شكّل الحوار التفاعلي بشأن تقرير المفوضية السامية لحقوق الإنسان حول حالة حقوق الإنسان في أوكرانيا جلسة ذات طابع حقوقي وسياسي واضح، عكست استمرار الحرب الروسية على أوكرانيا بوصفها واحدة من أكثر الأزمات الدولية إلحاحاً على أجندة مجلس حقوق الإنسان، وقد اتجهت غالبية المداخلات إلى تحميل الاتحاد الروسي المسؤولية الرئيسية عن تدهور أوضاع حقوق الإنسان، خصوصاً بسبب الهجمات على المدنيين والبنية التحتية، والانتهاكات في الأراضي الأوكرانية المحتلة مؤقتاً، ومنها شبه جزيرة القرم.
افتتح المفوض السامي فولكر تورك الجلسة بإحاطة شديدة اللهجة، أشار فيها إلى ارتفاع كبير في أعداد الضحايا المدنيين، وتزايد استخدام الطائرات المسيّرة والأسلحة بعيدة المدى، واستهداف البنية التحتية للطاقة خلال الشتاء، إضافة إلى إعدام أسرى حرب أوكرانيين وتعذيب وسوء معاملة محتجزين، كما شدد على استمرار الانتهاكات في الأراضي المحتلة، ومنها طرد السكان، تقييد حرية التعبير، مصادرة الممتلكات، وفرض نظام قانوني وإداري لا يختاره السكان.
وقد ركزت أوكرانيا في مداخلتها على أن الحرب الروسية ليست مجرد اعتداء عسكري، بل مشروع يستهدف الشعب الأوكراني وهويته ومستقبله، واعتبرت أن استهداف المواقع الثقافية والدينية والمدارس والمكتبات والمتاحف، إلى جانب فرض الرواية الروسية وعسكرة الأطفال، يمثل محاولة لمحو ذاكرة وطنية وهوية جماعية.
دعم دولي لموقف أوكرانيا
أما الدول الداعمة لأوكرانيا، وفي مقدمتها الاتحاد الأوروبي، ودول الشمال الأوروبي والبلطيق، وألمانيا، وفرنسا، والمملكة المتحدة، وهولندا، وبولندا، وسلوفاكيا، واليونان، وبلجيكا، وإسبانيا، والبرتغال، واليابان، وأستراليا، فقد ركزت على إدانة روسيا، والدعوة إلى احترام سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
وفي المقابل، تبنت دول مثل كوريا الشمالية، بيلاروس، وفنزويلا خطاباً مضاداً ركز على رفض “تسييس” مجلس حقوق الإنسان، وانتقاد ما اعتبرته انتقائية ومعايير مزدوجة في التعامل مع الملف الأوكراني.
وتكشف الجلسة أن النقاش لم يكن محصوراً في وقائع عسكرية أو إنسانية منفصلة، بل دار حول مجموعة مترابطة من القضايا: حماية المدنيين، الأطفال، أسرى الحرب، البنية التحتية، الاحتلال، الهوية الوطنية، العنف الجنسي، الوصول الإنساني، التوثيق، والمساءلة.
كما أظهرت الجلسة أن ملف أوكرانيا بات يمثل اختباراً سياسياً وقانونياً لمجلس حقوق الإنسان، بين اتجاه يطالب بالمحاسبة الصارمة، واتجاه آخر يطعن في شرعية النقاش من زاوية التسييس والانتقائية.
سياق جلسة أوكرانيا وأهميتها
تأتي هذه الجلسة في إطار متابعة مجلس حقوق الإنسان لتطورات حالة حقوق الإنسان في أوكرانيا، في ظل استمرار الحرب واسعة النطاق منذ عام 2022، واستمرار الاحتلال الروسي لشبه جزيرة القرم ومناطق أوكرانية أخرى، وتركز الجلسة على عرض المفوضية السامية لحقوق الإنسان وتفاعل الدول والمنظمات معه، ما يجعلها محطة مهمة لفهم الاتجاهات الدولية في التعامل مع الحرب من منظور حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.
تكمن أهمية الجلسة في ثلاثة مستويات رئيسية.
