية على مستوى العالم تخضع لإعادة التدوير، في حين يذهب نحو 19 في المئة إلى الحرق داخل منشآت مخصصة، وينتهي ما يقرب من نصفها في مدافن النفايات، في حين تتسرب الكميات المتبقية إلى البيئة أو تحرق بصورة غير نظامية، وهو ما يكشف محدودية فعالية المنظومة العالمية الحالية لإدارة البلاستيك.

الفئات الأكثر تضرراً

أكدت منظمة الأمم المتحدة للطفولة أن الأطفال في المناطق الفقيرة يتحملون جانباً كبيراً من الآثار الصحية الناتجة عن التلوث البيئي وسوء إدارة النفايات، خصوصاً في المناطق التي تنتشر فيها مكبات القمامة المفتوحة وعمليات الحرق العشوائي، كما حذرت المنظمة من أن التعرض المستمر للهواء الملوث يرفع احتمالات الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي ويؤثر في النمو البدني والعقلي للأطفال.

أزمة مناخية موازية

أوضح برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن دورة حياة البلاستيك، بدءاً من استخراج النفط والغاز مروراً بالإنتاج والنقل وحتى التخلص من النفايات، تسهم بصورة مباشرة في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري. كما تشير تقديرات المنظمة إلى أن استمرار أنماط الإنتاج الحالية قد يؤدي إلى زيادة إسهامات البلاستيك في الانبعاثات العالمية خلال العقود المقبلة، ما يعقد جهود تنفيذ اتفاق باريس للمناخ.

معاهدة عالمية في مواجهة أزمة متفاقمة

أكد برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن الدول الأعضاء في الأمم المتحدة تواصل منذ عام 2022 التفاوض على أول معاهدة دولية ملزمة قانونياً لمواجهة التلوث البلاستيكي، وذلك تنفيذاً للقرار الذي اعتمدته جمعية الأمم المتحدة للبيئة في دورتها الخامسة. وتهدف المفاوضات إلى وضع إطار قانوني يغطي دورة حياة البلاستيك بالكامل، بدءاً من تصميم المنتجات وإنتاجها، مروراً بالاستهلاك وإعادة الاستخدام، وصولاً إلى إدارة النفايات، في محاولة لمعالجة جذور الأزمة بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع آثارها.

القانون الدولي أمام اختبار جديد

تشير اتفاقية بازل إلى ضرورة تنظيم حركة النفايات الخطرة وبعض أنواع النفايات البلاستيكية عبر الحدود، والحد من انتقالها إلى الدول التي تفتقر إلى البنية التحتية اللازمة لمعالجتها بطريقة آمنة، كما تؤكد الأمم المتحدة أن تطبيق الاتفاقية يمثل أحد أهم الأدوات القانونية لمنع تحول الدول منخفضة الدخل إلى وجهة لتصدير النفايات البلاستيكية من الدول الصناعية، وهو ما ينسجم مع مبادئ العدالة البيئية وتقاسم المسؤوليات.

وأكدت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن التلوث البلاستيكي لم يعد قضية بيئية فقط، بل أصبح قضية ترتبط مباشرة بحقوق الإنسان، وفي مقدمتها الحق في الصحة، والحق في الحصول على مياه نظيفة، والحق في بيئة سليمة، كما شددت المفوضية على أن المجتمعات الفقيرة والسكان الأصليين والعاملين في جمع النفايات يتحملون العبء الأكبر من آثار التلوث، رغم أنهم الأقل إسهاماً في إنتاجه.

 تحذيرات منظمات حقوقية وبيئية

دعت منظمة السلام الأخضر “غرينبيس” إلى خفض إنتاج البلاستيك عالمياً، معتبرة أن الاعتماد على إعادة التدوير وحدها لن يوقف تفاقم الأزمة. كما طالبت المنظمة بوضع أهداف ملزمة لخفض إنتاج البلاستيك البكر، وحظر بعض المنتجات البلاستيكية أحادية الاستخدام، وتعزيز مسؤولية الشركات المصنعة عن دورة حياة منتجاتها.

وأكد الصندوق العالمي للطبيعة “WWF” أن استمرار الاتجاه الحالي سيؤدي إلى تضاعف كمية البلاستيك المتسربة إلى المحيطات خلال العقود المقبلة، إذا لم تعتمد الحكومات سياسات أكثر صرامة للحد من الإنتاج والاستهلاك، كما أوضح الصندوق أن التلوث البلاستيكي يهدد الأمن الغذائي والاقتصادات الساحلية والسياحة والثروة السمكية في كثير من دول العالم.