1. المستوى الأول هو المستوى الحقوقي، إذ تضمنت الجلسة توثيقاً لمجموعة واسعة من الانتهاكات، منها قتل المدنيين، التعذيب، سوء معاملة أسرى الحرب، العنف الجنسي، الاختفاء القسري، الاحتجاز التعسفي، الترحيل القسري للأطفال، استهداف البنية التحتية، والقيود على الحريات في الأراضي المحتلة.
2. المستوى الثاني هو المستوى السياسي، إذ كشفت الجلسة خريطة واضحة للمواقف الدولية، غالبية الدول الغربية والدول الحليفة لأوكرانيا استخدمت لغة حادة تجاه روسيا، في حين تبنت دول حليفة أو قريبة من موسكو خطاباً دفاعياً أو تشكيكياً يركز على التسييس والانتقائية، وهذا يجعل الجلسة ليست مجرد نقاش تقني حول تقرير أممي، بل مساحة لإعادة إنتاج الاصطفافات الدولية حول الحرب.
3. المستوى الثالث هو المستوى القانوني، حيث حضرت بقوة مفاهيم القانون الدولي الإنساني، واجبات القوة القائمة بالاحتلال، حماية المدنيين، حظر التعذيب، حماية أسرى الحرب، حق الأطفال في الهوية والتعليم والأسرة، وضرورة المساءلة عبر المحكمة الجنائية الدولية وآليات التحقيق والمحكمة الخاصة بجريمة العدوان.
الحرب بوصفها أزمة حقوق إنسان
قدم فولكر تورك إحاطة حادة ومباشرة، ركز فيها على أن المدنيين في أوكرانيا يدفعون ثمناً متزايداً لاستمرار الحرب، وقد بدأ بالإشارة إلى يوم حداد في كييف بعد هجمات روسية أوقعت قتلى وجرحى من المدنيين، ثم انتقل إلى عرض أرقام تعكس اتساع الأزمة.
أبرز ما في إحاطة المفوض السامي أنه نقل النقاش من مستوى “النزاع المسلح” إلى مستوى “الانهيار اليومي للحقوق الأساسية”، فقد أشار إلى مقتل نحو 1300 مدني وإصابة 6900 آخرين بين ديسمبر/كانون الأول 2025 ومايو/أيار 2026، بزيادة 40% عن العام السابق، كما أشار إلى أن 96% من الضحايا المدنيين في أوكرانيا وقعوا في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الأوكرانية، مرجعاً ذلك إلى استخدام روسيا للأسلحة بعيدة المدى والطائرات المسيّرة.
ولم يتوقف المفوض عند الضحايا، بل ربط الهجمات بتعطيل المساعدات الإنسانية، وإعاقة عمليات الإجلاء، وصعوبة توفير الرعاية الطبية، كما تحدث عن آلاف المدنيين العالقين في المناطق المحتلة دون غذاء أو أدوية، وهو ما يعكس أن الحرب لا تنتج ضحايا مباشرين فقط، بل تخلق بيئة واسعة من الحرمان والخوف والعجز.
وكان ملف أسرى الحرب والمحتجزين محوراً خطيراً في الإحاطة، فقد أكد تورك أن مكتبه تحقق من إعدام 20 جندياً أوكرانياً كانوا محتجزين لدى القوات الروسية، وأن نصف أسرى الحرب الأوكرانيين الذين قابلهم مكتب المفوضية أفادوا بتعرضهم للتعذيب وسوء المعاملة والحرمان من الغذاء، هنا وضع المفوض المسألة في إطار قانوني صارم، مؤكداً أن حظر التعذيب حق مطلق.
أما في ملف البنية التحتية، فقد وصف المفوض أثر الهجمات الروسية في منشآت الطاقة خلال شتاء شديد البرودة، حيث حُرم آلاف المدنيين من الكهرباء والتدفئة والمياه الساخنة، أحياناً لأسابيع، هذا المحور مهم لأنه يقدم استهداف الطاقة ليس بوصفه ضرراً مادياً فقط، بل بوصفه انتهاكاً يمس الحق في الحياة والصحة والسكن والمياه والحماية من الظروف القاسية.
وفي الأراضي المحتلة، ركز تورك على انتهاك روسيا لقوانين الاحتلال، وتحدث عن الطرد من المنازل، تقييد حرية التعبير، الأحكام ضد معارضي الحرب أو داعمي أوكرانيا، و40 ألف حالة نزع ملكية، وفي ملاحظاته الختامية، عاد إلى هذه النقطة ليؤكد أن الاحتلال، بموجب القانون الدولي الإنساني، وضع مؤقت لا يسمح للقوة القائمة بالاحتلال بتغيير النظام القانوني والمؤسسي في الأرض المحتلة.
أوكرانيا تتهم روسيا بمحو الهوية
قدمت أوكرانيا مداخلة ذات طابع عاطفي وسياسي وحقوقي في آن واحد، وقد سعت من خلالها إلى تأطير الحرب الروسية باعتبارها اعتداءً متعمداً على الشعب الأوكراني وهويته ومستقبله، لا مجرد عمليات عسكرية أو نزاع حدودي.
ركزت أوكرانيا على الهجمات اليومية بالطائرات المسيّرة والصواريخ، وتدمير المستشفيات والمدارس والبنى التحتية، لكنها منحت أهمية خاصة لاستهداف التراث الثقافي والديني، ومنه موقع تراث عالمي تابع لليونسكو وكاتدرائية تاريخية، واعتبرت أن استهداف هذه المواقع ليس اعتداءً على مبانٍ، بل على ذاكرة أمة كاملة.
هذا الخطاب يهدف إلى توسيع مفهوم الضحية، فالضحية ليست فقط الشخص الذي يُقتل أو يُصاب، بل المجتمع الذي تُستهدف ذاكرته، والأطفال الذين يُعاد تشكيل وعيهم، والأسر التي تُجبر على قبول رواية المحتل، والمحتجزون الذين يتعرضون للتجويع والإهانة والتعذيب.
وأعادت أوكرانيا تعريف الاحتلال من منظور الحياة اليومية، فالاحتلال، وفق مداخلتها، لا يُقاس بعدد الحواجز أو الجنود، بل بالخوف المستمر، والحرمان من الغذاء والمياه والأدوية، وتعذر وصول المسنين إلى المستشفيات، ونشأة الأطفال دون أمن أو أمل، والتعرض للعنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي.
الرسالة المركزية لأوكرانيا كانت أن روسيا تسعى إلى تطبيع الجرائم، ولهذا دعت إلى استمرار الضغط الدولي وتفعيل جميع آليات المساءلة، معتبرة أن تأخير العدالة يعني الحرمان منها، هذه العبارة شكلت جوهر الموقف الأوكراني في الجلسة: العدالة ليست ملفاً مؤجلاً لما بعد الحرب، بل شرط لوقف تكرار الانتهاكات.
خريطة المواقف الدولية
1. الكتلة الداعمة لأوكرانيا
غالبية الدول التي تحدثت في الجلسة دعمت أوكرانيا بوضوح، وركزت على إدانة روسيا، والدعوة إلى احترام سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، هذه الكتلة ضمت الاتحاد الأوروبي، دول الشمال الأوروبي والبلطيق، ألمانيا، فرنسا، المملكة المتحدة، هولندا، بولندا، رومانيا، التشيك، سلوفاكيا، اليونان، البرتغال، النمسا، سلوفينيا، إسبانيا، بلجيكا، لوكسمبورغ، مالطا، اليابان، أستراليا، جورجيا، وغيرها.
يمكن تلخيص خطاب هذه الكتلة في خمسة عناصر:
· أولاً، تحميل روسيا المسؤولية الرئيسية عن الانتهاكات المرتكبة في أوكرانيا.
· ثانياً، تأكيد أن الهجمات على المدنيين والبنية التحتية قد ترقى إلى انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني.
· ثالثاً، التركيز على الأطفال، خصوصاً الترحيل القسري، عسكرة التعليم، فرض المناهج الروسية، ومحاولات تغيير الهوية.
· رابعاً، المطالبة بوصول المفوضية السامية وآليات الرصد إلى الأراضي المحتلة والقرم.
· خامساً، دعم آليات المساءلة، ومنها المحكمة الجنائية الدولية، التحقيقات الدولية، المحكمة الخاصة بجريمة العدوان، وآليات التعويض.