 خسائر اقتصادية بمليارات الدولارات

أوضح برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن التلوث البلاستيكي لا يقتصر أثره على البيئة والصحة، بل يفرض أعباءً اقتصادية متزايدة على الحكومات والقطاع الخاص. وتشير تقديرات البرنامج إلى أن تكلفة الأضرار البيئية والاجتماعية والاقتصادية الناجمة عن البلاستيك تصل إلى مئات المليارات من الدولارات سنوياً، نتيجة تلوث البحار، وتراجع الثروة السمكية، وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية، وانخفاض إنتاجية بعض القطاعات الاقتصادية.

كما أكد البنك الدولي أن تحسين أنظمة جمع النفايات وإعادة تدويرها يمثل استثماراً اقتصادياً طويل الأجل؛ لأنه يقلل تكاليف التلوث ويحافظ على الموارد الطبيعية ويخلق فرص عمل جديدة ضمن الاقتصاد الدائري.

 الدول النامية تتحمل العبء الأكبر

تشير بيانات البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن أكثر من ملياري شخص حول العالم لا يحصلون على خدمات منتظمة لإدارة النفايات الصلبة، في حين يفتقر مئات الملايين إلى خدمات جمع النفايات الأساسية. ويؤدي هذا الواقع إلى انتشار الحرق المكشوف والمكبات العشوائية، خصوصاً في المناطق الحضرية سريعة النمو، ما يزيد المخاطر الصحية والبيئية على السكان.

 الاقتصاد الدائري بوصفه بديلاً

أكدت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن التحول إلى الاقتصاد الدائري يمثل أحد أهم الحلول طويلة المدى، من خلال تقليل استهلاك المواد الخام، وإطالة عمر المنتجات، وزيادة إعادة الاستخدام والتدوير، كما أوضحت المنظمة أن رفع معدلات إعادة التدوير وحده لن يكون كافياً، ما لم يتزامن مع خفض إنتاج البلاستيك غير الضروري وتشجيع الابتكار في المواد البديلة.

يذكر أنه قد بدأ الإنتاج التجاري للبلاستيك في خمسينيات القرن الماضي، وتحول خلال العقود التالية إلى أحد أكثر المواد استخداماً في العالم بفضل انخفاض تكلفته وسهولة تصنيعه. وتشير بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن الإنتاج العالمي تضاعف عشرات المرات خلال سبعة عقود، في حين لم تتطور أنظمة إدارة النفايات بالوتيرة نفسها، وهو ما أدى إلى تراكم ملايين الأطنان في البيئة البرية والبحرية. ومع بداية الألفية الجديدة، تصاعدت التحذيرات العلمية من آثار الجسيمات البلاستيكية الدقيقة، قبل أن تتحول القضية إلى ملف رئيسي على أجندة الأمم المتحدة التي أطلقت مفاوضات معاهدة عالمية ملزمة لمواجهة التلوث البلاستيكي.

تحديات المستقبل

أكد برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن العالم يقف أمام فرصة حاسمة لإعادة صياغة طريقة إنتاج البلاستيك واستهلاكه والتخلص منه. ويرى البرنامج أن استمرار السياسات الحالية سيؤدي إلى زيادة النفايات البلاستيكية والانبعاثات المرتبطة بها، في حين يمكن للإصلاحات الشاملة أن تقلل التلوث بصورة كبيرة، وتحافظ على التنوع البيولوجي، وتخفض الانبعاثات، وتوفر مليارات الدولارات من الخسائر الاقتصادية.

تعكس أزمة النفايات البلاستيكية واحدة من أكثر التحديات البيئية والإنسانية تعقيداً في القرن الحادي والعشرين، بعدما تجاوزت آثارها حدود التلوث التقليدي لتطول الصحة العامة والأمن الغذائي والمناخ والاقتصاد والتنوع البيولوجي.

 وتؤكد أحدث الدراسات العلمية وتقارير الأمم المتحدة أن معالجة الأزمة لن تتحقق عبر تحسين إدارة النفايات فقط، بل تتطلب تحولاً جذرياً في أنماط الإنتاج والاستهلاك، وتعزيز التشريعات الدولية، وتسريع المفاوضات بشأن المعاهدة العالمية للبلاستيك، إلى جانب توفير التمويل اللازم للدول النامية حتى تتمكن من بناء منظومات مستدامة لإدارة المخلفات.

 وفي ظل تسرب أكثر من 52 مليون طن من النفايات البلاستيكية إلى البيئة أو حرقها عشوائياً كل عام، تبدو السنوات المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كان العالم قادراً على احتواء الأزمة، أو سيواجه تداعيات بيئية وصحية واقتصادية أشد اتساعاً.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print