2. الخط الإنساني المحايد
بعض الجهات والمنظمات، مثل منظمة فرسان مالطا ذات السيادة، ركزت على ضرورة احترام جميع الأطراف للقانون الدولي الإنساني، وعلى الاحتياجات الإنسانية، والدعم النفسي والاجتماعي، والمساعدات الغذائية، والمأوى، والأدوية، هذا الخط لم ينفِ الانتهاكات، لكنه صاغ مداخلته بلغة إنسانية أكثر من كونها سياسية.
تركيا أيضاً اتخذت خطاباً يجمع بين دعم سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها، ومنها القرم، وبين تأكيد الحوار والدبلوماسية، ودورها في إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، كما ركزت على سلامة ورفاه تتار القرم.
3. الكتلة المتحفظة أو المعارضة
كوريا الشمالية، بيلاروس، وفنزويلا قدمت مداخلات تنتقد طريقة تناول الملف. كوريا الشمالية رأت أن التقرير والإحاطة يركزان بصورة أحادية على انتقاد روسيا، ووصفت المقاربة بأنها مسيسة وانتقائية، بيلاروس تحدثت عن هجمات أوكرانية على الأراضي الروسية ومواطنين روس، وانتقدت الخطاب العدائي تجاه روسيا، أما فنزويلا فركزت على أن البند العاشر يجب أن يكون لبناء القدرات والمساعدة التقنية بموافقة الدول، معتبرة أن التسييس والمعايير المزدوجة يقوضان مصداقية المجلس.
هذا الخط لم يكن الأكبر عدداً، لكنه مهم لأنه يكشف أن ملف أوكرانيا داخل مجلس حقوق الإنسان ليس إجماعاً بالكامل، بل يعكس الانقسام الدولي الأوسع بشأن الحرب، ووظيفة آليات حقوق الإنسان، وحدود استخدام المجلس بوصفه منصة للمساءلة السياسية والقانونية.
المحاور الحقوقية لجلسة أوكرانيا
1. حماية المدنيين وتصاعد الضحايا
كان ملف الضحايا المدنيين المحور الأبرز، فالمفوض السامي تحدث عن ارتفاع بنسبة 40% في أعداد الضحايا مقارنة بالعام السابق، وعن تزايد استخدام الطائرات المسيّرة والأسلحة بعيدة المدى، كما أشارت دول عديدة إلى أن شهر مايو كان من أكثر الفترات دموية للمدنيين.
التحليل الحقوقي لهذا المحور يبين أن الجلسة تعاملت مع حماية المدنيين باعتبارها جوهر الأزمة، فالمدنيون لم يظهروا بوصفهم ضحايا جانبيين، بل مركز الاستهداف والضرر، وقد ربطت الدول بين الهجمات على المناطق المأهولة بالسكان وبين انتهاكات محتملة لمبادئ القانون الدولي الإنساني، خصوصاً التمييز بين الأهداف المدنية والعسكرية، والتناسب، والاحتياطات الواجبة أثناء الهجمات.
2. استهداف البنية التحتية والطاقة
تكرر الحديث عن استهداف منشآت الطاقة والكهرباء والتدفئة والمياه، خصوصاً خلال الشتاء، هذا الملف مهم لأنه يوضح كيف يمكن أن تتحول البنية التحتية المدنية إلى وسيلة ضغط على السكان.
الضرر هنا ليس تقنياً أو خدمياً فقط، فانقطاع الكهرباء يعني تعطيل المستشفيات، المدارس، المصاعد، التدفئة، المياه، الملاجئ، والاتصالات، لذلك ربطت مداخلات عدة هذا الملف بحقوق الإنسان الأساسية، خاصة الحق في الصحة، الحياة، السكن، المياه، الكرامة الإنسانية، والحماية الخاصة للفئات الضعيفة.
3. الأطفال: بين القتل والترحيل وعسكرة التعليم
كان ملف الأطفال من أكثر الملفات حضوراً، فاليونيسف تحدثت عن ارتفاع ضحايا الأطفال بنسبة 66% في مايو مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، وعن مقتل أو إصابة أكثر من 3600 طفل منذ بداية الحرب واسعة النطاق، كما تحدثت دول ومنظمات عن الترحيل القسري، النقل، فرض المناهج الروسية، عسكرة التعليم، منع التعليم باللغة الأوكرانية، ومحاولات تغيير الهوية.
حقوقياً، يجمع هذا الملف بين انتهاكات متعددة: الحق في الحياة، الحق في التعليم، الحق في الأسرة، الحق في الهوية، الحماية من التجنيد أو العسكرة، الحماية من النقل القسري، والحماية من الدعاية الحربية، ولذلك كان من أكثر الملفات قدرة على حشد المواقف الدولية.
4. أسرى الحرب والمحتجزون
تناولت الجلسة إعدام أسرى حرب أوكرانيين، وتعذيب وسوء معاملة الأسرى والمحتجزين، والحرمان من الغذاء، وظروف الاحتجاز القاسية، والعنف الجنسي، والاختفاء القسري. وشدد المفوض السامي على أن حظر التعذيب مطلق، وأن سوء معاملة أسرى الحرب يجب أن يتوقف.
هذا المحور يحمل ثقلاً قانونياً خاصاً؛ لأن أسرى الحرب يتمتعون بحماية واضحة بموجب القانون الدولي الإنساني، وقتلهم أو تعذيبهم قد يرقى إلى جرائم حرب، كما أن المدنيين المحتجزين والمختفين قسراً يشكلون ملفاً شديد الحساسية، خصوصاً في ظل صعوبة وصول آليات الرصد إلى أماكن الاحتجاز.
5. الاحتلال والقانون الدولي الإنساني
في إحاطته وملاحظاته الختامية، ركز تورك على واجبات القوة القائمة بالاحتلال، وقال بوضوح إن الاحتلال وضع مؤقت، ولا يجوز للقوة القائمة بالاحتلال تغيير النظام القانوني والمؤسسي القائم أو فرض نظام جديد على السكان.
هذا المحور مهم لأنه يقدم إطاراً قانونياً لفهم الانتهاكات في القرم والمناطق المحتلة، ففرض الجنسية الروسية، تغيير المناهج، مصادرة الممتلكات، التجنيد القسري، تقييد الحريات، واستبدال المؤسسات لا تظهر هنا بوصفها إجراءات إدارية، بل بوصفها خرقاً لمنطق قانون الاحتلال نفسه.
6. محو الهوية الأوكرانية
تكرر في الجلسة اتهام روسيا بمحاولة محو الهوية الأوكرانية، هذا ظهر في مداخلة أوكرانيا، ودول مثل ألمانيا، هولندا، ليتوانيا، سويسرا، سلوفاكيا، جورجيا، وغيرها. أدوات هذا المحور تشمل تقييد اللغة الأوكرانية، فرض المناهج الروسية، عسكرة الأطفال، تدمير المواقع الثقافية والدينية، فرض الجنسية، ومعاقبة التعبير عن الهوية الأوكرانية.
هذا الملف يعطي الجلسة بعداً يتجاوز الانتهاكات الفردية، فهو يتناول الضرر الجماعي طويل الأمد، ومحاولة إعادة تشكيل وعي السكان في الأراضي المحتلة.
7. العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي
حضر ملف العنف الجنسي في مداخلات أوكرانيا، الاتحاد الأوروبي، ألمانيا، النمسا، مركز اللاعنف العالمي، ومنظمات أخرى، وقد جاء غالباً في سياق التعذيب، الاحتجاز، والعنف المرتبط بالنزاع.
ورغم أنه لم يكن المحور الأكبر من حيث عدد المداخلات، فإنه يحمل أهمية خاصة لأنه يرتبط بالمساءلة، وجبر الضرر، والحاجة إلى دعم نفسي واجتماعي للناجين والناجيات، مع مراعاة الأبعاد الجنسانية للانتهاكات.
8. النساء والرعاية والبنية الاجتماعية
قدمت بعض المنظمات، خصوصاً الرابطة النسائية الدولية للسلام والحرية، زاوية مهمة حول آثار الحرب في النساء وشبكات الرعاية، فقد أشارت إلى أن تدمير البنية التحتية للطاقة والكهرباء والتدفئة لا يؤثر فقط في الخدمات، بل يضرب قدرة الأسر والمجتمعات على تقديم الرعاية وتلقيها.
هذا المحور يوسع التحليل من الضحايا المباشرين إلى البنية الاجتماعية للحياة اليومية، فالنساء، بحسب هذا الطرح، يتحملن عبئاً مضاعفاً في توفير الرعاية النفسية والاجتماعية والمادية في ظل انهيار الخدمات وتشتت الأسر.
9. الوصول الإنساني ووصول آليات الرصد
طالب عدد كبير من الدول والمنظمات بالسماح للمفوضية السامية وآليات حقوق الإنسان بالوصول إلى الأراضي المحتلة، ومنها القرم، وإلى المناطق الخاضعة للسيطرة الروسية، كما أشار المفوض إلى أن مكتبه لم يتمكن من التحقق من بعض الأرقام داخل روسيا بسبب غياب الوصول.
هذا الملف أساسي لأن التوثيق شرط للمساءلة، وغياب الوصول يعني صعوبة التحقق من الانتهاكات، ومعرفة مصير المحتجزين والمختفين، وتحديد المسؤوليات، لذلك اعتبرت مداخلات عدة أن الوصول ليس إجراءً فنياً، بل شرط لحماية الضحايا وتحقيق العدالة.
10. المساءلة وعدم الإفلات من العقاب
المساءلة كانت الخيط الناظم للجلسة، أوكرانيا قالت إن تأخير العدالة يعني الحرمان منها، الاتحاد الأوروبي وهولندا وألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة ومجلس أوروبا ودول أخرى طالبت بتفعيل آليات المساءلة، ومنها المحكمة الجنائية الدولية، التحقيقات الدولية، المحكمة الخاصة بجريمة العدوان، وآليات التعويض.
وفي ملاحظاته الختامية، أكد المفوض السامي أهمية استمرار التوثيق وإتاحة الأدلة لآليات المساءلة الوطنية والدولية، وهذا يعني أن الجلسة لم تكن فقط لتسجيل المواقف، بل لدفع مسار العدالة وربط التوثيق بالتحقيق والمحاسبة.
دور المنظمات غير الحكومية
لعبت المنظمات غير الحكومية دوراً مهماً في إدخال تفاصيل أكثر تحديداً إلى النقاش، فقد تناولت قضايا مثل الاختفاء القسري، المحتجزين المدنيين، التعذيب، العنف الجنسي، الاستنكاف الضميري، تجنيد الأجانب في القوات الروسية، الاتجار بالبشر، آثار الحرب في النساء والرعاية، وملف الأطفال المرحلين.
هذا الدور مهم لسببين؛ أولاً، لأنه يمنح الجلسة بعداً ميدانياً وتوثيقياً يتجاوز الخطابات الدبلوماسية، وثانياً، لأنه يفتح ملفات قد لا تكون في صدارة مداخلات الدول، مثل الحق في الاستنكاف الضميري، الآثار النفسية طويلة الأمد، أو الأعباء الاجتماعية للرعاية.
كما طرحت بعض المنظمات أسئلة عملية على المفوضية حول كيفية تعزيز التوثيق والمتابعة في ظل منع الوصول، وكيف يمكن للدول الأعضاء ومجلس حقوق الإنسان الضغط للإفراج عن المحتجزين، وكيف يمكن ضمان احترام آليات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.
قراءة في خطاب المفوض السامي
في ملاحظاته الختامية، أعاد فولكر تورك ترتيب النقاش حول ثلاث قضايا مركزية: قانون الاحتلال، حقوق الأطفال، والمساءلة.
في قانون الاحتلال، أكد أن القوة القائمة بالاحتلال ملزمة باحترام القوانين والمؤسسات القائمة، وأن الاحتلال وضع مؤقت لا يسمح بإعادة تشكيل النظام القانوني والاجتماعي للسكان، وهذه رسالة مباشرة إلى روسيا، لكنها أيضاً رسالة للمجلس بأن الانتهاكات في الأراضي المحتلة يجب أن تُفهم ضمن إطار قانوني واضح.
في ملف الأطفال، شدد على ضرورة ضمان التعليم الملائم ثقافياً، بعيداً عن الدعاية الحربية، واحترام أوكرانيا بوصفها دولة مستقلة، وإتاحة الإنترنت والمناهج الأوكرانية ووسائل الإعلام المستقلة، كما دعا إلى الضغط على روسيا لتقديم معلومات عن الأطفال، وعدم تغيير أسمائهم أو جنسياتهم، ومنع تبني الأطفال المفصولين عن أسرهم، ودعم أوكرانيا لإعادة لمّ شمل الأطفال.
أما في ملف المساءلة، فشدد على استمرار التوثيق، وإتاحة الأدلة للآليات الوطنية والدولية، والتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، كما أكد أن أي عملية تفاوضية مستقبلية يجب أن تدمج قضايا حقوق الإنسان، وإلا فلن يكون أي سلام مستداماً.
تدل هذه الخاتمة على أن المفوضية تسعى إلى ربط وقف الحرب أو أي مسار تفاوضي مستقبلي بشرط حقوقي واضح: لا سلام مستداماً دون معالجة الانتهاكات، وضمان حقوق السكان في الأراضي المحتلة، وإنصاف الضحايا.
التحليل السياسي للجلسة
سياسياً، كشفت الجلسة عن ثلاثة اتجاهات.
· الاتجاه الأول هو اتجاه داعم لأوكرانيا ومتصاعد في تحميل روسيا المسؤولية، هذا الاتجاه لم يكتفِ بإدانة الحرب، بل تحدث عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وعن ضرورة محكمة خاصة لجريمة العدوان، وعن آليات تعويض ومساءلة، وهو يعكس رغبة واضحة في تحويل الملف الأوكراني إلى مسار عدالة طويل الأمد، لا مجرد ضغط دبلوماسي مؤقت.
· الاتجاه الثاني هو اتجاه إنساني أو دبلوماسي يدعو إلى الحوار والسلام، دون التخلي بالضرورة عن دعم سيادة أوكرانيا، تركيا مثال واضح على هذا الاتجاه، إذ أكدت دعمها لوحدة أراضي أوكرانيا، لكنها ركزت على الحوار والدبلوماسية وقنوات التواصل.
· الاتجاه الثالث هو اتجاه مضاد ينتقد طريقة طرح الملف داخل المجلس، ويراها مسيسة وانتقائية، وهذا الاتجاه الذي مثلته كوريا الشمالية وبيلاروس وفنزويلا يحاول نقل النقاش من سؤال “ما الانتهاكات التي ارتكبتها روسيا؟” إلى سؤال “هل المجلس يتعامل مع الملف بطريقة عادلة وغير انتقائية؟”
وهذا الانقسام يكشف أن مجلس حقوق الإنسان ليس فقط منصة قانونية، بل ساحة صراع سياسي حول السردية، فالدول الداعمة لأوكرانيا تريد تثبيت سردية العدوان والانتهاكات والمساءلة، في حين تسعى الدول المؤيدة أو المتفهمة للموقف الروسي إلى تفكيك شرعية هذه السردية عبر اتهامها بالتسييس.
التحليل الحقوقي لملف أوكرانيا
حقوقياً، الجلسة تؤكد أن الحرب في أوكرانيا تُناقش اليوم ضمن خمسة أطر قانونية متداخلة.
الإطار الأول هو القانون الدولي الإنساني، خصوصاً حماية المدنيين، حظر الهجمات العشوائية، حماية البنية التحتية المدنية، حماية أسرى الحرب، وحظر التعذيب.
الإطار الثاني هو القانون الدولي لحقوق الإنسان، خصوصاً الحق في الحياة، الصحة، التعليم، حرية التعبير، الحرية الشخصية، عدم التعرض للتعذيب، الحق في الملكية، والحق في الهوية الثقافية.
الإطار الثالث هو قانون الاحتلال الذي يحظر على القوة القائمة بالاحتلال إجراء تغييرات واسعة على النظام القانوني والمؤسسي أو فرض الولاء والجنسية والتجنيد القسري على السكان.
الإطار الرابع هو حقوق الطفل، خاصة الحماية من الترحيل، الحق في الأسرة، الهوية، التعليم، الحماية من الدعاية والعسكرة، ومنع تغيير الاسم أو الجنسية أو التبني القسري.
الإطار الخامس هو العدالة الدولية، ومنها التوثيق، التحقيق، المحكمة الجنائية الدولية، المحاكم الخاصة، آليات التعويض، وجبر الضرر.
تكمن قوة الجلسة في أنها جمعت هذه الأطر كلها ضمن سردية واحدة: الحرب ليست فقط مواجهة عسكرية، بل منظومة انتهاكات تمس المدنيين والأطفال والمحتجزين والهوية والمؤسسات والذاكرة والبيئة والبنية الاجتماعية.
أبرز الدلالات المستخلصة
· أولاً، هناك إجماع واسع بين الدول الغربية وحلفاء أوكرانيا على أن روسيا تتحمل المسؤولية الرئيسية عن الانتهاكات.
· ثانياً، ملف الأطفال أصبح من أقوى ملفات الضغط الحقوقي ضد روسيا؛ لأنه يجمع بين البعد الإنساني والبعد القانوني والبعد الهوياتي.
· ثالثاً، استهداف البنية التحتية للطاقة لم يعد يُطرح بوصفه ملفاً عسكرياً أو اقتصادياً فقط، بل بوصفه أزمة حقوق إنسان تمس بقاء المدنيين وكرامتهم.
· رابعاً، قضية الهوية الأوكرانية أصبحت جزءاً مركزياً من النقاش، خصوصاً في الأراضي المحتلة، حيث يُنظر إلى فرض اللغة والمناهج والجنسية والرواية الروسية بوصفها أدوات لتغيير المجتمع.
· خامساً، الوصول الدولي إلى الأراضي المحتلة يمثل نقطة ضعف رئيسية في عملية التوثيق والمساءلة.
· سادساً، المنظمات غير الحكومية لعبت دوراً مهماً في توسيع النقاش نحو قضايا تفصيلية مثل الاختفاء القسري، الاستنكاف الضميري، النساء والرعاية، الاتجار بالبشر، وتجنيد الأجانب.
· سابعاً، الجلسة أظهرت أن أي تسوية مستقبلية للحرب لن تكون مستدامة إذا تجاهلت ملف حقوق الإنسان والمساءلة وجبر الضرر.
خلاصة تحليلية
تؤكد الجلسة أن حالة حقوق الإنسان في أوكرانيا لم تعد تُقرأ فقط من زاوية الحرب المستمرة، بل من زاوية أوسع تتعلق بمصير المدنيين تحت القصف والاحتلال، وبمستقبل الأطفال، وبحماية الهوية الوطنية، وبقدرة النظام الدولي على فرض المساءلة.
المفوضية السامية قدمت إطاراً حقوقياً واضحاً: المدنيون يتعرضون لضرر متصاعد، البنية التحتية تُستهدف، ما يهدد الحقوق الأساسية، أسرى الحرب والمحتجزون يواجهون التعذيب وسوء المعاملة، والأراضي المحتلة تشهد تغييرات قانونية واجتماعية تمس جوهر قانون الاحتلال.
أوكرانيا حاولت تحويل الجلسة إلى مساحة لإثبات أن ما يجري ليس مجرد عدوان عسكري، بل محاولة لمحو شعب وهوية وذاكرة، أما الدول الداعمة لها فوسعت هذا الطرح عبر التركيز على المساءلة، الأطفال، القرم، الطاقة، والمحتجزين، وفي المقابل، حاولت دول مؤيدة أو قريبة من روسيا التشكيك في شرعية النقاش عبر خطاب التسييس والانتقائية.
من منظور حقوقي، الجلسة تحمل رسالة واضحة: الانتهاكات في أوكرانيا متعددة المستويات، ولا يمكن فصل القتل عن الاحتلال، ولا البنية التحتية عن الحق في الحياة، ولا التعليم عن الهوية، ولا التوثيق عن العدالة، ومن منظور سياسي، تؤكد الجلسة أن ملف أوكرانيا سيبقى أحد أهم ساحات الاختبار لمجلس حقوق الإنسان، ليس فقط في قدرته على الإدانة، بل في قدرته على حماية الحقيقة، دعم الضحايا، وربط أي مسار سلام مستقبلي بالمحاسبة وجبر الضرر.
